صعود الزراعة العمودية

كان الوقوف في المنزل الريفي والنظر إلى الحقول الممتدة لمسافات بعيدة هو الوسيلة التقليدية لمشاهدة عملية الزراعة. واليوم بدلًا من النظر إلى المزارع على امتدادها الواسع، أصبحنا ننظر إليها متجهين برؤوسنا إلى الأعلى بفضل الابتكار الزراعي الذي يعزز الاستدامة والأمن الغذائي لصالح البيئة.

ذكر ديكسون ديسبوميير، في كتابه الصادر عام 2010، بعنوان “المزرعة العمودية” أن المزارعين في المزارع الداخلية لن يحتاجوا لانتظار سقوط الأمطار وأشعة الشمس ودرجات الحرارة المعتدلة أو أي شيء آخر يتعلق بإنتاج المحاصيل الغذائية بفضل ما توفره لهم الزراعة العمودية. لقد ظهر مفهوم الزراعة العمودية قبل ذلك كثيرًا، ولكن ديكسون كان أول من نقل المفهوم إلى مرحلة التنفيذ العملي، وكان ذلك في عام 1999.

تحدى ديكسون طلبته خلال فترة عمله كأستاذ للعلوم البيئة في جامعة كولومبيا، قائلًا لهم أنه يستطيع إطعام أعداد هائلة من البشر باستخدام 5 هكتارات من أسطح المباني السكنية. وتطور هذا التحدي على مدار تسع سنوات ليصبح مبنىً واحدًا مكونًا من 30 طابقًا يمكنه تلبية حاجة 50,000 شخص من الغذاء.

يعتبر ذلك البداية الأساسية البسيطة لمخطط بناء منشأة لمزاولة الزراعة العمودية لغرض تجاري. وكان الهدف هو الاستدامة والأمن الغذائي.

وقالت هندة محمودي، أخصائية علم وظائف أعضاء النبات، في المركز الدولي للزراعة الملحية، وهو مركز بحثي غير ربحي في دبي، في مقابلة مع مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا: “تحظى الزراعة العمودية بإمكانيات كبيرة فيما يتعلق بالأمن الغذائي العالمي، لذلك تُعَد حلًا عمليًا لإنتاج محاصيل معينة في ظروف بيئية غير ملائمة. وتمثل الزراعة العمودية نهجًا يتسم بالكفاءة لإنتاج المزيد من الطعام بموارد أقل تأثير بيئي أقل”.

كيف تعمل الزراعة العمودية؟

تُعَد الزراعة العمودية طريقة للزراعة داخل الأماكن المغلقة، حيث تتضمن زراعة صفوف من المحاصيل وتجميعها في مراحل مختلفة من النمو، بحيث يخضع كل شيء تحتاجه هذه المحاصيل للتحكم والرصد.

توجد ثلاثة أنواع من حلول الزراعة العمودية، ويتوقف اختيارك لأي حل من هذه الحلول لتطبيقه داخل مزرعتك على إمكانيات مزرعتك وأنواع النباتات التي تنوي زراعتها.

ويتمثل الحل الأول في الزراعة المائية المركبة، وهي نظام تكاملي دوري يجمع ما بين تربية الأسماك وزراعة النباتات، حيث يتم ترشيح مياه الأسماك والاستفادة منها في تغذية النباتات. وتتولى النباتات بدورها أكسدة المياه ثم إعادتها إلى السمك مجددًا. ويمكن لهذا النظام زراعة مئات النباتات.

IMAGE: وكالة الفضاء الأميركية “ناسا”/ وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية/ المعهد الوطني لعلوم الصناعة والتقنية المتقدمة/ النظم الفضائية اليابانية / الفريق العلمي الياباني الأميركي للجهاز المتطور لقياس الانبعاث الحراري والانعكاس الإشعاعي.
تقييم التربة من الفضاء

لا يقتصر دور التكنولوجيا على مساعدة المزارعين في الوصول إلى أماكن مغلقة جديدة صالحة للزراعة، حيث تساهم أيضًا في إيجاد التربة الزراعية المناسبة من الفضاء. Read more›››

قالت الدكتورة ديانا فرنسيس، رئيسة مختبر العلوم البيئية والجيوفيزيائية في جامعة خليفة: “يعد الاستشعار عن بعد أداة فعالة لتقييم خصائص التربة وتحديد مدى ملائمتها للزراعة”.
يمكن للاستشعار عن بعد تقييم عوامل كالحموضة والرطوبة والقوام والملوحة، كما يمكن لأجهزة الاستشعار أن تفحص الإشارات المقترنة بخصوبة التربة. وأضافت الدكتورة ديانا: “يتيح استخدام البيانات الواردة من الأقمار الصناعية إجراء تحليلات آمنة على نطاق واسع للتربة توفر معلومات هامة حول زيادة المحاصيل إلى أقصى حد ممكن”. واختتمت بقولها: “يوفر هذا النهج المستند إلى البيانات توجيهًا عالي الدقة ومقترن بالمواقع”. ‹‹‹ Read less

ولا يُشتَرَط أن تُمارَس الزراعة المائية المركبة في منشأة تجارية ضخمة. وذكرت شركة “سيمبيوتك أكوابونيك” في الولايات المتحدة: “تتوفر الزراعة المائية المركبة للجميع، حيث يتكون شركاؤنا وعملاؤنا من هواة الزراعة والبستانيين وحماة البيئة والمعلمين ومؤسسات تعليمية ومنظمات غير ربحية وكليات”.

ويتمثل الحل التالي في الزراعة الهوائية، حيث تتغذى جذور النباتات عن طريق رذاذ يحتوي على عناصر غذائية تُضَخ عبر محلول. وتبدو النباتات في هذه الحالة كما لو كانت مُعلقة، إلا أن ثَمَّة الكثير من الأشياء التي تجري داخل التربة.

تجري عملية الزراعة في مادة رغوية وبمجرد نمو الجذور إلى أسفل، تشق طريقها خلال شبكة مغطاة أسفل التربة في مكان يسمى “غرفة الضباب”، حيث تجري تغذية الجذور بالرذاذ خلال فترات زمنية متقطعة، كما يتم ضبط جميع الإجراءات لتتمكن النباتات من تلقي الكميات المناسبة من الغذاء لتحقيق النمو المثالي.

ويتمثل الشكل الأكثر انتشارًا ضمن أشكال الزراعة العمودية في الزراعة المائية، حيث تقوم مضخة بتوزيع محلول غني بالعناصر الغذائية داخل جذور النباتات بصفة مستمرة.

تختلف هذه التقنيات ولكنها تشترك في نفس الفكرة الأساسية، إذ تمثل جميعًا مشروعات للتكنولوجيا الزراعية في بيئة خاضعة للتحكم.

شركات ناشئة عديدة

تقدم الشركات الناشئة المتخصصة في التقنية الزراعية حلول الزراعة العمودية تشهد انتشارًا متزايدًا على مستوى العالم، وذلك في ظل تأثر الزراعة عادًة بالمناخ.

وتُعَد شركة “أفيسومو” في النرويج مثالًا لهذه الشركات الناشئة.

وذكرت الشركة أنها تتيح للنباتات البيئات التي تضمن لها النمو المثالي “الخضروات ألذ وأطيب مذاقًا وأكثر ثراءًا بالعناصر الغذائية وبات نموذج الأعمال التجارية الذي تتبناه الشركة أكثر تنافسية من ذي قبل. وتُعَد مصابيح الصمام الثنائي الباعث للضوء عاملًا أساسيَّا في هذا الشأن”.

وتوفر الشركة نظمًا مزودة بالأنظمة الذكية والروبوتات.

يوضع كل نبات في محطات للنمو ويدور حول المنشأة وفقًا لمرحلة النمو التي يمر بها، وكل محطة مزودة بأجهزة تحكم لرصد وتعديل عمليات الري والتغذية وتدفق الهواء، وفقًا لنوع النبات. وتقدم “أفيسومو” وصفات جرى تطويرها بالشراكة مع مزارعين محليين.

وتتيح نظم الشركة أتمتة متسعة النطاق. فعلى سبيل المثال، طورت الشركة روبوتًا أشبه بروبوت “رومبا” من الحجم الكبير ينقل عربات ذات عجلات محملة بالمحاصيل حول المزرعة بمجرد أن يتلقى أمر سحابي.

المزايا

يعتقد البعض أن منشأة مغلقة كهذه تستهلك كميات هائلة من المياه والطاقة، ولكنها على النقيض من ذلك تمامًا، ذلك أن نظم الطاقة والمياه الذكية والأتمتة تتيح تحقيق وفورات في كافة مراحل عملية الزراعة.

يستخدم مجال الزراعة ما يزيد على 70 بالمئة من الموارد المائية العالمية، ولكن في ظل بيئة خاضعة للتحكم، يستخدم استزراع المحاصيل بطريقة الزراعة العمودية كميات من الماء أقل بنسبة 95 بالمئة تقريبًا من الماء المستخدم في الزراعة التقليدية. وتُبخر النباتات حوالي 85 بالمئة من الماء غير المستخدم لغرض التغذية. لذا، توفر هذه البيئات الماء على نحو يتسم بالذكاء، إذ تستخدم أجهزة لإزالة الرطوبة تقوم بتجميع الماء من الهواء ثم إعادة استعماله.

تتسم كافة الحلول الثلاثة بعدم احتياجها للتربة، ما يعني مزيدًا من الخفض في استخدام المياه. ويعني عدم وجود حشرات أو أمراض منقولة عبر التربة أيضًا عدم الاحتياج إلى مبيدات حشرية. وعلاوة على ذلك، لا يوجد تقلب للتربة، ما يعني عدم إطلاق غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو.

تتعدد المزايا الإجمالية للزراعة العمودية. وطبقًا للمركز الأميركي لسلامة الغذاء، فقدت التربة المستصلحة ما يتراوح بين 50 و70 بالمئة من محتواها الكربوني الأصلي وأطلقته للجو في صورة غاز ثاني أكسيد الكربون.

وإضافًة إلى ذلك، تعمل مصابيح الصمام الثنائي الباعث للضوء على توفير الطاقة والتكاليف، ذلك أنها لا تطلق الحرارة كالمصابيح التقليدية، وهو ما يتطلب بدوره طاقة أقل، وبالتبعية، انفاقًا أقل على نظم التبريد. وتمنح هذه المصابيح مزيدًا من الإضاءة بقدرة كهربائية أقل. وثَمَّة ميزة أخرى لهذه المصابيح، وهي قابلية ضوئها للتحكم، على النقيض من ضوء الشمس الذي يمكنه حرق النباتات.

وتوجد أيضًا ميزة إمكانية زراعة المحاصيل بطريقة الزراعة العمودية على مدار العام.

موسم الحصاد طوال السنة

لا توجد مواسم للزراعة في المزارع العمودية المغلقة، ذلك أن المحاصيل لا تخضع لسيطرة التغيرات الجوية والأرض المتجمدة وفصول الربيع الرطبة على نحو مفرط وأحوال التربة أو العواصف العاتية.

تتيح قابلية التنبؤ بالحصاد مميزات تتمثل في جعل عمليات شراء المحاصيل أكثر سهولة وأمانًا وطمأنة المشترين بشأن وصول المحاصيل إليهم قبل انتهاء فترات صلاحياتها، فضلًا عن التعجيل بنمو المحاصيل، ما يعني زيادة إنتاجيتها السنوية.

وتُعَد شركة “إيروفارمس” في الولايات المتحدة واحدة من أكبر شركات الزراعة العمودية على مستوى العالم. وتستخدم أنظمتها طريقة الزراعة الهوائية وتجاوزت عائدات الزراعة التقليدية 390 مرة. وبهذا المعدل، تتزايد احتمالات القدرة على إطعام عدد متزايد من سكان العالم، والذي تتوقع الأمم المتحدة أن يبلغ 9,7 مليار نسمة بحلول عام 2050.

ما هي التحديات؟

توجد تحديات أيضًا بجانب المزايا، حيث تعتمد الزراعة التقليدية على جو يمكن التنبؤ به وتعتمد الزراعة العمودية على التكنولوجيا. ويُعَد نظام الري، على سبيل المثال، عاملًا حاسمًا في تحديد كميات المحصول، ولكن ما الذي يحدث إذا انهار هذا النظام؟

وتتمثل أحد مخاطر التوسع في الزراعة العمودية في مصابيح الصمام الثنائي الباعث للضوء، فعلى الرغم من أنها توفر التكلفة، إلا أنها أغلى كلفة من الشمس التي تسطع مجانًا.

وتحتاج التكنولوجيا أيضًا إلى أن تكون قابلة للتعديل لتسمح بزراعة عدد أكبر من أنواع المحاصيل في هذه البيئة، حيث تتخصص في الوقت الحالي في عدد محدود من المحاصيل.

تشمل تحديات الزراعة العمودية كذلك عدم قدرة التربة على الاحتفاظ بثاني أكسيد الكربون، حيث يساهم الانتقال إلى الزراعة في الأماكن المغلقة في التأثير على امتصاص الكربون لعدم وجود التربة التي تمتص الكربون من خلال النباتات التي تقوم بامتصاصه وتخزينه في التربة؟ يعتبر هذا التحدي مشكلة كبيرة لكنه لن يقف حائلًا دون تطور تكنولوجيا الزراعة العمودية.

توجد أنواع أخرى من النباتات يمكنها أن تحل محل المحاصيل المزروعة، فالأشجار على سبيل المثال، تزيد حجم الكربون المخزن وتلغي الاحتياج لحرث التربة، وهو ما يعني إطلاق ثاني أكسيد الكربون إلى الجو مجددًا.

هل الزراعة العمودية مجدية على نطاق واسع؟

تقول إلكي نيومان، الأستاذة المشاركة في جامعة الإمارات العربية المتحدة ومديرة معهد أبوظبي الدولي للبحوث الافتراضية للأمن الغذائي في المناطق الجافة التابع لـ “أسباير”، أن الزراعة العمودية ركزت في الماضي على استعراض التكنولوجيات الجديدة في الزراعة المتطورة،حيث شكل ذلك خطرًا على المستثمرين وتضررت بعض الشركات من عدم استدامة نموذج الزراعة العمودية السائد آنذاك.

وقالت إلكي: “أكد انتشار المصانع الزراعية على نطاق تجاري واسع، كالزراعة في الحاويات الكبيرة والعربات المقطورة والمخازن، على بداية عصر (التكنولوجيا الزراعية)”. تتميز المصانع الزراعية بارتفاع التكاليف وزيادة متطلبات الطاقة، كما يعتبر بعضها أقل تنوعًا مما هو متوقع، الأمر الذي جعلها تقتصر على إنتاج الخضروات الورقية. ومع الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة، توقفت بعض المصانع الزراعية عن العمل”.

وترى إلكي أن النجاح في الزراعة العمودية سيتحقق عند اتباع منهج متعدد المهام. وقالت: “نحتاج إلى خفض استهلاك الطاقة وتكاليف الاستثمار المقترنة بهذه الأنظمة كي نعزز جدواها”.

لذا، يعمل الفريق من أجل تحقيق هذه الأهداف.

وقالت إلكي في مقابلة مع مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا “تتساوى أهمية المياه والطاقة في دولة الإمارات، فإذا توفرت الطاقة يمكن إنتاج الماء بكميات حسب رغبتك”.

إذن، كيف يمكن تقليل استهلاك المياه؟

يعتبر توفير الطاقة في دولة جافة كدولة الإمارات توفيرًا للماء، حيث تساهم النباتات التي تنمو في درجات الحرارة شديدة الارتفاع في خفض استهلاك الطاقة.

وقالت إلكي: “نسعى إلى معالجة موضوع آخر وهو الجانب المتعلق بالإمدادات الغذائية”.

ويركز أعضاء فريقها البحثي على الزراعة المائية المركبة، إذ يجمعون بين تربية الأسماك وزراعة النباتات.

وأكدت إلكي أن السمك يحتاج الكثير من الغذاء لينمو سريعًا، وقالت: “لا يستخدم السمك غذائه على نحو جيد، شأنه في ذلك شـأن غالبية حيوانات المزارع. وقد يستخدم السمك نحو 10 بالمئة فقط من غذائه، بينما يُطلق الباقي في الماء في شكل روث”.

الصورة فورتشن بيزنس إنسايتس

ويحتاج الماء حينئذٍ إلى تغيير وتنظيف أو إعادة تدوير. لذا، يستخدم أعضاء الفريق النباتات لتنظيف الماء.

يستخدم الماء كمحلول مغذي للنباتات المزروعة بطريقة الزراعة العمودية. وبمجرد استخدام النباتات للماء بالكامل، يعود الماء إلى السمك.

ولكن الأمر أكبر من ذلك.

وقالت إلكي: “يتعين علينا التأكد من جدوى هذه المنظومة اقتصاديًا وأيضًا بيئيًا ومن منظور السلامة الغذائية ومستوى سلامة الغذاء الناتج عن هذه المنظومة إذا كنا نستخدم براز السمك كغذاء للنباتات؟ يمكن أن تعيش العديد من الطفيليات داخل جسم السمك. لذا، نحتاج إلى بذل المزيد من الجهود في هذا الشأن”.

وعلاوة على ذلك، استثمرت دولة الإمارات بشكل كبير في تحقيق الحياد المناخي. ويشمل جزء من هذه الاستراتيجية الإسهام في سياسة دولة الإمارات للاقتصاد الدائري 2021-2023. وتتوافق مبادرات الزراعة العمودية التي تتبناها جامعة الإمارات العربية المتحدة مع هذه الاستراتيجية.

وقالت إلكي: “تحتاج الاستراتيجيات الرامية إلى إدراج أنظمة الزراعة العمودية في سلسلة توريد غذائية دائرية إلى تطوير، لتحقيق الامتثال لاستراتيجية الإمارات للاقتصاد الدائري. ويعد هذا تحديًا كبيرًا في أنظمة الإنتاج بدون تربة، بالنظر إلى الدور الهام الذي تقوم به التربة في الدورات العالمية للعناصر. لا تزال غالبية أنظمة الزراعة العمودية حاليًا معتمدة على المدخلات المستمرة من المخصبات المعدنية التي تترك بصمة كربونية مرتفعة”.

وقالت إلكي: “يقوم المعهد الدولي للبحوث الافتراضية للأمن الغذائي في المناطق الجافة وجامعة الإمارات العربية المتحدة وجامعة خليفة والأطراف المعنية الأخرى بتطوير أنظمة لإنتاج الغذاء لدولة الإمارات متطورة تقنيًا ومتطورة في مجال التكنولوجيا الزراعية وجاهزة للاندماج مع المباني الحضرية ودورات توريد الغذاء وأنماط الحياة العصرية”.

يحظى هذا البحث بدعم من “أسباير”، وهو ذراع إدارة برنامج التكنولوجيا في مجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة في أبوظبي، عبر برنامج معاهد البحوث الافتراضية التي تمولها أسباير.

ويبحث فريق إلكي أيضًا في تطوير موارد زراعية أصلية لدولة الإمارات لإيجاد موارد جديدة للغذاء.

هل هذا كافٍ؟

تتيح المزارع العمودية العديد من النتائج الإيجابية للبيئة وللمستهلك ولميزانية المزارع، ولكنها تتطلب بحاجة إلى توفير أموال ليست بالقليلة كي تبدأ مزرعتك في الإنتاج بكميات كبيرة.

يمكن أن تصل تكاليف تأسيس مزرعة عمودية إلى 10 أضعاف تكاليف تأسيس البيوت البلاستيكية التي تتراوح تكلفتها من 2200 دولار إلى 2600 دولار لكل متر مربع. فبالنظر إلى تكاليف تأسيس شركة ناشئة، يمكن البحث عن عائد طويل الأمد على الاستثمار.

يعتقد البعض أن استخدام التكنولوجيا الذاتية سيخفض تكاليف العمالة، ولكن يتعين وجود خبراء للعناية بهذه المحاصيل. وتتسم هذه النوعية المختلفة من عمالة المزارع بارتفاع رواتبهم بشكل كبير.

تبدو المزارع العمودية أنها ستصبح زراعة المستقبل، بغض النظر عن تلك التكاليف والتحديات.

إقرأ المزيد حول هذا الموضوع: طعام الغد

حقبة جديدة في تتبع مخلفات الفضاء

طوّر باحثون من جامعة خليفة نهجًا جديدًا لتعقّب المخلّفات الفضائية باستخدام مستشعرات على متن الأقمار الصناعية وتقنيات دمج البيانات المتقدمة، بالتزامن مع تزايد خطر وجودها في مدار الأرض.

يتم تعقّب معظم المخلّفات الفضائية بالطريقة التقليدية من الأرض باستخدام الرادار والتلسكوبات، لكن يساهم كل من الطقس والتشوّهات الناتجة عن الغلاف الجوي والقيود المتعلّقة بالرؤية في الحد من كفاءة التتبع الأرضي. في هذا الإطار، يمكن أن تساهم الأقمار الصناعية المجهزة بالمستشعرات المناسبة، بتتبع المخلّفاتَ من الفضاء باستمرار بغضّ النظر عن الظروف الجوية والمتعلّقة بالإضاءة، لكن يكمن التحدي في تعزيز دقة هذه الأنظمة وفعاليتها.

يتطرّق البحث الذي نُشر في “أكتا أسترونوتيكا“، المجلة العلمية الرسمية للأكاديمية الدولية للملاحة الفضائية، إلى هذه القضية من خلال تطوير إطار دمج البيانات الذي يعالج ويجمع القياسات من أقمار صناعية متعددة لتحسين دقة التتبع، كما يمكن استخدام هذا الإطار في العمليات الفضائية المقبلة التي تشمل استكشاف الكواكب والسياحة الفضائية وخدمات الإنترنت التي تعتمد على الأقمار الصناعية، إضافةً إلى مهمته الرئيسة المتمثّلة في تتبع المخلّفات الفضائية.

المزيد من التفاصيل: تنظيف فضائنا

الروبوتات المائية

في عالم يفتقر إلى المواد الغذائية الغنية بالعناصر الهامة، تُعَد الزراعة المائية فكرة ناجحة.

ليس الأمر جديدًا، حيث يستزرع البشر المأكولات البحرية منذ آلاف السنين. وفي السنوات الأخيرة، توسعت الزراعة المائية إلى أحواض على الأرض وبدأ المزارعون يربون فيها الأسماك والمأكولات البحرية الأخرى. وعلى الرغم من ذلك، تشغل تلك الأحواض على نحوٍ متزايد حيزًا كبيرًا من الأرض وتؤدي إلى تفاقم الصراع على المياه والموارد النادرة الأخرى.

أدى ذلك إلى تفكير المزارعين في الاستفادة من البحر الذي يتميز بالحيز الوفير والمياه والعناصر الغذائية الأخرى المجانية، إلا أن الزراعة البحرية، وهي فئة جزئية متفرعة من الزراعة المائية في البحار المفتوحة، تشكل تحديات إضافية.

تراث إماراتي

قد تساهم الروبوتات في نقل تقنيات الصيد الإماراتية التقليدية إلى المستقبل. اقرأ المزيد›››

قال الأستاذ الدكتور لاكمال سينيفيراتني أنه يمكن الاستفادة من الروبوتات، والتي يقوم بتطويرها هو وفريقه البحثي في جامعة خليفة، في مجال تنظيف وإصلاح الحظرة، وهي فخ لصيد السمك يوضع على الشاطئ في وضع عمودي، والقرقور، وهو أيضًا من معدات الصيد البحري التقليدية والمنسوجة من سعف النخيل بشكل نصف دائري. ‹‹‹ اقرأ أقل

تعتمد تربية الأحياء البحرية التقليدية على عمل يدوي كثيف لتنظيف البيئة وإصلاحها ورصد الأحوال وفحص الشبكات ورعاية النباتات والحيوانات التي يجري تربيتها كي تُطرَح للبيع في الأسواق البشرية. ويُعد هذا النوع من العمل اليدوي باهظ الكُلفة، إذ يتطلب غواصين تجاريين مُدرَّبين قادرين على تحمل ما هو فوق طاقتهم بشكل متواصل في ظل توسع عمليات الزراعة المائية. ويمكن أيضًا أن تشكل تربية الأحياء البحرية خطرًا كبيرًا على حياة أولئك الغواصين، خاصةً أن المزارع تتحرك وتنتقل إلى مياه أشد عمقًا وخطورة.

ويمكن أن تشكل تربية الأحياء البحرية أيضًا تهديدًا للبيئة وتنشر الأمراض والمضادات الحيوية والطفيليات أو تسمح للسمك المُستَزرَع بالهرب والتأثير سلبًا على أنواع الكائنات البحرية الأصلية.

وتعتقد إيليني كيلاسيدي، وهي باحثة أولى في “سينتف”، والتي تُعَد واحدة من أكبر المؤسسات البحثية المستقلة في أوروبا، يمكن أن تكون الروبوتات حلًا مشتركًا لجميع القضايا.
لكن، قد يكون وضع الروبوت في المياه المفتوحة تحديًا أكبر من وضعه على الأرض.

وتعلق إيليني أنه من المهم ألَّا تسبب الأنظمة ذاتية التحكم ضررّا للسمك المُستَزرَع.

وترى إيليني أن هذا الأمر يُعَد اعتبارًا أخلاقيًا واقتصاديًا، حيث قالت: “يتمثل الاعتبار الأخلاقي في عدم التسبب في ضرر لأي كائن حي”. وأضافت: “أما الجانب الاقتصادي، فيتمثل في أن السمك هو ربح هذا القطاع الصناعي”.

السمك السعيد

تحظى إيليني وفريقها البحثي بإمكانية الوصول إلى مزارع الأسماك على نطاق صناعي والاستفادة من القصوى من مرافقها البحثية لبحث آلية تأثير الروبوتات في الأسماك باستخدام معدات مصممة أصلًا لصناعة النفط والغاز. ويقوم أعضاء الفريق باختبار النُّظُم لرصد كيفية أدائها لوظائفها ومشاهدة طريقة تفاعل السمك مع الألوان والأصوات والأضواء المختلفة، على سبيل المثال. ويتمثل الهدف من هذه البحوث هو معرفة العوامل التي تؤثر في حالة السمك وضمان توافر مخزون من الأسماك السليمة وبالتالي تحقيق أرباح أفضل.

وقالت إيليني: “يوجد تحد آخر يواجهه الباحثون وهو صُنع المركبات التي يمكن تشغيلها عن بُعد”.
وأشارت إلى أن البشر يقومون في الوقت الراهن بالعديد من مهام الزراعة المائية على السطح باستخدام آلات يجري تشغيلها عن بُعد”.

وأضافت: “تكمن مهمتنا في إيقاف الاعتماد على البشر لتمكين الأنظمة الروبوتية البحرية من تشغيل نفسها وفهم بيئات تلك الروبوتات والتأكد من عدم اصطدامها بالمباني”.

“مجال هام”

تُعَد الأنظمة المائية ذاتية التشغيل قضية يعمل عليها الأستاذ دكتور لاكمال سينيفيراتني، مدير مركز الروبوتات والأنظمة ذاتية التحكم في جامعة خليفة، وهو متفائل حيال نتائج عمله.

CAPTION: الروبوتات المائية من جامعة خليفة

وقال الدكتور لاكمال: “تعتبر الروبوتات التي تعمل تحت الماء مجال في غاية الأهمية”. وأشار إلى أن الماء يستأثر بنسبة 70% من مساحة الأرض، إلا أن البشر لم يكتشفوا سوى 5 بالمائة فقط من ذلك.

ويعمل الدكتور لاكمال وفريقه أيضًا على روبوتات زراعية برية، “كالكلاب” التي يمكنها أن تخطو بخفة بين صفوف المحاصيل و”الأيدي” التي يمكنها أن تلتقط الفاكهة الناضجة برفق والروبوتات التي تسير على سكك حديدية والتي تتنقل إلى أعلى وأسفل في الحقول لمراقبة النباتات بشكل منفصل لرصد علامات إصابتها بالأمراض ومدى جاهزية المحصول للحصاد.

ولكن تفرض زراعة المحيطات مجموعة مختلفة من التحديات على الأنظمة ذاتية التحكم.

وأعرب الدكتور لاكمال عن قلقه حيال تلك التحديات، وهو نفس القلق الذي تشعر به إيليني، وقال: “المشكلة ليست في أن الزراعة المائية تجري في مياه بالغة العمق، ولكن في (الحفاظ على) الملاحة والتحكم”.

لا تعمل أنظمة التموضع العالمي تحت سطح الماء ويتعين أن تكون الروبوتات قادرة على الملاحة في خِضَم التيارات والأمواج من دون أن تسبب في الضرر لبعضها البعض أو للمباني الخاصة بالمزارع المائية.

وأضاف الدكتور لاكمال: “تُعَد الكاميرات التي تلتقط الصور والأنظمة الذكية التي تعزز وضوح تلك الصور وتحللها من الأهمية بمكان للتعامل مع هذه الظروف”.

البحث في الطبيعة

لا تعتبر القدرة على رؤية البيئة البحرية في الأعماق إلا جزءًا من المشكلة التي تواجه الروبوتات المتخصصة في تربية الأحياء المائية، حيث تمثل المشكلة الأخرى القدرة على التحكم بالآلات. لذا، يسعى الباحثون إلى البحث في أشكال الحياة المتأقلمة في البيئات البحرية. وبرغم من أن المحاكاة الحيوية ليست مُصمَّمَة للزراعة المائية على وجه التحديد، إلا أنها قادرة على إثبات فائدتها للزراعة في المحيطات. ومن ضمن الأفكار في هذا الشأن:

فرص وتحديات الزراعة المائية

بينما ينمو عدد سكان العالم ويفرض التغير المناخي مزيدًا من الضغوط على الزراعة الأرضية التقليدية، يمكن للزراعة المائية المستدامة أن تقوم بدور رئيس، بحسب رأي الدكتور نافيد نابي، وهو أستاذ مساعد في جامعة تشانديغار. Read more›››

وقال نافيد: “إذا كان الأمن الغذائي بمثابة مسألة تثير قلق حقيقي في الوقت الراهن، فقد لعبت الزراعة المائية دورًا رئيسًا في التخفيف من حدة هذه الأزمة، إذ توفر حوالي 178 مليون طن من الغذاء، أي ما يعادل 20,2 كيلوغرام للفرد مخصصة للاستهلاك الآدمي”. وأضاف: “لا تضيف الزراعة المائية مرونة إلى النظام الغذائي العالمي من خلال تحسين مستوى الكفاءة في استخدام الموارد فحسب، وإنما من خلال تنويع النباتات المُستَزرَعَة أيضًا”.

ويحذر نافيد من أن السمك المُستَزرِع يشكل تحديات للبيئة تتضمن هروب السمك وهو ما يضر بالأنواع الأصلية وانتشار الأمراض والطفيليات.
وتوجد مشاكل أخرى تتعلق بالإثراء الغذائي، وتعني أن تُصبح المياه محمَّلة بكميات زائدة عن الحاجة من العناصر الغذائية، وهو ما يؤدي إلى ازدهار الطحالب المُميتة والمضادات الحيوية في البيئة من خلال الطعام غير المستَهلَك أو مخلفات السمك، والمخاطر المقترنة بالطفيليات.
>‹‹‹ اقرأ أقل

وقد طرح فريق من جامعتي هارفارد وساوث كارولينا الروبوت ذي الزعانف في عام 2021، حيث يستخدم هذا الروبوت أربعة زعانف قابلة للتحكم بشكل مستقل.

وفي عام 2023، نشر فريق من جامعة جيجيانغ بالصين نتائج روبوت قراد البحر، الذي صمموه على غرار قراد البحر، وهو كائن بحري من القشريات الصغيرة المعروف بقدراته على الهروب من الحيوانات المفترسة بالقفزات السريعة المتلاحقة. ويقول أعضاء الفريق أن الروبوت الذي صمموه كان قادرًا على القفز خارج الماء والهبوط على منصة أرضية صغيرة وبث البيانات، ثم القفز مجدَّدًا إلى الماء مرة أخرى.

وفي جامعة خليفة، سنجد أن باحثيها لديهم أفكار أخرى في هذا الصدد.

وقال فيديريكو ريندا، والذي يرأس الفريق البحثي: “بالنظر إلى الكائنات المائية، فسنجد أن حيوانات عديدة قد طورت أجسام مرنة أو لينة تمامًا لتحسين قدراتها على السباحة وقابليتها للتأقلم مع العالم المعقد تحت الماء”. وأضاف: “يستطيع الأخطبوط، على سبيل المثال، ضغط جسمه للاختباء في فتحات صغيرة للهروب أو لاصطياد فرائسه، بينما طور قنديل البحر استراتيجية التحرك الأكثر كفاءة على الإطلاق. ويستمد فريقي البحثي فكرته من المخلوقات اللينة لبناء روبوتات جديدة تحت الماء تمتلك القدرة على محاكاة هذه الوظائف مع الفهم المبادئ الفيزيائية الحاكمة لها في الوقت نفسه”.

ويحاكي أحد تصاميم جامعة خليفة سوطيات الخلايا الأحادية، وهي تركيبات على شكل أسواط تحرك لبكتيريا خلال السائل لحل مشكلة أخرى مع الروبوتات تحت الماء وهي أن العديد منها مقيَّد بأربطة. وبينما تتيح هذه الأربطة للآلات إمكانية تشغيلها من السطح، يمكن أيضًا جعلها متشابكة مع بعضها البعض.
قال فيديريكو: “طورنا مؤخرًا روبوت تحت الماء غير مقيَّد وعلى غرار الكائنات الدقيقة ذات الأسواط، ويتميز بقدرته على التحرك بكفاءة وأمان في نطاق قريب من مستوطنات الكائنات الحساسة تحت الماء”. وأضاف: “علاوة على ذلك، يمكن استخدام كل سوط كذراع قابضة لتقوم بالدوران والدفع إلى الأمام وأداء الوظائف المتكررة والمتعددة، وهو ما يمكنه أن يؤدي إلى تبسيط كبير في تنفيذ العمليات تحت الماء”.

وقامت جامعة خليفة بإنشاء حوض يضم أمواجًا اصطناعية تحاكي التيارات الطبيعية بهدف اختبار قدرة الروبوتات على الملاحة في المياه المتقلبة. واستخدم أسامة خطيب من جامعة ستانفورد مؤخرًا هذا الحوض في تشغيل أوشن وان، وهو روبوت شبيه بالإنسان مُصمَّم لأداء تلك المهام كرصد الشعاب المرجانية ومناطق النفط البحرية من خلال تحركاته.

تطمح إيليني بمشاهدة الروبوتات وهي تحل محل الغواصين البشريين، لكن في نفس الوقت يمتلك الدكتور لاكمال رؤية مختلفة، حيث يتوقع أن تتيح الروبوتات للغواصين البشر إمكانية الغوص لمسافات أطول كثيرًا.

وقال الدكتور لاكمال: “نرى الروبوتات وهي تساعد الغواصين، بدلًا من أن تحل محلهم”.

فرصة ذهبية للأجهزة الطبية

طوّر باحثون من جامعة خليفة طريقة جديدة لدمج جزيئات الذهب النانوية في هلاميات مائية مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد للمساهمة في تحسين زراعة الأعضاء والأجهزة البصرية والعدسات اللاصقة المستخدمة في حالات الإصابة بعمى الألوان.

ونشر الباحثون الدراسة في مجلة “ماتيريالز آند ديزاين” المتخصصة في علم المواد. ويوفر البحث منهجية آمنة على البيئة للاستفادة المثلى من الجزيئات النانوية، دون إهدار أو إضافة مواد كيميائية أخرى.

لا تعد دمج المواد المطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد مع الجزيئات النانوية عملية جديدة، حيث جرى في وقتٍ سابق مزج الجزيئات في المادة المطبوعة أو استخدامها كطبقة طلاء بعد ذلك. ويؤدي كلا النهجين إلى الحد من أداء الأجهزة، لكن تساهم هذه المنهجية الجديدة في توفير الفرصة لتحكم أفضل في وضع الجزيئات النانوية ويجعلها مفيدة في تناول العقاقير والمستشعرات الحيوية والعلاجات الطبية المعتمدة على الضوء.

من إنجازات حائزة على جائزة نوبل إلى ابتكارات محلية

تصدّرت التطورات في مجال تصميم البروتين واستخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بهياكله، عناوينَ الصحف بالتزامن مع الإعلان عن جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2024. وفي دولة الإمارات، قام الباحثون في جامعة خليفة في أبوظبي بدورٍ ريادي فيما يتعلّق باستخدام الأساليب الحسابية للتنبؤ بالهياكل البلورية وخصائص المواد.

يمثل هذا العمل الأساسي دافعًا للتقدم في مجال تخزين الطاقة وتطوير الأدوية وإنشاء مكوّنات للأجهزة الإلكترونية البصرية المتقدمة.

قال شارماركي محمد، رئيس مختبر البلورات الكيميائية بجامعة خليفة: “تتمحور الفكرة الأساسية حول استخدام أجهزة الكمبيوتر للتنبؤ بالترتيب الذري للمواد الصلبة قبل تصنيعها في المختبر. ففي حال قمنا بذلك بشكل دقيق لجميع الجزيئات المستهدفة المهمة، سنقترب من الإجابة على السؤال المثير للاهتمام علميًّا حول الظروف التجريبية اللازمة لاستهداف بلورة مادة بهذا الهيكل المعين”.

يوفّر استخدام أجهزة الكمبيوتر الوقت والتكلفة ويقلل من الحاجة إلى القيام بتجارب غير دقيقة، ولكن ما أهمية ذلك؟


“لا يكمن التحدي اليوم في ما إذا كان بإمكاننا استخدام أجهزة الكمبيوتر للتنبؤ بالهياكل البلورية، وإنّما في كيفية استخدامنا الهياكل البلورية المتوقعة لتوجيه التجارب في إنشاء المواد الوظيفية واكتشافها.

شارماركي محمد، رئيس مختبر البلورات الكيميائية بجامعة خليفة


تتيح بلورة البروتينات للعلماء فهم بنيتها بالتفصيل، حيث تُعدّ البروتينات جزيئات كبيرة معقدة، ويساهم شكلُها في تحديد آلية عملها في الجسم، كما يمكن للباحثين استخدام تقنيات مثل التصوير البلوري بالأشعة السينية لدراسة هيكلها ثلاثي الأبعاد من خلال إنشاء بلورات من البروتينات، ويساعد هذا في تصميم الأدوية التي تناسب البروتين بشكل تام لعلاج الأمراض، كما يعزز فهم حالات مرضية كالسرطان والزهايمر من خلال الكشف عن العيوب في بنية البروتين.

الوصف: من اليسار إلى اليمين: البروفيسور محمد شارماركي ، د. برافين ماناغوتي ، الدكتور توماس ديلكلوس

وأضاف شارماركي: “كان السؤال المتعلّق بقدرة أجهزة الكمبيوتر على التنبؤ بالبنى البلورية لا يزال مطروحًا، عندما كنتُ أدرس للحصول على شهادة الدكتوراه في علم البلوّرات الكيميائي والتنبؤ بالبنية الحوسبية، قبل خمسة عشر عامًا، وكانت المشكلة خاصّة إلى حدٍّ ما بالمجتمع الأكاديمي نظرًا للمشاركة المحدودة جدًا لباحثي القطاع الصناعي في تطوير الطريقة واختبارها، في حين أصبحت معظم شركات الأدوية في جميع أنحاء العالم اليوم تمتلك برنامجًا بحثيًّا داخليًا للتنبؤ بالبنية البلورية الحوسبية في يومنا هذا”.

وبالرغم من ذلك، فقد شهد هذا المجال تطوّرًا كبيرًا خلال العقدين الماضيين بفضل وجود بعض المنافسة الإيجابية.

يُقام برنامج (التقييم النقدي للتنبؤ ببنية البروتين) مرة كل عامين، ويساهم الباحثون من خلاله بتقييم الأساليب والأدوات المستخدمة للتنبؤ ببنية البروتين، حيث يشارك العلماء من جميع أنحاء العالم في اختبار الخوارزميات التي تهدف إلى تحديد كيفية تحوّل البروتينات إلى أشكالها ثلاثية الأبعاد استنادًا إلى تسلسل أحماضها الأمينية فقط. ونظرًا لأهمية بنية البروتين في مجالات مثل تطوير الأدوية والبحوث المتعلّقة بالأمراض، يقوم البرنامج بدورٍ هامٍّ في تطوير البحوث المعنيّة بعلوم الأحياء والقائمة على الكمبيوتر وتوجيه التحسينات في أساليب التنبؤ.

جدير بالذكر أنّه قد أُجري اختبارٌ عشوائي مماثل منذ عام 1999 لتقييم التقدم المحرز في استخدام أجهزة الكمبيوتر للتنبؤ بالهياكل البلورية للجزيئات الصغيرة.

تجمع الاختبارات العشوائية للتنبؤ بالبنية البلورية للبروتين، والتي ينظمها مركز البيانات البلورية في كامبريدج، علماء من القطاعات الأكاديمية والصناعية لتقييم أساليبهم من خلال تطبيقها على أمثلة من العالم الفعلي في بيئة خاضعة للرقابة، كما تعزز هذه الاختبارات أوجه التعاون داخل المجتمع المعنيّ بالتنبؤ بالبنية البلورية.

شارك شارماركي وفريقه الذي شمل طالب الماجستير مبارك المحيربي وطالبة الدكتوراه زينب سعيد وباحثيْ الدكتوراه تماضُر الخضر وباوصاحب دوكالي، في أحدث اختبار عشوائي للتنبؤ بالبنية البلورية.


وقال شارماركي في مقابلة مع مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا: “تضمن هذا الاختبار العشوائي السابع أكثر الجزيئات المستهدفة تحديًّا حتى الآن. وأظهرت النتائج ارتفاعًا في معدّل النجاح في كلٍّ من إنشاء الهياكل وترتيبها، الأمر الذي أكد على تقدُّم المجال على نحوٍ كبيرٍ منذ أول اختبار عشوائي أُجري عام 1999. ولكن كما هو الحال في جميع التطورات في العلوم، تنشأ أسئلة وتحديات جديدة كلّما أحرزنا تقدمًا في أحد المجالات “.

وأضاف شارماركي: “لا يكمن التحدي اليوم في ما إذا كان بإمكاننا استخدام أجهزة الكمبيوتر للتنبؤ بالهياكل البلورية، وإنّما في كيفية استخدامنا الهياكل البلورية المتوقعة لتوجيه التجارب في إنشاء المواد الوظيفية واكتشافها، حيث يُعتبر هذا محور تركيز العديد من الباحثين في هذا المجال حاليًّا، بما في ذلك فريقنا في قسم الكيمياء بجامعة خليفة”.

فقد أدّى التعلم الآلي على سبيل المثال، إلى تحسين كيفية ترتيب الهياكل البلورية المتوقعة، وهو ما ساعد الباحثين على توقّع الهياكل التي يمكن أن تتشكل بنجاح في ظل ظروف درجة الحرارة والضغط العادية.

يساهم ترتيب الهياكل البلورية بتعزيز دور الباحثين في تحديد أيهما يمكن مشاهدته في ظل الظروف الفعلية، كما يوفّر الوقت والجهد من خلال التركيز على أفضل خيارات التجارب.

تقوم مجموعة شارماركي بتطوير طرق ورموز جديدة للمساعدة في تجارب استهداف مواد جديدة ذات خصائص صلبة مطلوبة، حيث طور الفريق مؤخرًا رمزًا أطلقوا عليه اسم (ميكا برِدِكت) يمكنه التنبؤ بالخصائص الميكانيكية للبلورات على أي سطح دون الحاجة إلى القيام بتجارب نانوية دقيقة.

 

الوصف: ملخص رمز ميكا برِدِكت الصورة: جامعة خليفة

 

يُستخدم هذا الرمز بالفعل من قبل الأكاديميين في جميع أنحاء العالم وقد جذب اهتمام شركات الأدوية لقدرته على إطالة العمر الافتراضي وتحسين قابلية ذوبان المنتجات الدوائية واستقرارها. إضافة إلى ذلك، يمكن تطبيق الرمز عند تصميم مواد جديدة مثل طبقات النقل عبر الثقوب للخلايا الشمسية، والتي يمكن أن تؤدي إلى تصميم ألواح شمسية أكثر كفاءة وتنوعًا وأقل تكلفة وتدوم لفترة أطول.

ومع التقدم المحرز في أساليب التنبؤ بالبنية البلورية، يعتبر من الضروري إعداد مختبر متخصص بعلم البلورات ومجهز بالكامل للتحقق من دقة التنبؤات الحوسبية.

وقال شارماركي:  “يُعد مختبر البلورات الكيميائية أفضل مختبر من نوعه في دولة الإمارات لاختبار تقنيات حيود الأشعة السينية أحادي البلورة، وهو المعيار المثالي لتحديد الهياكل البلورية للمواد، كما يقدم خدمات بلورية تجريبية لباحثي جامعة خليفة والمتعاونين في الدولة وحول العالم، حيث يكمن السر في تحقيق المزيد من التطورات مثل التي اعترفت بها جائزة نوبل في الكيمياء عام 2024، في تضافر الجهود المبذولة في كلٍّ من علم البلورات الكيميائي التجريبي وأساليب التنبؤ بالبنية البلورية”.