الدور الذي تلعبه المنصات وأسباب ذلك›››
داخل مختبر الأدلة الجنائية، تُنفَّذ كل حركة بدقة، ويكتسب كل تفصيل أهمية بالغة.
تتنقل شيماء المرزوقي بحذر بين محطات العمل، تراقب العينات تحت المجاهر، تسجّل بياناتها، وتتعامل مع أجهزة صُممت للكشف عن أدق الأدلة الكيميائية والبيولوجية الخفية. وفي الخلفية، يمتزج طنين الأجهزة الهادئ مع صوت أغطية الأنابيب وحفيف صواني الأدلة، لينسج المكان جوًّا من التركيز الصامت.
شيماء المرزوقي، هي خريجة حديثة من قسم الكيمياء في جامعة خليفة، لم يكن شغفها بعلم الأدلة الجنائية وليد اللحظة، بل ترعرع معها منذ الصغر.
تقول: “لطالما كنت فضولية بشأن كيفية تفاعل الأشياء على المستوى الجزيئي”.
هذا الفضول وجد طريقه إلى علم الأدلة الجنائية عبر روايات الجريمة، وتحديدًا قصص شيرلوك هولمز.
تتذكر قائلة: “تلك القصص أشعلت شغفي بكيفية كشف الحقيقة من خلال الأدلة والأساليب العلمية”.
في جامعة خليفة، أرست شيماء أساسًا متينًا في الكيمياء العضوية والفيزيائية، قبل أن تختار مسار علم الأدلة الجنائية في سنتها الرابعة.
الشرح: شيماء المرزوقي تكشف البصمات في مختبر الأدلة الجنائية: الصورة: روضة الحماديومنحتها المقررات المتخصصة في التحليل الجنائي والتعامل مع الأدلة والتقنيات التحليلية فكرة واضحة عن كيفية توظيف الكيمياء خارج جدران الفصول الدراسية، وتحديدًا في حل التحقيقات الواقعية.
وبحلول الوقت الذي التحقت فيه بهذا المسار، كانت قد بنت بالفعل فهمًا راسخًا لأساسيات الكيمياء، ما جعل انتقالها إلى العمل الجنائي التطبيقي أكثر سلاسة وإثارة.
العمل الجنائي لا يقتصر على التقنيات العلمية فحسب، بل يتعلق بالمسؤولية والأخلاقيات وخدمة المجتمع.
– شيماء المرزوقي، خريجة كيمياء من جامعة خليفة
لكن الدروس النظرية شيء، والواقع شيء آخر – وهذا ما اكتشفته شيماء خلال تدريبها الداخلي في المختبر الجنائي التابع لـشرطة الشارقة.
على مدى شهرين، تنقلت بين عدة أقسام، لترى بأم عينها كيف تُجمع الأدلة، وتُحلَّل، ثم تُوثَّق في تقارير رسمية. ففي وحدة التحليل الكيميائي، جهّزت العينات، واختبرت مواد كالمخدرات والدم، وراقبت كيف يستخدم العلماء الأجهزة المتطورة لفحص الأدلة. كما شهدت تحليل الحمض النووي عن قرب، وتعلّمت كيف تُستخلص المادة الوراثية وتُدرس بدقة. وكان كل يوم يحمل تحديًا جديدًا وفرصة تعلّم مختلفة، ما جعل التجربة مكثفة ومجزية.
بعض المواقف كانت ثقيلة على النفس. فمشاهدة عملية تشريح للمرة الأولى لم تكن أمرًا سهلًا.
توضح شيماء: “كان الأمر صعبًا في البداية، لكن إدراكي لأهميته – في تحديد سبب الوفاة ومساعدة العائلات – هو ما أبقاني متماسكة ومهنية”.
وسرعان ما أدركت أن التحكم بمشاعرها مع الحفاظ على التركيز، مهارة لا تقل أهمية عن أي تقنية مخبرية تعلمتها.
وفي المقابل، كانت هناك مواقف أخرى أقرب إلى الإثارة منها إلى الأسى. فقد اطّلعت شيماء المرزوقي على قضايا معقدة تعامل معها المختبر، من سرقات السيارات إلى سرقات المجوهرات، بدت في بعض الأحيان وكأنها مشاهد من فيلم سينمائي. لكن كل قضية كانت تذكّرها بالدقة المتناهية التي يتطلبها العمل الجنائي، إذ إن أبسط خطأ قد يقوّض تحقيقًا بأكمله، ما يجعل الانتباه للتفاصيل أمرًا حاسمًا.
تقول: “أدركت بسرعة أن كل خطوة مهمة، مهما بدت صغيرة”.
أما أكثر اللحظات التي اعتزت بها، فجاءت من إنجازات عملية ملموسة، أبرزها نجاحها في رفع بصمة إصبع باستخدام شريط لاصق خاص، بطريقة تُعرف بـ“تقنية الرفع” – وهي مهارة طالما واجهت صعوبة في إتقانها داخل مختبرات الجامعة.
تتذكر بفخر: “كان نجاحي في تنفيذها بالشكل الصحيح داخل مختبر أدلة جنائية حقيقي شعورًا مُرضيًا ومُجزياً للغاية”. هذه اللحظات عزّزت ثقتها بنفسها، ورسّخت شغفها بعلم الأدلة الجنائية.
خلال فترة التدريب، تعاملت مع مجموعة متنوعة من الأدوات والأجهزة. ففي الجامعة، اعتادت استخدام أدوات مخبرية قياسية كأجهزة التحليل المناعي والمجاهر الضوئية. أما في المختبر الجنائي، فقد شهدت أجهزة أكثر تطورًا: بعضها قادر على تحديد المواد المجهولة، وبعضها الآخر مصمم لاستخلاص الحمض النووي وتحليله.
وتعرّفت كذلك على تقنيات جديدة للتعامل مع الأدلة بحذر وأمان، من بينها أنظمة الاستخلاص EZ1 وEZ2 وأجهزة التحليل الوراثي، وهي معدات لم تكن متوفرة في جامعتها. أجهزة كانت تقرأ عنها فقط في الكتب، تحولت فجأة إلى أدوات حقيقية تراها تعمل أمام عينيها – ما مكّنها من تطبيق ما تعلمته نظريًا على تحقيقات واقعية، واكتساب ثقة أكبر بقدراتها التقنية.
اختلفت مسؤولياتها باختلاف القسم الذي كانت تتنقل إليه.
CAPTION: عينات بصمات الأصابع IMAGE: روضة الحماديففي وحدة الاستقبال، ساعدت في التحقق من الأدلة الواردة وتسجيلها، والتأكد من توسيمها وتوثيقها قبل إرسالها للتحليل. وفي أقسام التحليل الكيميائي والبيولوجي، جهّزت واختبرت عينات كالدم والمخدرات والبول، مع توثيق دقيق للنتائج تحت إشراف المختصين.
وراقبت أيضًا فحوصات الحمض النووي وعمليات التشريح والتعامل مع العينات الجنائية الحساسة. وفي بعض الأقسام، اقتصر دورها على المراقبة فقط نظرًا لارتفاع خطر التلوث، لكن حتى مجرد مشاهدة الخبراء منحتها فهمًا أعمق لكيفية سير العمل الجنائي في كل مرحلة.
بالنسبة لشيماء، لم يكن التدريب مجرد متطلب أكاديمي؛ بل كان تجربة أثبتت لها كيف يمكن للكيمياء أن تُحدث فرقًا حقيقيًا في التحقيقات الجنائية، ورسّخت قناعتها بشغفها تجاه هذا المجال. كما ساعدتها على تحديد المجالات الأقرب إلى مهاراتها، مثل التحليل الكيميائي وتحليل البصمات والتحقيق في مسرح الجريمة، في حين وجدت أن مجالات أخرى، كالطب الشرعي، أقل ملاءمة لمسارها المهني المستقبلي.
أدركت بسرعة أن كل خطوة مهمة، مهما بدت صغيرة.
– شيماء المرزوقي
أبرزت التجربة أيضًا أهمية المرونة النفسية. فالتعامل مع أدلة حساسة، ومشاهدة عمليات التشريح، والانخراط في تحقيقات عالية المخاطر، قد يكون مرهقًا، لكن شيماء تعلّمت كيف تحافظ على مهنيتها وتركيزها.
تقول: “العمل الجنائي لا يقتصر على التقنيات العلمية فحسب، بل يتعلق بالمسؤولية والأخلاقيات وخدمة المجتمع”.
ومن الدروس المهمة الأخرى: الاهتمام بالتفاصيل، والتفكير التحليلي، وأهمية امتلاك أساس متين في الأساليب المخبرية.
وقد شاركت شيماء تجربتها في ندوة التعلم التجريبي بالجامعة، حيث تحدثت عن مدى تأثيرها في مسيرتها الأكاديمية ونموها الشخصي.
تقول: “منحتني الفرصة لأظهر كيف يمكن للتجربة العملية أن تحوّل المعرفة النظرية إلى مهارات حقيقية”. ومشاركة رحلتها مع زملائها عززت فهمها الشخصي لعلم الأدلة الجنائية، وألهمت أقرانها لاستكشاف فرص عملية مماثلة في مجالاتهم.
CAPTION: المختبر الجنائي في جماعة خليفة، ساس النخلالصورة: روضة الحماديولمن يطمح للسير على خطاها، لديها نصائح واضحة: تشدد على أهمية بناء أساس قوي في الكيمياء التحليلية والتقنيات المخبرية، فهي أدوات لا غنى عنها في كل قسم جنائي تقريبًا. كما تشجع الطلاب على خوض تدريبات داخلية لتجربة العمل الجنائي الحقيقي بأنفسهم.
تقول: “رؤية كيفية سير التحقيقات في مختبر حقيقي يمنحك فهمًا أعمق بكثير من مجرد العمل في مختبر جامعي”.
وتشدد أيضًا على أهمية البقاء فضوليًا وشغوفًا بالمجال. وأخيرًا، تسلّط الضوء على المرونة العاطفية باعتبارها مهارة أساسية.
توضح قائلة: “بعض جوانب العمل الجنائي، كمشاهدة عمليات التشريح أو التعامل مع القضايا الحساسة، قد تكون صعبة. عليك أن تبقى مهنيًا ومركزًا على الهدف الأسمى من هذا العمل”.
تثبت رحلة شيماء من مختبرات الجامعة إلى ميدان التحقيقات الجنائية الحقيقية، أن الفضول والمثابرة والتجربة العملية قوة لا يُستهان بها. فالكيمياء ليست مجرد تفاعلات داخل أنابيب الاختبار، بل أداة لكشف الحقائق الخفية، وحل الألغاز، والمساهمة في تحقيق العدالة.
وقصتها تؤكد أنه حين تلتقي المعرفة العلمية بالتطبيق العملي، يمكن أن يُحدث ذلك أثرًا عميقًا في المجتمع.
ويمكن لعلماء الأدلة الجنائية الطموحين أن يتعلموا من تجربتها أن الشغف والاهتمام بالتفاصيل والمثابرة، لا تقل أهمية عن المهارات التقنية البحتة. فمن خلال التدريب العملي والدراسة الجادة، يستطيع الطلبة تحويل فضولهم إلى مسارات مهنية هادفة ومؤثرة.
قد يكون اتباع نصائح شيماء بوصلة تهدي الجيل القادم من علماء الأدلة الجنائية نحو النجاح والثقة والرضا في هذا المجال المليء بالتحديات.
روضة الحمادي طالبة في السنة الثالثة من قسم هندسة الكيمياء في جامعة خليفة
اقرأ أيضًا: شكل جديد من القياسات الحيوية: نحن كلّنا آذان صاغية

