ست إماراتيات من جامعة خليفة يصنعن أثرًا كبيرًا

تواصل المرأة الإماراتية في جامعة خليفة تحقيق الإنجازات والإسهام في صناعة المستقبل، من مواقع متعددة تجمع بين البحث والتعليم والابتكار وريادة الأعمال وتمكين الأجيال القادمة. وبمناسبة يوم المرأة الإماراتية، نسلط الضوء على ست إماراتيات من أعضاء الهيئتين الأكاديمية والإدارية وطالبات الجامعة، لكل منهن مسيرتها وطموحها والتحدي الذي تسعى إلى تجاوزه. وسألنا كل واحدة منهن سؤالًا بسيطًا: ما المشكلة التي تعملين اليوم على إيجاد حل لها، كبيرةً كانت أم صغيرة؟



يسرى عبدالرحمن


كان اسم يسرى عبدالرحمن حاضرًا بقوة عندما طلبنا ترشيحات لشخصيات إماراتية ملهمة في جامعة خليفة.

تعمل يسرى عضوًا في الهيئة الأكاديمية في قسم هندسة الطيران والفضاء، وتشغل منصب نائبة مدير مركز البحوث والابتكار المتقدم. ومنذ عام 2014، تتعاون مع عدد من أبرز شركات قطاع الطيران والفضاء في دولة الإمارات، كما حصلت على العديد من الجوائز من وزارة الطاقة والصناعة. وإلى جانب مسيرتها المهنية الحافلة، تعيش يسرى تجربة الأمومة للمرة الخامسة.

تعليق الصورة: يسرى عبدالرحمن

ورغم تعدد مسؤولياتها، يبقى طلبتها في صميم اهتمامها، إذ تقول: “أحرص على تكريس جهودي لدعم طلبتي ومساندتهم، وأشعر، بصفتي مواطنة إماراتية، بمسؤولية تجاههم”.

“أقول لهم دائمًا: أنا أختكم الكبرى. أريدهم أن يشعروا بأن صوتهم مسموع، وأن هناك من يدعمهم ويمكنهم الاعتماد عليه، شخص مرّ يومًا بالتجربة التي يعيشونها اليوم”.

“أؤمن بأنهم سيصبحون يومًا ما مسؤولين عن أطفالي، سواء كانوا مديرين أو معلمين أو أساتذة. لذلك، أسعى كل يوم إلى أن أقدم لهم أفضل ما لدي، وهذا التحدي يدفعني باستمرار إلى تطوير نفسي”.


مريم الكندي


تدير مريم الكندي مكتب نجاح الطلبة وخدمات الخريجين، الذي تشمل مسؤولياته الإرشاد الطلابي، والورش المهنية، والتدريب العملي، وربط الطلبة بفرص العمل، إلى جانب التواصل مع خريجي جامعة خليفة ودعمهم.

تدير مريم الكندي مكتب نجاح الطلبة وخدمات الخريجين، الذي تشمل مسؤولياته الإرشاد الطلابي، والورش المهنية، والتدريب العملي، وربط الطلبة بفرص العمل، إلى جانب التواصل مع خريجي جامعة خليفة ودعمهم.

سألنا مريم عن المشكلة التي تسعى إلى حلها، أوضحت تكمن الفجوة في المسافة بين الإمكانات التي يمتلكها طلبتنا وخريجونا، ومدى وضوح هذه الإمكانات ومدى ارتباطها بالفرص المناسبة.

تقول: “أثق بقدرات طلبتنا وخريجينا ثقة كبيرة. فعندما يحصلون على الدعم والثقة والتوجيه والفرص المناسبة، يصبحون قادرين حقًا على التألق. ومسؤوليتنا هي مساعدتهم على إدراك ما يستطيعون تحقيقه، وإتاحة كل فرصة أمامهم لإثبات قدراتهم”.

وقد تجسدت هذه الرؤية في مبادرات مثل “الأجدر”، وهو برنامج جامعة خليفة يهدف إلى تعزيز جاهزية الطلبة لسوق العمل ويستند على رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد بأن “الرهان دائمًا على الأجدر”.

تعليق الصورة: مريم الكندي

 

وبالنسبة لمريم، تعكس هذه الرؤية مسؤولية أوسع تتمثل في إعداد الشباب ليس فقط للانخراط في سوق العمل، بل أيضًا للاستفادة من الفرص وتحمل المسؤوليات التي تصاحب دورهم كقادة المستقبل.

وتنطلق هذه الرؤية أيضًا من مبادرة “أثر”، برنامج جامعة خليفة للإرشاد والتوجيه. تقول مريم: “أثر يعني التأثير. فأحيانًا قد يكون الأثر لمرشد مناسب أو لنصيحة قيّمة أو حتى لمجرد حوار هادف في الوقت المناسب، أثرٌ قادر على تغيير مسار حياة شخص ما.
وتضيف: “يستحق طلبتنا وقادة المستقبل منا أن نبذل كل ما في وسعنا من إمكانات، لمساعدتهم على النجاح والتطور والتألق”.


غدير مبارك


تعليق الصورة: غدير مبارك

تمثل غدير مبارك إحدى قصص النجاح في جامعة خليفة التي بدأت من مقاعد الدراسة واستمرت إلى البحث والمسار الأكاديمي.

حصلت غدير على درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه من جامعة خليفة، وهي اليوم عضو في الهيئة الأكاديمية بقسم الهندسة الكيميائية والبترولية، وتتعاون مع مركز الإمارات للتكنولوجيا النووية. كما تسير ضمن مسار أعضاء الهيئة الأكاديمية المواطنين تمهيدًا لتولي منصب أستاذة مساعدة خلال عامين، وتستعد لخوض تجربة بحثية جديدة لما بعد الدكتوراه في فانكوفر بكندا.

“أحاول حاليًا تحقيق التوازن بين حياتي المهنية وحياتي الجديدة”، تقول غدير.

“سأتزوج قريبًا، وفي الوقت نفسه أستعد لوظيفة جديدة والانتقال إلى بلد جديد؛ لذا تحدث تغييرات كثيرة في حياتي في وقت واحد”.

“ستكون لدي حياة جديدة، وزوج، ومنزل جديد، وكل شيء تقريبًا جديد. وأعتقد أن تحقيق التوازن بين العمل والمنزل والأسرة تحدٍّ تواجهه كثير من النساء”.



حليمة النقبي


تجمع حليمة النقبي بين دورين: الباحثة والمرشدة.

تركز بحوثها على علم الجينوم والأوميكس المتعدد، من خلال دراسة طبقات جزيئية مختلفة لبناء فهم أشمل لوظائف الخلايا والصحة والمرض، ولا سيما في مجالي السرطان وأمراض المناعة الذاتية، مثل التصلب المتعدد.

 

كما تترأس مجموعة المرأة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في جامعة خليفة، التي تقدم الإرشاد والدعم لطلبة البكالوريوس والدراسات العليا.

تعليق الصورة: حليمة النقبي

وتشير حليمة إلى الحضور اللافت للمرأة في التخصصات الهندسية في دولة الإمارات، قائلة: “تشكل النساء، بحسب تقديري، نحو 60% من طلبة تخصصات الهندسة في دولة الإمارات، بينما تنعكس هذه النسبة في دول أخرى”.

“أوظف الذكاء الاصطناعي في عدد من المشروعات التي أعمل عليها، ويهمني بشكل خاص استكشاف كيفية الاستفادة منه لمساعدة الأطباء على استخلاص معلومات أفضل حول صحة المرضى من بياناتهم الجينومية”.

“نتحدث كثيرًا عن الطب الدقيق والاستفادة من علم الجينوم لعلاج الأمراض قبل ظهورها، لكن السؤال هو: كيف يمكننا، كمهندسين ومهندسين في الطب الحيوي، توظيف الذكاء الاصطناعي ونماذج اللغة الكبيرة لتطوير أدوات عملية يستطيع الأطباء استخدامها في عملهم اليومي؟”



حمدة المنذري


تعليق الصورة: حمدة المنذري

تجمع حمدة المنذري بين الدراسة وريادة الأعمال والاستعداد لمرحلة مهنية جديدة.

بدأت مؤخرًا دراسة الماجستير في هندسة الأنظمة وإدارتها بجامعة خليفة، وتدير مشروعين تجاريين، إلى جانب استعدادها لبدء وظيفة جديدة. أطلقت أحد مشروعيها بالشراكة مع والدتها لبيع الشاي، فيما يتمثل مشروعها الآخر في منصة اجتماعية تحمل اسم “فور غيرلز” For the Girls، تنظم ورشًا وفعاليات تمنح النساء مساحة آمنة وممتعة للتعارف وبناء صداقات جديدة.

“منحني تخصص هندسة الحاسوب فهمًا جيدًا للأجهزة والبرمجيات، لكنني بدأت أتطلع إلى فهم الصورة الأكبر وكيف تعمل هذه العناصر معًا، وهذا ما دفعني إلى دراسة هندسة الأنظمة وإدارتها”، تقول حمدة.

“علمتني هذه التجربة الكثير عن إدارة وقتي والموازنة بين مشاعري ومسؤولياتي. أدركت أن ما يمكنني فعله هو الدعاء لصديقتي، والوجود إلى جانبها ودعمها نفسيًا ومعنويًا، وفي الوقت نفسه ألا أتوقف عن الاهتمام بنفسي وأولوياتي، وهذا لا يجعلني أنانية”.



عائشة السويدي


كانت عائشة السويدي في كوبنهاغن، تستريح بعد انتهاء عمل ميداني في غرينلاند، عندما تحدثنا معها.

تدرس الباحثة في جامعة خليفة التغيرات المناخية والبيئية عبر العصور الجيولوجية الممتدة لمئات الملايين من السنين، لفهم الفترات التي شهد فيها الغلاف الجوي ارتفاعات طبيعية في مستويات ثاني أكسيد الكربون، وتأثير ذلك في البيئة، والوقت الذي احتاجه كوكب الأرض للتعافي.

ومن هنا جاءت رحلتها إلى غرينلاند، التي تحتفظ في جليدها وصخورها تحت الجليدية بسجل طبيعي يساعد الباحثين على دراسة الغلاف الجوي ودرجات الحرارة واستقرار الصفائح الجليدية في عصور سابقة.

“أعمل حاليًا على إعادة بناء صورة لفترة من تاريخ الأرض شهدت مستويات مرتفعة جدًا لسطح البحر، تشبه ما قد نشهده مستقبلًا إذا استمر ذوبان القمم الجليدية القطبية نتيجة الاحترار المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية”.

تعليق الصورة: عائشة السويدي

“نحاول فهم كيفية استجابة الأرض وتأثير هذه التغيرات في الأنظمة الطبيعية. ويمكن لمثل هذه الدراسات أن تساعدنا على فهم الآثار المحتملة للتغير المناخي الذي تسببت فيه الأنشطة البشرية، وكيف يمكننا التخفيف منها أو الحد من تبعاتها”.

اقرأ أيضًا:فضاء يشمل النساء

استعدوا لمشاهدة شهب البرشاويات

يستعد هواة الرصد الفلكي لمتابعة واحد من أبرز العروض الفلكية السنوية، حيث تبلغ زخة شهب البرشاويات ذروتها خلال شهر أغسطس؛ إذ يمكن رؤية ما يصل إلى 100 شهاب في الساعة بالعين المجردة.

نشاط الزخة قد بدأ بالفعل، وإن أفضل الأوقات لمشاهدتها ستكون بين منتصف الليل وقبل شروق الشمس يومي 12 و13 أغسطس.

لن تحتاج إلى تلسكوب أو منظار، ولكن يُنصح بمنح العينين نحو 20 دقيقة للتكيف مع الظلام، والابتعاد عن أضواء المدن للحصول على أفضل رؤية.

تنظم مجموعة دبي للفلك Dubai Astronomy Group رحلة لرصد الزخة في إمارة رأس الخيمة،

يُرجى التسجيل مسبقًا للمشاركة.

تحليل لما بعد العاصفة

 شهدت دولة الإمارات، في أبريل 2024 عاصفة جوية استثنائية تسببت في هطول كميات من الأمطار تجاوزت المعدل السنوي المعتاد خلال يوم واحد، مما أدى إلى فيضانات واسعة النطاق أسفرت عن إغلاق الطرق، وغمر المنازل بالمياه، وتعطيل الرحلات الجوية، وتضرر المنشآت. ويُعد تغير المناخ أحد العوامل الرئيسة وراء هذه الأضرار، وهو تفسير صحيح إلى حد كبير، لكنه لا يقدم الصورة الكاملة.

ففي دراسة جديدة نُشرت في مجلة علوم المناخ والغلاف الجوي، توصل فريق بحثي من جامعة خليفة، بقيادة الدكتورة ديانا فرانسيس، إلى أن ارتفاع درجات الحرارة الناجم عن تغير المناخ أدى إلى زيادة محتوى الرطوبة في الغلاف الجوي، مما أسهم في زيادة غزارة الأمطار، في حين ساهم التوسع العمراني والنمو السكاني في تضخيم آثار هذه الظاهرة.

CAPTION: ديانا فرانسيس الصورة: جامعة خليفة

واعتمد الباحثون على بيانات الرصد الجوي، والنماذج المناخية، وصور الأقمار الاصطناعية لتحليل أسباب العاصفة وتفسير شدة آثارها. وأظهرت النتائج أن الاحترار العالمي الناتج عن الأنشطة البشرية أسهم في زيادة كميات الأمطار الهاطلة، في حين لعبت الأنماط الجوية الطبيعية دورًا مهمًا أيضًا.

وكشفت الدراسة أن التوسع العمراني المتسارع في دولة الإمارات زاد من تعرض المناطق الحضرية لمخاطر الظواهر الجوية المتطرفة. وكانت الطرق والمباني والمطارات الأكثر تضررًا في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، حيث تحد الأسطح الخرسانية والإسفلتية من قدرة مياه الأمطار على التسرب إلى التربة.

كما أظهرت صور الأقمار الاصطناعية أن أكثر المناطق عمرانًا في أبوظبي ودبي سجلت أعلى مستويات التعرض للفيضانات.

وتخلص الدراسة إلى أن عاصفة أبريل 2024 قد تمثل نموذجًا لما قد تواجهه المدن الواقعة في المناطق الجافة بوتيرة أكبر مع استمرار ارتفاع درجات حرارة المناخ.

مواضيع ذات صلة: حين تتجاوز الشدة حدودها

دراسة في علم الأدلة الجنائية

داخل مختبر الأدلة الجنائية، تُنفَّذ كل حركة بدقة، ويكتسب كل تفصيل أهمية بالغة.

تتنقل شيماء المرزوقي بحذر بين محطات العمل، تراقب العينات تحت المجاهر، تسجّل بياناتها، وتتعامل مع أجهزة صُممت للكشف عن أدق الأدلة الكيميائية والبيولوجية الخفية. وفي الخلفية، يمتزج طنين الأجهزة الهادئ مع صوت أغطية الأنابيب وحفيف صواني الأدلة، لينسج المكان جوًّا من التركيز الصامت.

شيماء المرزوقي، هي خريجة حديثة من قسم الكيمياء في جامعة خليفة، لم يكن شغفها بعلم الأدلة الجنائية وليد اللحظة، بل ترعرع معها منذ الصغر.

تقول: “لطالما كنت فضولية بشأن كيفية تفاعل الأشياء على المستوى الجزيئي”.

هذا الفضول وجد طريقه إلى علم الأدلة الجنائية عبر روايات الجريمة، وتحديدًا قصص شيرلوك هولمز.

تتذكر قائلة: “تلك القصص أشعلت شغفي بكيفية كشف الحقيقة من خلال الأدلة والأساليب العلمية”.

في جامعة خليفة، أرست شيماء أساسًا متينًا في الكيمياء العضوية والفيزيائية، قبل أن تختار مسار علم الأدلة الجنائية في سنتها الرابعة.

الشرح: شيماء المرزوقي تكشف البصمات في مختبر الأدلة الجنائية:  الصورة: روضة الحمادي

ومنحتها المقررات المتخصصة في التحليل الجنائي والتعامل مع الأدلة والتقنيات التحليلية فكرة واضحة عن كيفية توظيف الكيمياء خارج جدران الفصول الدراسية، وتحديدًا في حل التحقيقات الواقعية.

وبحلول الوقت الذي التحقت فيه بهذا المسار، كانت قد بنت بالفعل فهمًا راسخًا لأساسيات الكيمياء، ما جعل انتقالها إلى العمل الجنائي التطبيقي أكثر سلاسة وإثارة.


العمل الجنائي لا يقتصر على التقنيات العلمية فحسب، بل يتعلق بالمسؤولية والأخلاقيات وخدمة المجتمع.

– شيماء المرزوقي،  خريجة كيمياء من جامعة خليفة


لكن الدروس النظرية شيء، والواقع شيء آخر – وهذا ما اكتشفته شيماء خلال تدريبها الداخلي في المختبر الجنائي التابع لـشرطة الشارقة.

على مدى شهرين، تنقلت بين عدة أقسام، لترى بأم عينها كيف تُجمع الأدلة، وتُحلَّل، ثم تُوثَّق في تقارير رسمية. ففي وحدة التحليل الكيميائي، جهّزت العينات، واختبرت مواد كالمخدرات والدم، وراقبت كيف يستخدم العلماء الأجهزة المتطورة لفحص الأدلة. كما شهدت تحليل الحمض النووي عن قرب، وتعلّمت كيف تُستخلص المادة الوراثية وتُدرس بدقة. وكان كل يوم يحمل تحديًا جديدًا وفرصة تعلّم مختلفة، ما جعل التجربة مكثفة ومجزية.

بعض المواقف كانت ثقيلة على النفس. فمشاهدة عملية تشريح للمرة الأولى لم تكن أمرًا سهلًا.

توضح شيماء: “كان الأمر صعبًا في البداية، لكن إدراكي لأهميته – في تحديد سبب الوفاة ومساعدة العائلات – هو ما أبقاني متماسكة ومهنية”.

وسرعان ما أدركت أن التحكم بمشاعرها مع الحفاظ على التركيز، مهارة لا تقل أهمية عن أي تقنية مخبرية تعلمتها.

وفي المقابل، كانت هناك مواقف أخرى أقرب إلى الإثارة منها إلى الأسى. فقد اطّلعت شيماء المرزوقي على قضايا معقدة تعامل معها المختبر، من سرقات السيارات إلى سرقات المجوهرات، بدت في بعض الأحيان وكأنها مشاهد من فيلم سينمائي. لكن كل قضية كانت تذكّرها بالدقة المتناهية التي يتطلبها العمل الجنائي، إذ إن أبسط خطأ قد يقوّض تحقيقًا بأكمله، ما يجعل الانتباه للتفاصيل أمرًا حاسمًا.

تقول: “أدركت بسرعة أن كل خطوة مهمة، مهما بدت صغيرة”.

أما أكثر اللحظات التي اعتزت بها، فجاءت من إنجازات عملية ملموسة، أبرزها نجاحها في رفع بصمة إصبع باستخدام شريط لاصق خاص، بطريقة تُعرف بـ“تقنية الرفع” – وهي مهارة طالما واجهت صعوبة في إتقانها داخل مختبرات الجامعة.

تتذكر بفخر: “كان نجاحي في تنفيذها بالشكل الصحيح داخل مختبر أدلة جنائية حقيقي شعورًا مُرضيًا ومُجزياً للغاية”. هذه اللحظات عزّزت ثقتها بنفسها، ورسّخت شغفها بعلم الأدلة الجنائية.

خلال فترة التدريب، تعاملت مع مجموعة متنوعة من الأدوات والأجهزة. ففي الجامعة، اعتادت استخدام أدوات مخبرية قياسية كأجهزة التحليل المناعي والمجاهر الضوئية. أما في المختبر الجنائي، فقد شهدت أجهزة أكثر تطورًا: بعضها قادر على تحديد المواد المجهولة، وبعضها الآخر مصمم لاستخلاص الحمض النووي وتحليله.

وتعرّفت كذلك على تقنيات جديدة للتعامل مع الأدلة بحذر وأمان، من بينها أنظمة الاستخلاص EZ1 وEZ2 وأجهزة التحليل الوراثي، وهي معدات لم تكن متوفرة في جامعتها. أجهزة كانت تقرأ عنها فقط في الكتب، تحولت فجأة إلى أدوات حقيقية تراها تعمل أمام عينيها – ما مكّنها من تطبيق ما تعلمته نظريًا على تحقيقات واقعية، واكتساب ثقة أكبر بقدراتها التقنية.

اختلفت مسؤولياتها باختلاف القسم الذي كانت تتنقل إليه.


CAPTION: عينات بصمات الأصابع IMAGE: روضة الحمادي

ففي وحدة الاستقبال، ساعدت في التحقق من الأدلة الواردة وتسجيلها، والتأكد من توسيمها وتوثيقها قبل إرسالها للتحليل. وفي أقسام التحليل الكيميائي والبيولوجي، جهّزت واختبرت عينات كالدم والمخدرات والبول، مع توثيق دقيق للنتائج تحت إشراف المختصين.

وراقبت أيضًا فحوصات الحمض النووي وعمليات التشريح والتعامل مع العينات الجنائية الحساسة. وفي بعض الأقسام، اقتصر دورها على المراقبة فقط نظرًا لارتفاع خطر التلوث، لكن حتى مجرد مشاهدة الخبراء منحتها فهمًا أعمق لكيفية سير العمل الجنائي في كل مرحلة.

بالنسبة لشيماء، لم يكن التدريب مجرد متطلب أكاديمي؛ بل كان تجربة أثبتت لها كيف يمكن للكيمياء أن تُحدث فرقًا حقيقيًا في التحقيقات الجنائية، ورسّخت قناعتها بشغفها تجاه هذا المجال. كما ساعدتها على تحديد المجالات الأقرب إلى مهاراتها، مثل التحليل الكيميائي وتحليل البصمات والتحقيق في مسرح الجريمة، في حين وجدت أن مجالات أخرى، كالطب الشرعي، أقل ملاءمة لمسارها المهني المستقبلي.


أدركت بسرعة أن كل خطوة مهمة، مهما بدت صغيرة.
شيماء المرزوقي


أبرزت التجربة أيضًا أهمية المرونة النفسية. فالتعامل مع أدلة حساسة، ومشاهدة عمليات التشريح، والانخراط في تحقيقات عالية المخاطر، قد يكون مرهقًا، لكن شيماء تعلّمت كيف تحافظ على مهنيتها وتركيزها.

تقول: “العمل الجنائي لا يقتصر على التقنيات العلمية فحسب، بل يتعلق بالمسؤولية والأخلاقيات وخدمة المجتمع”.

ومن الدروس المهمة الأخرى: الاهتمام بالتفاصيل، والتفكير التحليلي، وأهمية امتلاك أساس متين في الأساليب المخبرية.

وقد شاركت شيماء تجربتها في ندوة التعلم التجريبي بالجامعة، حيث تحدثت عن مدى تأثيرها في مسيرتها الأكاديمية ونموها الشخصي.

تقول: “منحتني الفرصة لأظهر كيف يمكن للتجربة العملية أن تحوّل المعرفة النظرية إلى مهارات حقيقية”. ومشاركة رحلتها مع زملائها عززت فهمها الشخصي لعلم الأدلة الجنائية، وألهمت أقرانها لاستكشاف فرص عملية مماثلة في مجالاتهم.

CAPTION: المختبر الجنائي في جماعة خليفة، ساس النخلالصورة: روضة الحمادي

ولمن يطمح للسير على خطاها، لديها نصائح واضحة: تشدد على أهمية بناء أساس قوي في الكيمياء التحليلية والتقنيات المخبرية، فهي أدوات لا غنى عنها في كل قسم جنائي تقريبًا. كما تشجع الطلاب على خوض تدريبات داخلية لتجربة العمل الجنائي الحقيقي بأنفسهم.

تقول: “رؤية كيفية سير التحقيقات في مختبر حقيقي يمنحك فهمًا أعمق بكثير من مجرد العمل في مختبر جامعي”.

وتشدد أيضًا على أهمية البقاء فضوليًا وشغوفًا بالمجال. وأخيرًا، تسلّط الضوء على المرونة العاطفية باعتبارها مهارة أساسية.

توضح قائلة: “بعض جوانب العمل الجنائي، كمشاهدة عمليات التشريح أو التعامل مع القضايا الحساسة، قد تكون صعبة. عليك أن تبقى مهنيًا ومركزًا على الهدف الأسمى من هذا العمل”.

تثبت رحلة شيماء من مختبرات الجامعة إلى ميدان التحقيقات الجنائية الحقيقية، أن الفضول والمثابرة والتجربة العملية قوة لا يُستهان بها. فالكيمياء ليست مجرد تفاعلات داخل أنابيب الاختبار، بل أداة لكشف الحقائق الخفية، وحل الألغاز، والمساهمة في تحقيق العدالة.

وقصتها تؤكد أنه حين تلتقي المعرفة العلمية بالتطبيق العملي، يمكن أن يُحدث ذلك أثرًا عميقًا في المجتمع.

ويمكن لعلماء الأدلة الجنائية الطموحين أن يتعلموا من تجربتها أن الشغف والاهتمام بالتفاصيل والمثابرة، لا تقل أهمية عن المهارات التقنية البحتة. فمن خلال التدريب العملي والدراسة الجادة، يستطيع الطلبة تحويل فضولهم إلى مسارات مهنية هادفة ومؤثرة.

قد يكون اتباع نصائح شيماء بوصلة تهدي الجيل القادم من علماء الأدلة الجنائية نحو النجاح والثقة والرضا في هذا المجال المليء بالتحديات.

روضة الحمادي طالبة في السنة الثالثة من قسم هندسة الكيمياء في جامعة خليفة

اقرأ أيضًا: شكل جديد من القياسات الحيوية: نحن كلّنا آذان صاغية