الروبوتات المائية

في عالم يفتقر إلى المواد الغذائية الغنية بالعناصر الهامة، تُعَد الزراعة المائية فكرة ناجحة.

ليس الأمر جديدًا، حيث يستزرع البشر المأكولات البحرية منذ آلاف السنين. وفي السنوات الأخيرة، توسعت الزراعة المائية إلى أحواض على الأرض وبدأ المزارعون يربون فيها الأسماك والمأكولات البحرية الأخرى. وعلى الرغم من ذلك، تشغل تلك الأحواض على نحوٍ متزايد حيزًا كبيرًا من الأرض وتؤدي إلى تفاقم الصراع على المياه والموارد النادرة الأخرى.

أدى ذلك إلى تفكير المزارعين في الاستفادة من البحر الذي يتميز بالحيز الوفير والمياه والعناصر الغذائية الأخرى المجانية، إلا أن الزراعة البحرية، وهي فئة جزئية متفرعة من الزراعة المائية في البحار المفتوحة، تشكل تحديات إضافية.

تراث إماراتي

قد تساهم الروبوتات في نقل تقنيات الصيد الإماراتية التقليدية إلى المستقبل. اقرأ المزيد›››

قال الأستاذ الدكتور لاكمال سينيفيراتني أنه يمكن الاستفادة من الروبوتات، والتي يقوم بتطويرها هو وفريقه البحثي في جامعة خليفة، في مجال تنظيف وإصلاح الحظرة، وهي فخ لصيد السمك يوضع على الشاطئ في وضع عمودي، والقرقور، وهو أيضًا من معدات الصيد البحري التقليدية والمنسوجة من سعف النخيل بشكل نصف دائري. ‹‹‹ اقرأ أقل

تعتمد تربية الأحياء البحرية التقليدية على عمل يدوي كثيف لتنظيف البيئة وإصلاحها ورصد الأحوال وفحص الشبكات ورعاية النباتات والحيوانات التي يجري تربيتها كي تُطرَح للبيع في الأسواق البشرية. ويُعد هذا النوع من العمل اليدوي باهظ الكُلفة، إذ يتطلب غواصين تجاريين مُدرَّبين قادرين على تحمل ما هو فوق طاقتهم بشكل متواصل في ظل توسع عمليات الزراعة المائية. ويمكن أيضًا أن تشكل تربية الأحياء البحرية خطرًا كبيرًا على حياة أولئك الغواصين، خاصةً أن المزارع تتحرك وتنتقل إلى مياه أشد عمقًا وخطورة.

ويمكن أن تشكل تربية الأحياء البحرية أيضًا تهديدًا للبيئة وتنشر الأمراض والمضادات الحيوية والطفيليات أو تسمح للسمك المُستَزرَع بالهرب والتأثير سلبًا على أنواع الكائنات البحرية الأصلية.

وتعتقد إيليني كيلاسيدي، وهي باحثة أولى في “سينتف”، والتي تُعَد واحدة من أكبر المؤسسات البحثية المستقلة في أوروبا، يمكن أن تكون الروبوتات حلًا مشتركًا لجميع القضايا.
لكن، قد يكون وضع الروبوت في المياه المفتوحة تحديًا أكبر من وضعه على الأرض.

وتعلق إيليني أنه من المهم ألَّا تسبب الأنظمة ذاتية التحكم ضررّا للسمك المُستَزرَع.

وترى إيليني أن هذا الأمر يُعَد اعتبارًا أخلاقيًا واقتصاديًا، حيث قالت: “يتمثل الاعتبار الأخلاقي في عدم التسبب في ضرر لأي كائن حي”. وأضافت: “أما الجانب الاقتصادي، فيتمثل في أن السمك هو ربح هذا القطاع الصناعي”.

السمك السعيد

تحظى إيليني وفريقها البحثي بإمكانية الوصول إلى مزارع الأسماك على نطاق صناعي والاستفادة من القصوى من مرافقها البحثية لبحث آلية تأثير الروبوتات في الأسماك باستخدام معدات مصممة أصلًا لصناعة النفط والغاز. ويقوم أعضاء الفريق باختبار النُّظُم لرصد كيفية أدائها لوظائفها ومشاهدة طريقة تفاعل السمك مع الألوان والأصوات والأضواء المختلفة، على سبيل المثال. ويتمثل الهدف من هذه البحوث هو معرفة العوامل التي تؤثر في حالة السمك وضمان توافر مخزون من الأسماك السليمة وبالتالي تحقيق أرباح أفضل.

وقالت إيليني: “يوجد تحد آخر يواجهه الباحثون وهو صُنع المركبات التي يمكن تشغيلها عن بُعد”.
وأشارت إلى أن البشر يقومون في الوقت الراهن بالعديد من مهام الزراعة المائية على السطح باستخدام آلات يجري تشغيلها عن بُعد”.

وأضافت: “تكمن مهمتنا في إيقاف الاعتماد على البشر لتمكين الأنظمة الروبوتية البحرية من تشغيل نفسها وفهم بيئات تلك الروبوتات والتأكد من عدم اصطدامها بالمباني”.

“مجال هام”

تُعَد الأنظمة المائية ذاتية التشغيل قضية يعمل عليها الأستاذ دكتور لاكمال سينيفيراتني، مدير مركز الروبوتات والأنظمة ذاتية التحكم في جامعة خليفة، وهو متفائل حيال نتائج عمله.

CAPTION: الروبوتات المائية من جامعة خليفة

وقال الدكتور لاكمال: “تعتبر الروبوتات التي تعمل تحت الماء مجال في غاية الأهمية”. وأشار إلى أن الماء يستأثر بنسبة 70% من مساحة الأرض، إلا أن البشر لم يكتشفوا سوى 5 بالمائة فقط من ذلك.

ويعمل الدكتور لاكمال وفريقه أيضًا على روبوتات زراعية برية، “كالكلاب” التي يمكنها أن تخطو بخفة بين صفوف المحاصيل و”الأيدي” التي يمكنها أن تلتقط الفاكهة الناضجة برفق والروبوتات التي تسير على سكك حديدية والتي تتنقل إلى أعلى وأسفل في الحقول لمراقبة النباتات بشكل منفصل لرصد علامات إصابتها بالأمراض ومدى جاهزية المحصول للحصاد.

ولكن تفرض زراعة المحيطات مجموعة مختلفة من التحديات على الأنظمة ذاتية التحكم.

وأعرب الدكتور لاكمال عن قلقه حيال تلك التحديات، وهو نفس القلق الذي تشعر به إيليني، وقال: “المشكلة ليست في أن الزراعة المائية تجري في مياه بالغة العمق، ولكن في (الحفاظ على) الملاحة والتحكم”.

لا تعمل أنظمة التموضع العالمي تحت سطح الماء ويتعين أن تكون الروبوتات قادرة على الملاحة في خِضَم التيارات والأمواج من دون أن تسبب في الضرر لبعضها البعض أو للمباني الخاصة بالمزارع المائية.

وأضاف الدكتور لاكمال: “تُعَد الكاميرات التي تلتقط الصور والأنظمة الذكية التي تعزز وضوح تلك الصور وتحللها من الأهمية بمكان للتعامل مع هذه الظروف”.

البحث في الطبيعة

لا تعتبر القدرة على رؤية البيئة البحرية في الأعماق إلا جزءًا من المشكلة التي تواجه الروبوتات المتخصصة في تربية الأحياء المائية، حيث تمثل المشكلة الأخرى القدرة على التحكم بالآلات. لذا، يسعى الباحثون إلى البحث في أشكال الحياة المتأقلمة في البيئات البحرية. وبرغم من أن المحاكاة الحيوية ليست مُصمَّمَة للزراعة المائية على وجه التحديد، إلا أنها قادرة على إثبات فائدتها للزراعة في المحيطات. ومن ضمن الأفكار في هذا الشأن:

فرص وتحديات الزراعة المائية

بينما ينمو عدد سكان العالم ويفرض التغير المناخي مزيدًا من الضغوط على الزراعة الأرضية التقليدية، يمكن للزراعة المائية المستدامة أن تقوم بدور رئيس، بحسب رأي الدكتور نافيد نابي، وهو أستاذ مساعد في جامعة تشانديغار. Read more›››

وقال نافيد: “إذا كان الأمن الغذائي بمثابة مسألة تثير قلق حقيقي في الوقت الراهن، فقد لعبت الزراعة المائية دورًا رئيسًا في التخفيف من حدة هذه الأزمة، إذ توفر حوالي 178 مليون طن من الغذاء، أي ما يعادل 20,2 كيلوغرام للفرد مخصصة للاستهلاك الآدمي”. وأضاف: “لا تضيف الزراعة المائية مرونة إلى النظام الغذائي العالمي من خلال تحسين مستوى الكفاءة في استخدام الموارد فحسب، وإنما من خلال تنويع النباتات المُستَزرَعَة أيضًا”.

ويحذر نافيد من أن السمك المُستَزرِع يشكل تحديات للبيئة تتضمن هروب السمك وهو ما يضر بالأنواع الأصلية وانتشار الأمراض والطفيليات.
وتوجد مشاكل أخرى تتعلق بالإثراء الغذائي، وتعني أن تُصبح المياه محمَّلة بكميات زائدة عن الحاجة من العناصر الغذائية، وهو ما يؤدي إلى ازدهار الطحالب المُميتة والمضادات الحيوية في البيئة من خلال الطعام غير المستَهلَك أو مخلفات السمك، والمخاطر المقترنة بالطفيليات.
>‹‹‹ اقرأ أقل

وقد طرح فريق من جامعتي هارفارد وساوث كارولينا الروبوت ذي الزعانف في عام 2021، حيث يستخدم هذا الروبوت أربعة زعانف قابلة للتحكم بشكل مستقل.

وفي عام 2023، نشر فريق من جامعة جيجيانغ بالصين نتائج روبوت قراد البحر، الذي صمموه على غرار قراد البحر، وهو كائن بحري من القشريات الصغيرة المعروف بقدراته على الهروب من الحيوانات المفترسة بالقفزات السريعة المتلاحقة. ويقول أعضاء الفريق أن الروبوت الذي صمموه كان قادرًا على القفز خارج الماء والهبوط على منصة أرضية صغيرة وبث البيانات، ثم القفز مجدَّدًا إلى الماء مرة أخرى.

وفي جامعة خليفة، سنجد أن باحثيها لديهم أفكار أخرى في هذا الصدد.

وقال فيديريكو ريندا، والذي يرأس الفريق البحثي: “بالنظر إلى الكائنات المائية، فسنجد أن حيوانات عديدة قد طورت أجسام مرنة أو لينة تمامًا لتحسين قدراتها على السباحة وقابليتها للتأقلم مع العالم المعقد تحت الماء”. وأضاف: “يستطيع الأخطبوط، على سبيل المثال، ضغط جسمه للاختباء في فتحات صغيرة للهروب أو لاصطياد فرائسه، بينما طور قنديل البحر استراتيجية التحرك الأكثر كفاءة على الإطلاق. ويستمد فريقي البحثي فكرته من المخلوقات اللينة لبناء روبوتات جديدة تحت الماء تمتلك القدرة على محاكاة هذه الوظائف مع الفهم المبادئ الفيزيائية الحاكمة لها في الوقت نفسه”.

ويحاكي أحد تصاميم جامعة خليفة سوطيات الخلايا الأحادية، وهي تركيبات على شكل أسواط تحرك لبكتيريا خلال السائل لحل مشكلة أخرى مع الروبوتات تحت الماء وهي أن العديد منها مقيَّد بأربطة. وبينما تتيح هذه الأربطة للآلات إمكانية تشغيلها من السطح، يمكن أيضًا جعلها متشابكة مع بعضها البعض.
قال فيديريكو: “طورنا مؤخرًا روبوت تحت الماء غير مقيَّد وعلى غرار الكائنات الدقيقة ذات الأسواط، ويتميز بقدرته على التحرك بكفاءة وأمان في نطاق قريب من مستوطنات الكائنات الحساسة تحت الماء”. وأضاف: “علاوة على ذلك، يمكن استخدام كل سوط كذراع قابضة لتقوم بالدوران والدفع إلى الأمام وأداء الوظائف المتكررة والمتعددة، وهو ما يمكنه أن يؤدي إلى تبسيط كبير في تنفيذ العمليات تحت الماء”.

وقامت جامعة خليفة بإنشاء حوض يضم أمواجًا اصطناعية تحاكي التيارات الطبيعية بهدف اختبار قدرة الروبوتات على الملاحة في المياه المتقلبة. واستخدم أسامة خطيب من جامعة ستانفورد مؤخرًا هذا الحوض في تشغيل أوشن وان، وهو روبوت شبيه بالإنسان مُصمَّم لأداء تلك المهام كرصد الشعاب المرجانية ومناطق النفط البحرية من خلال تحركاته.

تطمح إيليني بمشاهدة الروبوتات وهي تحل محل الغواصين البشريين، لكن في نفس الوقت يمتلك الدكتور لاكمال رؤية مختلفة، حيث يتوقع أن تتيح الروبوتات للغواصين البشر إمكانية الغوص لمسافات أطول كثيرًا.

وقال الدكتور لاكمال: “نرى الروبوتات وهي تساعد الغواصين، بدلًا من أن تحل محلهم”.

فرصة ذهبية للأجهزة الطبية

طوّر باحثون من جامعة خليفة طريقة جديدة لدمج جزيئات الذهب النانوية في هلاميات مائية مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد للمساهمة في تحسين زراعة الأعضاء والأجهزة البصرية والعدسات اللاصقة المستخدمة في حالات الإصابة بعمى الألوان.

ونشر الباحثون الدراسة في مجلة “ماتيريالز آند ديزاين” المتخصصة في علم المواد. ويوفر البحث منهجية آمنة على البيئة للاستفادة المثلى من الجزيئات النانوية، دون إهدار أو إضافة مواد كيميائية أخرى.

لا تعد دمج المواد المطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد مع الجزيئات النانوية عملية جديدة، حيث جرى في وقتٍ سابق مزج الجزيئات في المادة المطبوعة أو استخدامها كطبقة طلاء بعد ذلك. ويؤدي كلا النهجين إلى الحد من أداء الأجهزة، لكن تساهم هذه المنهجية الجديدة في توفير الفرصة لتحكم أفضل في وضع الجزيئات النانوية ويجعلها مفيدة في تناول العقاقير والمستشعرات الحيوية والعلاجات الطبية المعتمدة على الضوء.

من إنجازات حائزة على جائزة نوبل إلى ابتكارات محلية

تصدّرت التطورات في مجال تصميم البروتين واستخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بهياكله، عناوينَ الصحف بالتزامن مع الإعلان عن جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2024. وفي دولة الإمارات، قام الباحثون في جامعة خليفة في أبوظبي بدورٍ ريادي فيما يتعلّق باستخدام الأساليب الحسابية للتنبؤ بالهياكل البلورية وخصائص المواد.

يمثل هذا العمل الأساسي دافعًا للتقدم في مجال تخزين الطاقة وتطوير الأدوية وإنشاء مكوّنات للأجهزة الإلكترونية البصرية المتقدمة.

قال شارماركي محمد، رئيس مختبر البلورات الكيميائية بجامعة خليفة: “تتمحور الفكرة الأساسية حول استخدام أجهزة الكمبيوتر للتنبؤ بالترتيب الذري للمواد الصلبة قبل تصنيعها في المختبر. ففي حال قمنا بذلك بشكل دقيق لجميع الجزيئات المستهدفة المهمة، سنقترب من الإجابة على السؤال المثير للاهتمام علميًّا حول الظروف التجريبية اللازمة لاستهداف بلورة مادة بهذا الهيكل المعين”.

يوفّر استخدام أجهزة الكمبيوتر الوقت والتكلفة ويقلل من الحاجة إلى القيام بتجارب غير دقيقة، ولكن ما أهمية ذلك؟


“لا يكمن التحدي اليوم في ما إذا كان بإمكاننا استخدام أجهزة الكمبيوتر للتنبؤ بالهياكل البلورية، وإنّما في كيفية استخدامنا الهياكل البلورية المتوقعة لتوجيه التجارب في إنشاء المواد الوظيفية واكتشافها.

شارماركي محمد، رئيس مختبر البلورات الكيميائية بجامعة خليفة


تتيح بلورة البروتينات للعلماء فهم بنيتها بالتفصيل، حيث تُعدّ البروتينات جزيئات كبيرة معقدة، ويساهم شكلُها في تحديد آلية عملها في الجسم، كما يمكن للباحثين استخدام تقنيات مثل التصوير البلوري بالأشعة السينية لدراسة هيكلها ثلاثي الأبعاد من خلال إنشاء بلورات من البروتينات، ويساعد هذا في تصميم الأدوية التي تناسب البروتين بشكل تام لعلاج الأمراض، كما يعزز فهم حالات مرضية كالسرطان والزهايمر من خلال الكشف عن العيوب في بنية البروتين.

الوصف: من اليسار إلى اليمين: البروفيسور محمد شارماركي ، د. برافين ماناغوتي ، الدكتور توماس ديلكلوس

وأضاف شارماركي: “كان السؤال المتعلّق بقدرة أجهزة الكمبيوتر على التنبؤ بالبنى البلورية لا يزال مطروحًا، عندما كنتُ أدرس للحصول على شهادة الدكتوراه في علم البلوّرات الكيميائي والتنبؤ بالبنية الحوسبية، قبل خمسة عشر عامًا، وكانت المشكلة خاصّة إلى حدٍّ ما بالمجتمع الأكاديمي نظرًا للمشاركة المحدودة جدًا لباحثي القطاع الصناعي في تطوير الطريقة واختبارها، في حين أصبحت معظم شركات الأدوية في جميع أنحاء العالم اليوم تمتلك برنامجًا بحثيًّا داخليًا للتنبؤ بالبنية البلورية الحوسبية في يومنا هذا”.

وبالرغم من ذلك، فقد شهد هذا المجال تطوّرًا كبيرًا خلال العقدين الماضيين بفضل وجود بعض المنافسة الإيجابية.

يُقام برنامج (التقييم النقدي للتنبؤ ببنية البروتين) مرة كل عامين، ويساهم الباحثون من خلاله بتقييم الأساليب والأدوات المستخدمة للتنبؤ ببنية البروتين، حيث يشارك العلماء من جميع أنحاء العالم في اختبار الخوارزميات التي تهدف إلى تحديد كيفية تحوّل البروتينات إلى أشكالها ثلاثية الأبعاد استنادًا إلى تسلسل أحماضها الأمينية فقط. ونظرًا لأهمية بنية البروتين في مجالات مثل تطوير الأدوية والبحوث المتعلّقة بالأمراض، يقوم البرنامج بدورٍ هامٍّ في تطوير البحوث المعنيّة بعلوم الأحياء والقائمة على الكمبيوتر وتوجيه التحسينات في أساليب التنبؤ.

جدير بالذكر أنّه قد أُجري اختبارٌ عشوائي مماثل منذ عام 1999 لتقييم التقدم المحرز في استخدام أجهزة الكمبيوتر للتنبؤ بالهياكل البلورية للجزيئات الصغيرة.

تجمع الاختبارات العشوائية للتنبؤ بالبنية البلورية للبروتين، والتي ينظمها مركز البيانات البلورية في كامبريدج، علماء من القطاعات الأكاديمية والصناعية لتقييم أساليبهم من خلال تطبيقها على أمثلة من العالم الفعلي في بيئة خاضعة للرقابة، كما تعزز هذه الاختبارات أوجه التعاون داخل المجتمع المعنيّ بالتنبؤ بالبنية البلورية.

شارك شارماركي وفريقه الذي شمل طالب الماجستير مبارك المحيربي وطالبة الدكتوراه زينب سعيد وباحثيْ الدكتوراه تماضُر الخضر وباوصاحب دوكالي، في أحدث اختبار عشوائي للتنبؤ بالبنية البلورية.


وقال شارماركي في مقابلة مع مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا: “تضمن هذا الاختبار العشوائي السابع أكثر الجزيئات المستهدفة تحديًّا حتى الآن. وأظهرت النتائج ارتفاعًا في معدّل النجاح في كلٍّ من إنشاء الهياكل وترتيبها، الأمر الذي أكد على تقدُّم المجال على نحوٍ كبيرٍ منذ أول اختبار عشوائي أُجري عام 1999. ولكن كما هو الحال في جميع التطورات في العلوم، تنشأ أسئلة وتحديات جديدة كلّما أحرزنا تقدمًا في أحد المجالات “.

وأضاف شارماركي: “لا يكمن التحدي اليوم في ما إذا كان بإمكاننا استخدام أجهزة الكمبيوتر للتنبؤ بالهياكل البلورية، وإنّما في كيفية استخدامنا الهياكل البلورية المتوقعة لتوجيه التجارب في إنشاء المواد الوظيفية واكتشافها، حيث يُعتبر هذا محور تركيز العديد من الباحثين في هذا المجال حاليًّا، بما في ذلك فريقنا في قسم الكيمياء بجامعة خليفة”.

فقد أدّى التعلم الآلي على سبيل المثال، إلى تحسين كيفية ترتيب الهياكل البلورية المتوقعة، وهو ما ساعد الباحثين على توقّع الهياكل التي يمكن أن تتشكل بنجاح في ظل ظروف درجة الحرارة والضغط العادية.

يساهم ترتيب الهياكل البلورية بتعزيز دور الباحثين في تحديد أيهما يمكن مشاهدته في ظل الظروف الفعلية، كما يوفّر الوقت والجهد من خلال التركيز على أفضل خيارات التجارب.

تقوم مجموعة شارماركي بتطوير طرق ورموز جديدة للمساعدة في تجارب استهداف مواد جديدة ذات خصائص صلبة مطلوبة، حيث طور الفريق مؤخرًا رمزًا أطلقوا عليه اسم (ميكا برِدِكت) يمكنه التنبؤ بالخصائص الميكانيكية للبلورات على أي سطح دون الحاجة إلى القيام بتجارب نانوية دقيقة.

 

الوصف: ملخص رمز ميكا برِدِكت الصورة: جامعة خليفة

 

يُستخدم هذا الرمز بالفعل من قبل الأكاديميين في جميع أنحاء العالم وقد جذب اهتمام شركات الأدوية لقدرته على إطالة العمر الافتراضي وتحسين قابلية ذوبان المنتجات الدوائية واستقرارها. إضافة إلى ذلك، يمكن تطبيق الرمز عند تصميم مواد جديدة مثل طبقات النقل عبر الثقوب للخلايا الشمسية، والتي يمكن أن تؤدي إلى تصميم ألواح شمسية أكثر كفاءة وتنوعًا وأقل تكلفة وتدوم لفترة أطول.

ومع التقدم المحرز في أساليب التنبؤ بالبنية البلورية، يعتبر من الضروري إعداد مختبر متخصص بعلم البلورات ومجهز بالكامل للتحقق من دقة التنبؤات الحوسبية.

وقال شارماركي:  “يُعد مختبر البلورات الكيميائية أفضل مختبر من نوعه في دولة الإمارات لاختبار تقنيات حيود الأشعة السينية أحادي البلورة، وهو المعيار المثالي لتحديد الهياكل البلورية للمواد، كما يقدم خدمات بلورية تجريبية لباحثي جامعة خليفة والمتعاونين في الدولة وحول العالم، حيث يكمن السر في تحقيق المزيد من التطورات مثل التي اعترفت بها جائزة نوبل في الكيمياء عام 2024، في تضافر الجهود المبذولة في كلٍّ من علم البلورات الكيميائي التجريبي وأساليب التنبؤ بالبنية البلورية”.

رحلة البحث عن الميتافيرس

لا أعتبر مكتبي الأكثر تحفيزًا، فهو ليس غرفة هادئة تطل على البحر وتعزز لديّ التفكير الإبداعي للوصول إلى مستوى الإنتاجية الذي أريده، لكنه ليس سيئًا أيضًا. ليت ارتداء نظارة الواقع الافتراضي كان مقبولًا اجتماعيًا، فأطل على مدينة مستقبلية أو منطقة استوائية بينما أنجز عملي على أتم وجه. أريد أن أتظاهر بأنني أحلق بين النجوم على متن مركبة فضائية أثناء الرد على رسائل البريد الإلكتروني وكتابة مقالاتي.

أخبرتني جايمي غيلبين، مديرة التسويق في أداة لإدارة وسائل التواصل الاجتماعي “سبراوت سوشال”، أن ما أريده هو الميتافيرس. تُعتبر “سبراوت” واحدة من عدة شركات تعطي الموظفين أولوية العمل عن بعد.

وتقول جايمي في هذا الصدد: “قد يبدو الذهاب إلى العمل في الميتافيرس بعيد المنال ولكنه قد يأتي بطريقة مبتكرة لانخراط العاملين في مكان عمل افتراضي، فمن الممكن أن تواجه مشكلة تسرب الرمال إلى لوحة المفاتيح إذا كان الشاطئ هو مكان العمل التي تحلم به، ولكن الميتافيرس يمكّنك من العمل أينما تريد دون أن تقيّدك المساحة، بحيث يُمكّنك السماح لنفسك بالعمل في بيئة تحفيزية من تحقيق نتائج مذهلة.”

كنت أفكر في الواقع الافتراضي فهو سهل وبسيط، فهل جايمي محقة في قولها أن الحل يكمن في الميتافيرس؟ وما هو الميتافيرس؟

كتب محللون لشركة ماكينزي في مقال فكري عام 2022، “إذا سبق أن بحثت في جوجل على مصطلح “ميتافيرس”، فاعلم أنك لست وحدك.”
من لم يسمع من قبل عن الميتافيرس؟

يقول كوهاريسون تيري، مؤلف كتاب”دليل الميتافيرس: الابتكار من أجل التحول الجذري القادم للإنترنت”: “يعتبر الميتافيرس المصطلح الرائج في عام 2022 مثلما كانت الرموز غير القابلة للاستبدال المصطلح الرائج في عام 2021. يعد الميتافيرس مكانًا خياليًا تم تخيله قبل وجود التكنولوجيا الاستهلاكية الحالية التي أحرزت تقدمًا حقيقيًا، حيث يقوم آلاف الأشخاص بتطوير الميتافيرس في كل ثانية من كل يوم ولم يتم إكماله بشكل نهائي بعد.”

تقاعد هربرت ديكسون جونيور من المحكمة العليا في العاصمة الأمريكية واشنطن عام 2014، وكان يشرف قبل تقاعده على النموذج الأولي الأحدث لقاعة المحكمة، والذي يحتوي على شاشات تلفزيون عالية الوضوح وغيرها من الأجهزة. كما أنه يشارك بانتظام في المجلة العلمية الخاصة بالقُضاة “أميريكن بار أسوسيايشن” حيث كتب فيها عام 2023: “يُعتبر الميتافيرس فكرة سريعة التطور، حيث يمكن تشبيه الميتافيرس في عام 2023 بالرحلة الجوية والفضائية لمن عاشوا في عصر العربات والخيول، كما نشهد كل عام تطورات تكنولوجية جديدة قد تبدو خيالًا علميًا.”


“الميتافيرس يمكّنك من العمل أينما تريد دون أن تقيّدك المساحة”

جايمي غيلبين، مديرة التسويق في”سبراوت سوشال”

“يُشار إلى الميتافيرس باسم الإنترنت ثلاثي الأبعاد ومستقبل الإنترنت، ولكن يتضمن وصفي للميتافيرس المستقبلي عالمًا رقميًا (قد يتكون من صور حقيقية أو خيالية) تدخله صورتك الرمزية للتفاعل مع الصور الرمزية الأخرى.”

لا أريد تمثيلًا لنفسي على الإنترنت، أريد فقط أن أتظاهر بأني أعمل في مكان محفز وهادئ. وإذا وددت البقاء في مكان العمل الرقمي الجميل الخاص بي، فسأحتاج إلى صورة رمزية للتعاون مع زملائي، فهم بحاجة إلى كائن مرئي في بيئتهم الرقمية يمكنهم تسميته “جايد”، وسأحتاج إلى صورهم الرمزية أيضًا. أعلم أن هناك منصات اجتماعات قائمة على الإنترنت تُمكّنني من تغيير الخلفية التي أستخدمها والتظاهر بأني في مكان جميل ومميز ولكني أريد الحصول على التجربة كاملة.

تقول ماريابينا ترونفيو، الأستاذة المشاركة في الاقتصاد وإدارة الأعمال بجامعة نابولي، “يُعرّف الميتافيرس أنه واقع جماعيٍ موازٍ وتفاعلي تم إنشاؤه من خلال تجميع عوالم افتراضية بحيث يمكن أن يستخدم الناس فيه الصور الرمزية الشخصية للعمل واللعب والتواصل مع بعضهم البعض.”

وأوضحت ماريابينا في ورقتها البحثية التي نُشرت عام 2022 في المجلة العلمية “فيرتشوال ووردلز” المعنية بالواقع الافتراضي المعزز والمختلط، أن التكنولوجيات الافتراضية تعزز الانسجام في واقع شخصية الصور الرمزية والمستخدمين: “يمكن للمستخدمين في هذه العوالم الرقمية التفاعل بسلاسة مع الكائنات الافتراضية والوكلاء الأذكياء، والتواصل بحرية مع بعضهم البعض، حيث يمكن تجربة العوالم الافتراضية، والتي يمكن أن تتخذ أشكالًا مختلفة، في وقت واحد من قبل عدد غير محدود من المستخدمين، مما يخلق بيئة متجانسة بشكل دائم.”

تعجبني مفاهيم الإصرار والتركيز حسب تعريف ماريابينا.

يسلط المقال الفكري لماكينزي الضوء أيضًا على أن الميتافيرس قد يحمل معان مختلفة باختلاف الأشخاص:

“يعتبره البعض ملعبًا رقميًا للأصدقاء، فيما ينظر إليه آخرون على أن لديه القدرة لتوفير مساحة تجارية للشركات والعملاء ونعتقد أن كلا التفسيرين صحيح، حيث نرى أن أفضل وصف للميتافيرس هو تطور الإنترنت اليوم والذي أصبح تجربة نتعمّق فيها وليس تجربة ننظر إليها عن بعد فقط.”

ووفقًا للتعريف العملي الخاص بالمجموعة الاستشارية: “يُعتبر الميتافيرس المساحة الرقمية الناشئة التي تعمل بتقنية الأبعاد الثلاثية وتستخدم الواقع الافتراضي والواقع المعزز وغيرها من التكنولوجيات المتقدمة للإنترنت وأشباه الموصلات للسماح للناس بالحصول على تجارب شخصية وتجارية واقعية عبر الإنترنت.”

نقاط الدخول

يقول القاضي السابق هربرت: “للوصول إلى الميتافيرس، يحتاج المستخدم إلى جهاز كمبيوتر مبرمج للولوج إلى البيئة التي تم إنشاؤها بواسطة الكمبيوتر وشاشة مثبتة على الرأس أو نظارات تُمكّن من رؤية البيئة الافتراضية وسماعة ومستشعرات وأجهزة تحكم تتبع اليد والجسم وتكشف عن الحركة لتوفير حاسة اللمس والشعور أثناء التنقّل داخل البيئة.”

ويركز تعريف الدكتور إرنستو دامياني، المدير الأول لمعهد الروبوتات والأنظمة الذكية ومدير مركز الأنظمة الفيزيائية الإلكترونية بجامعة خليفة، للميتافيرس على أنه التكنولوجيا اللازمة للوصول إلى الميتافيرس: “يُعد الميتافيرس مساحة افتراضية رقمية تُمكّن البشر الذين يرتدون واجهات لمسية (مثل الخوذات والقفازات والأقنعة) من الدخول والتجول من خلال إبراز وجودهم باستخدام صورهم الرمزية، فيجمع الميتافيرس بين الواقع الافتراضي والواقع المعزز وتكنولوجيا الاتصالات متعددة الأطراف والتي تتميز بقصر فترة الانتظار لتمكين الأشخاص من الحصول على تجارب تفاعلية واقعية من خلال صورهم الرمزية.”

الصورة: أبجد

أمتلك نظارات الواقع الافتراضي وأستخدمها في الغالب للألعاب، حيث يمنحني الواقع الافتراضي فرصة للهروب من العالم الحقيقي وتخيّل أهدافي المتعلقة ببيئة العمل الهادئة والمحفزة، ولكن ذلك ليس الميزة الوحيدة للميتافيرس، كما أنه ليس عمليًا عندما يتعلق الأمر بممارسة حياتك اليومية، وهنا يأتي دور الواقع المعزز.

تحب ليزلي شانون جزئية الواقع المعزز في الأشياء، حيث ألّفت كتاب “الحقائق المترابطة: كيف سيغير الميتافيرس علاقتنا بالتكنولوجيا إلى الأبد.”، فهي ترى أن الميتافيرس تجربة رقمية تجمع بين الأشخاص والأماكن والمعلومات بشكل فوري، جزئيًا أو كليًا، بطريقة تتجاوز ما هو ممكن في العالم الحقيقي وحده، وتريد ليزلي أن يحل الميتافيرس مشاكلنا وأن يكون مفيدًا أيضًا، وليس مجرد وسيلة للترفيه.

“تكمن المشكلة في كون الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر قد أبلت بلاءً حسنًا جدًا فيما يتعلق بحل مشكلة تقديم المعلومات والترفيه في الزمان والمكان المناسبيْن، حيث أننا لا نمانع من أن ندفع أثمان باهظة للتواصل مع الأفراد والمحيط المادي من حولنا، وهي تكلفة أصبحنا ندفعها بلا تفكير في يومنا هذا للحصول على هذه الراحة الفريدة. فقد تتذكر حادثة لم يمض على حدوثها أكثر من أسبوع أدى فيها النظر إلى الشاشة، بدلًا من الوجود المادي الحسي مع من هم حولك، إلى إيجاد موقف سبب لك الإحراج أو كاد أن يُعرّضك للخطر، إذًا نحن جميعًا شركاء في هذه الجريمة.”

تتسائل ليزلي إن كان العالم الرقمي التفاعلي يوفر الحل؟ وتجيب بالنفي، لكنها تستطرد بقولها: “إذاوضعنا مجموعة من التجارب المادية بنسبة 100% على أقصى اليسار، ومجموعة التجارب الرقمية بنسبة 100% على أقصى اليمين، لابد أن يلتقيا في مرحلة ما يكون فيها التواصل ماديًا بنسبة 50% ورقميًا بنسبة 50%، حيث تتغير نسب اندماج نوعَي التواصل تدريجيًا في كل من الجهتين.”

تقول ليزلي أن هذا المزيج الرقمي والمادي من التواصل هو الذي يستحق اهتمامنا، وتسميه بـ “الوقائع المترابطة”.

الصورةأبجد
إنشاء الميتافيرسيتي

كتابة: سوزان كوندي لامبرت

تعتقد جامعة خليفة بأن الميتافيرس سيشكل منعطفًا مهمًا في الطريقة التي سيتعلم بها الطلبة في المستقبل.

وهو ما دفع الجامعة في العام 2023 للتعاون مع كل من ميكروسوفت الإمارات و”هيفولس” للابتكار لتنظيم مسابقة للهاكاثون في مجال الميتافيرسيتي، حيث دعت فرق طلابية لإنشاء فصول دراسية تعتمد على تقنيات الميتافيرس تقوم بإزالة الحواجز المادية وتوفير تجربة تعليمية شاملة ومبتكرة يسهل الحصول عليها وتوفر بيئة جذابة وتعاونية للمتعلمين.

وفي هذا الإطار، يقول الدكتور عارف سلطان الحمادي، رئيس تحرير مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا: “سيكون لدينا يومًا ما جامعة متكاملة في بيئة الميتافيرس، حيث يحصل الطلبة فيها على أفضل تعليم في العالم أينما كانوا.”” Read more›››

وفي هذا الإطار، يقول الدكتور عارف سلطان الحمادي، رئيس تحرير مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا: “سيكون لدينا يومًا ما جامعة متكاملة في بيئة الميتافيرس، حيث يحصل الطلبة فيها على أفضل تعليم في العالم أينما كانوا.”

ويقول إن كليات الطب بدأت بالفعل بالاستفادة من وجود شاشات تفاعلية ثنائية الأبعاد لتقليل العدد المطلوب من الجثث لتدريس علم التشريح، مما قد يستدعي وجود تحول نوعي إلى الشاشات ثلاثية الأبعاد لتحقيق تطور ملموس في هذا المجال.

ومع ذلك، يعتقد الدكتور عارف أنه مع تطوير النماذج المستخدمة، سيتمكن الطلبة في النهاية من الحصول على كثير من مزايا التجربة التعليمية الشخصية في باستخدام الميتافيرس.

من جهته، يرى الدكتور هادي أطرق، أستاذ الهندسة الكهربائية وعلوم الكمبيوتر بجامعة خليفة، أنه يمكن الحصول على نتائج واعدة خاصة في استخدام الصور الرمزية (أفاتار) لتقليل العبء على المعلمين من أداء المهام الثانوية مثل تشغيل البرامج التعليمية. ويقول: “سيبقى التحدي في كيفية جعل الطلبة يتفاعلون مع المعلم بدلًا من الهواتف”.

ويعتقد الدكتور عارف أن الأمر سيتطلب شجاعة لأخذ هذه الأفكار وإنشاء تجربة تفاعلية متكاملة عبر الإنترنت، مما يشير إلى أن “الميتافيرسيتي” المحتملة يمكن أن تبدأ ببرنامج أكاديمي واحد فقط لإثبات هذا المفهوم. ويقول إن جامعة خليفة تطمح لأن تكون في مقدمة تصور ذلك المستقبل. ‹‹‹ Read less

“يصوّر مفهوم الميتافيرس عالمًا يمكننا الحصول من خلاله على محتوى واقعي ومدهش ومناسب نحصل عليه حاليًا عبر الشاشات، لكنه يُدمَج بصريًا مع عالمنا المادي بطريقة تسهل حياتنا بدلًا من إبعادنا عنها، حيث يتخيل مفهوم الميتافيرس هذه الجوانب الرقمية والمادية التي تُدمج مع بعضها البعض على نطاق متدرج بشكل متواصل لنتعمق معًا في عالم رقمي أو نقضي وقتًا طويلًا في عالم مادي.

“سيكون هذا الميتافيرس الخاص بالحقائق المترابطة، مكانًا نجمع فيه المعلومات الرقمية أو الترفيهية من عالم الإنترنت مع محيطنا الفعلي حتى نتمكن من أن نكون أسعد وأكثر كفاءة ووعيًا وعلى قدر أكبر من المعرفة مما نحن عليه اليوم. قد يكون مستشعر الفرن الذي يتصل بنظاراتي للواقع المعزز، مثالًا بسيطًا على هذا المستقبل المحسّن، فيقوم بعرض درجة حرارته الحالية أمامي في تراكب رقمي مرئي عندما أطيل النظر إلى فرني لأكثر من ثانية أو ثانيتين في حالة التشغيل، وهو ما سيساعدني عندما أكون في الجهة الأخرى من المطبخ.”

وإذا كان النظام الذي نتحدث عنه هو شاشة عرض ثابتة بشكل دائم أمامي، فلا شك بأنني أريده، حيث أنني أرتدي نظارات على أي حال وسيكون مفيدًا جدًا أن تظهر علامات صغيرة فوق رؤوس الأفراد في الحياة الواقعية لتذكيري بأسمائهم والتعرف على وجوههم في أرض الواقع الافتراضي، أو أن تظهر خريطة مصغرة في إحدى زوايا مجال رؤيتي لكي لا أضيع مرة أخرى أبدًا، على غرار ألعاب الفيديو.

لا تُعد شاشة العرض الأمامية جديدة على الإطلاق، حيث يعود تاريخها في مجال الطيران إلى نهاية الحرب العالمية الثانية عندما تم تركيب أنظمة بدائية في عدد قليل من الطائرات العسكرية، وتتميز الخوذة الحديثة للطيار المقاتل بغطاء مثير للإعجاب، تشبه ما استخدمه الرجل الحديدي في الفيلم الشهير، ومع أن الرجل الحديدي من عالم الخيال، إلا أن كثيرًا من التكنولوجيات برزت من عقول المبدعين والروائيين بما في ذلك مصطلح “الميتافيرس”.

يقول ماثيو بول، مؤلف كتاب “ميتافيرس وكيف سيُحدث ثورة في كل شيء”: “صاغ المؤلف نيل ستيفنسون مصطلح “ميتافيرس” في روايته عام 1992 “تحطم الثلج”، ولم يقدم كتابه أي تعريف محدد للميتافيرس، على الرغم من كل الضجة التي أثارها، لكنه وصف عالمًا افتراضيًا ثابتًا وصل إلى كل جزء من حياة البشر وتفاعل معه وأثر عليه تقريبًا.”

إنه الإصرار مرة أخرى.

مع عدم اهتمامي بفكرة الشيء “الذي يؤثر على كل جزء من حياة البشر تقريبًا”.

الجميع في كل مكان وفي آنٍ واحد؟

يقول “واغنر جيمز أو” في كتابه: “يُعد الميتافيرس عالمًا افتراضيًا واسعًا وتفاعليًا يسمح لملايين الأشخاص باستخدامه في وقت واحد من خلال صور رمزية قابلة للتخصيص بدرجة كبيرة وأدوات تصميم تجربة قوية مدمجة مع العالم غير المتصل بالإنترنت من خلال اقتصاده الافتراضي وتكنولوجياته الخارجية، ومع ذلك، فإن الميتافيرس ليس للجميع:

“لربما رأيت إصرار العديد من خبراء التكنولوجيا عبر وسائل الإعلام المختلفة على أننا سنكون جميعًا قريبًا في الميتافيرس، ولكنني أستطيع أن أخبرك من تجربة مؤلمة ولكن ممتعة أيضًا، أنه من غير المرجح أن يكون ذلك هو الحال على الإطلاق، ويُحتمل ألّا ترتدي سماعة رأس الواقع الافتراضي بشكل منتظم أيضًا، لكن يمكننا القول بأن واحدًا على الأقل من بين كل أربعة أشخاص لديهم اتصال بالإنترنت سيكون جزءًا من الميتافيرس في مرحلة ما. حسب أحد التقديرات الأكثر تحفظًا، حيث يستخدم أكثر من نصف مليار شخص في جميع أنحاء العالم شكلًا واحدًا أو أكثر من منصات الميتافيرس، مثل “ماين كرافت: و”روبلوكس” و”فورتنايت” و”الفي آر تشات” و”سِكند لايف”. ويمثل هذا حوالي 1 من بين كل 10 مستخدمين للإنترنت في جميع أنحاء الكوكب والذي يبلغ عددهم 5 مليار مستخدم.”

وتشكل الألعاب معظم أمثلة واغنر، حيث تُعتبر شركات الألعاب هي الرائدة في مجال الميتافيرس والمعروفة بأنهم أول مستخدميه وأنهم من بنى النموذج الأولي له. تقدم ماين كرافت و فورتنايت عوالم افتراضية يلتقي فيها اللاعبون كصور رمزية للعب الألعاب والدردشة، كما أنها توفر أنظمة دفع بالإضافة إلى ممتكلات داخل اللعبة تنتقل مع اللاعبين عبر الأنظمة الأساسية: من الكمبيوتر الشخصي إلى وحدة التحكم إلى الهاتف المحمول، وهي أيضًا مساحات اجتماعية يتعرف فيها اللاعبون على أشخاص جدد ويُنشئون فيها مجتمعات عبر الإنترنت

الصورة أبجد

يقول إيان خان، مؤلف كتاب “الميتافيرس للمبتدئين”: “يرتبط هذا الابتكار في عالم الألعاب ارتباطًا وثيقًا بالعديد من التعاريف العملية التي وجدتها لمفهوم الميتافيرس، حيث يشير الميتافيرس في الواقع إلى عوالم الإنترنت القائمة على الواقع الافتراضي ويشير أيضًا إلى أن العديد من هذه العوالم هي بيئات ألعاب وألعاب عبر الإنترنت وأماكن افتراضية عبر الإنترنت يمكنك القيام فيها بأنشطة أخرى مثل مقابلة أشخاص أو تعلم أشياء جديدة أو مجرد قضاء الوقت، وتستمر أنواع العوالم الافتراضية التي يمكن العثور عليها في الميتافيرس في التوسع ومن المرجح أن تستمر في التطور أيضًا.”

ومع ذلك، يعتقد العديد من الخبراء الذين وجدتهم بأنه ليس لدينا ميتافيرس حتى الآن.

يقول ديكسون “إن الميتافيرس غير موجود بعد، لكن نطاقه المنشود مقيد فقط بحدود الخيال البشري.”

تصف أكانشا ساكسينا، الأستاذة المساعدة في كلية تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بجامعة راشتريا راكشا، الميتافيرس بأنه “مفهوم“: “يمكن استيعابه على أنه عالم لا نهائي يمكن أن تتعاون فيه شرائح مختلفة من المجتمع يستمتعون فيه بآليات الواقع المعزز والواقع الافتراضي والواقع الممتد والحياة على الإنترنت وغير ذلك الكثير.”

يبدو هذا شبيهًا بالعديد من الألعاب بالنسبة لي.

وقال الأستاذ الدكتور خالد صلاح، أستاذ الهندسة الكهربائية وعلوم الكمبيوتر في جامعة خليفة: “يُعد الميتافيرس عالمًا افتراضيًا تفاعليًا وثلاثي الأبعاد يمكن للناس من خلاله التفاعل عبر الصور الرمزية للتواصل كالعادة مع بعضهم البعض بشكل يومي وإطلاق العنان لإمكانات التواصل والتعامل وتجربة فرص جديدة عالمية.”

أدهشني استخدام أ. د. خالد لتعبير: “ميتافيرس” وليس “الميتافيرس”، فقد كان الشخص الوحيد من بين جميع الأشخاص الذين سألتهم والكتب التي قرأتها والمقالات البحثية التي استعنت بها، الذي أثار مسألة الميتافرسات المتعددة، فهل تمتلك كل منصة ألعاب أو كل لعبة فردية ميتافيرسًا خاصًا بها؟

وإذا كان لكل منصة ميتافيرس خاص بها، كيف يمكننا الانتقال من واحد لآخر بشكل سلس؟

ربما يمتلك مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الإجابة على هذا التساؤل، فقد قال في بودكاست ليكس فريدمان أن الميتافيرس ليس بناءً لأماكن افتراضية متصلة: “بل هو المرحلة الزمنية التي نقوم فيها بأجزاء كبيرة من أنشطتنا الرقمية اليومية ونقضي فيها وقت الفراغ في بيئات تفاعلية ثلاثية الأبعاد باستخدام نظارات الواقع الافتراضي والواقع المعزز.”

كان اسم ميتا فيسبوك سابقًا، ولكنّها غيّرت اسمها عام 2021 لتسليط الضوء على توجهها الجديد، وقد أعلنت منذ ذلك الحين عن استثمار بقيمة 2.5 مليون دولار أمريكي لدعم البحث الأكاديمي المستقل في جميع أنحاء أوروبا فيما يتعلق بتكنولوجيات الميتافيرس لأن هذا “سيتطلب هذا تضافرًا وتعاونًا، نظرًا لعدم امتلاك أو تشغيل أي شركة للميتافيرس.”

يلخص تيري، مؤلف كتاب “دليل الميتافيرس” الأمر فيقول:

“سأخبركم بشكل واضح ما لا يمكن أن نعده ميتافيرس. لا يتكون الميتافيرس من تكنولوجيا واحدة وهو ليس مجرد مكان سنزوره في الواقع الافتراضي، كما أنه ليس شيئًا يمكن إنشاؤه والمطالبة به من قبل عمالقة التكنولوجيا مستقبلًا لأنه غير محدود وغير مملوك مثل الإنترنت. توجد جهات ساهمت في تشكيل الإنترنت أكثر من غيرها، كما أن هناك ابتكارات وجهت مسار الإنترنت وأثرت على تجربته، إلّا أن الإنترنت لم يظهر فجأة على الهيئة التي نعرفها الآن، بل كان شيئًا دائم التطور.”

ما نهاية ذلك؟

تقول ليزلي: “يمكن القول أن الميتافيرس في أوائل العشرينيات من القرن الحالي يشبه ما كان عليه الإنترنت في منتصف تسعينيات القرن الماضي، حيث تحدث الكثير من الناس عنه وقام عدد قليل من الناس بتطويره لكن لم يتمكن أحد من تحديد طبيعته وقدراته التي يمكننا الاستفادة منها أو حتى ما إذا كان سيعتمد عليه كل واحد منا بعد توفره.”

يؤكد إيان، مؤلف كتاب “الميتافيرس للمبتدئين”، على أن الميتافيرس اليوم يقف في المكان الذي وقف فيه الإنترنت في التسعينيات من ناحية التطوير، حيث قال:

“تشكّلت المرحلة المبكرة من الإنترنت من خلال الأفكار والتكنولوجيات والطرق الجديدة للقيام بالأشياء، وتطور الإنترنت ليصبح كما نعرفه اليوم من خلال الاستثمارات والاستخدام المناسب. يوفر الميتافيرس اليوم منصة هامة للعديد من الأنشطة لكن لا يزال العديد منها في المراحل الأولى من التطوير. إضافة لذلك، ستساهم الاستثمارات والجهود المبذولة لتطوير الميتافيرس، خلال السنوات الخمس إلى العشر القادمة، في تحديد طبيعة الميتافيرس، حيث يرتبط في النهاية بالقيمة التي يوفرها.”


يصبح الميتافيرس أكثر واقعية في كل مرة نستبدل فيها عادة مادية حسية بأخرى رقمية.”

،كوهاريسون تيري مؤلف كتاب”دليل الميتافيرس: الابتكار من أجل التحول الجذري القادم للإنترنت،

وفقًا لماريابينا من جامعة نابولي:
“يكتنف الميتافيرس الغموض والشك كالعديد من الابتكارات، حيث يشكك فيه البعض ويرى بأنه أمر عابر، في الوقت الذي يعتقد فيه الكثيرون أنه سيكون ثوريًا ويحدث نقلة نوعية في طريقة عمل الناس وتسوقهم وتواصلهم ولعبهم، ولكن سواءً كان الميتافيرس ثورة تكنولوجية أم لا، لا يمكن أن ننكر أن الانتشار الكبير لهذه التكنولوجيا سيؤثر على كافّة جوانب الحياة والأعمال تقريبًا في العقد المقبل، ما يسمح بالتفاعل في المساحات الافتراضية والمعززة وفي مزيج من الاثنين معًا.”

سيساهم الميتافيرس، إذا ما تم تجهيزه بشكله النهائي أو فيما لو كان لا يزال في مراحله التطويرية، في إحداث تغيير كبير وجذري في جميع جوانب الحياة.

أعتقد، بعد كل ما قرأته ومن خلال ما استنتجته ممن قابلتهم، أنه لا يمكن صياغة مفهوم الميتافيرس باستخدام المصطلحات العلمية والتكنولوجية التقليدية التي نلجأ إليها عادة.

نشر شان بوري، رائد أعمال في مجال التكنولوجيا، تغريدة عام 2021 تلخص الأمر بشكل جيد:

“الميتافيرس هي اللحظة التي تكون فيها قيمة حياتنا الرقمية أكبر من قيمة حياتنا المادية.”

أو كما يقول تيري: “الميتافيرس ليس مجرد مكان سنزوره في الواقع الافتراضي وهو ليس وجهة، هو توجه نحو نمط حياة يمنح الأولوية للتوجه الرقمي ونتبناه ببطء عامًا بعد عام وتطبيقًا تلو الآخر، حيث يصبح الميتافيرس أكثر واقعية في كل مرة نستبدل فيها عادة مادية حسية بأخرى رقمية. ويتمثل مفهوم الميتافيرس، بالنسبة لنا كمواطنين رقميين معتمدين على الإنترنت، باستبدال الوقت في العالم الفعلي بوقت الاتصال بالإنترنت”.

وأنا لا أمانع ذلك.

ركائز الاستدامة

ساهمت المواد البوليمرية، منذ اكتشافها في أوائل القرن العشرين، في التأثير في العديد من جوانب الحياة وقد يكون البلاستيك البوليمر الأكثر انتشارًا في حياتنا اليومية.

يتم إنتاج المواد البلاستيكية، على الرغم من قيمتها العالية، بكميات تفوق ما يتم تدويره ليشكل ذلك تحديًا بيئيًا كبيرًا. وتشير الإحصاءات إلى أنه يُعاد تدوير 9% فقط من مجموع الإمدادات العالمية للبلاستيك. ويتخلص الأفراد من المواد البلاستيكية إما بحرقها أو إلقائها في مكبات النفايات، الأمر الذي يسبب التلوث. وتوجد أيضًا كميات كبيرة من النفايات البلاستيكية في البحار والتي تشكل منظرًا مزعجًا للعين وتسبب الضرر للكائنات الحية البحرية والمنظومة المائية بشكل عام.

طور الأستاذ الدكتور شارماركي محمد، بالتعاون مع فريقه البحثي من مركز كيمياء المواد المتقدمة في جامعة خليفة، طريقة جديدة لإعادة تدوير النفايات البلاستيكية تعتمد على المزج ما بين القوة الميكانيكية (كجزء من الكيمياء الميكانيكية) والضوء والمحفزات.

ما يميّز هذه التكنولوجيا بشكل ملحوظ هو عدم اعتمادها على أي مواد كيميائية ضارة أو مسببة للتآكل.

شارماركي محمد،جامعة خليفة

يُعرف عن الطرق الميكانيكية أنها وسيلة تساهم في الحد من كمية المواد البلاستيكية قبيل عملية التدوير، لكن لا يمكن تطبيق تلك الطرق في عملية تقسيم المواد البوليمرية في النفايات البلاستيكية.
لذلك، يسعى الباحثون إلى الكشف عن طرق جديدة لإعادة التدوير بتكلفة منخفضة باستخدام مجموعة من المحفزات.


وفي هذا الصدد، قال شارماركي: “قررنا تطوير الأدوات الميكانيكية الكيميائية الجديدة على الرغم من التحدي البيئي الكبير الذي تفرضه النفايات البلاستيكية، خاصة أن معظم الباحثين في العالم يسعون إلى التركيز على القوة الميكانيكية كوسيلة لتطوير مواد كيميائية جديدة، بمعنى أنهم يطوّرون أدوات معقدة من هياكل بسيطة. لذلك، قررنا الاستفادة من نفس المبادئ والقوة الميكانيكية والضوء والمحفزات لتفكيك مواد النفايات البوليمرية المعقدة إلى وحدات أصغر يمكن إعادة تدويره لاحقًا”.

وأضاف شارماركي: “تعتبر الطاقة الشمسية مسؤولة عن عملية التحلل الضوئي للمواد البلاستيكية في البيئة، خاصة في منطقة الأشعة فوق البنفسجية من الطيف الكهرومغناطيسي. وندرك كذلك أن بعض المحفزات الحيوية (مثل الإنزيمات) تتكيف مع استخدام الجزيئات العضوية الكبيرة مثل البلاستيك كمصدر للوقود. ويعني ذلك أننا نستمد الدروس من الطبيعة خلال محاولاتنا لتطوير بروتوكول على نطاق المختبر يقوم على الأساليب المجربة والمختبَرة في مجال تحويل النفايات البلاستيكية إلى مواد كيميائية عالية القيمة”.

وقال: “في ظل إعلان دولة الإمارات أن عام 2023 هو عام الاستدامة، قرر فريقنا البحثي تولي هذه الجهود الكبيرة في مجال هو الأصعب من نوعه، حيث ستحفزنا هذه التحديات لحل المشكلات البيئية التي تفرضها النفايات البلاستيكية”.

ووفقًا لما قاله شارماركي في حديثه مع مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا، يتم إنتاج حوالي 380 مليون طن متري من البلاستيك كل عام ويُعاد تدوير حوالي 9% منها فقط، مضيفًا أن معالجة بعض المواد البلاستيكية تتم بالاستعانة بمواد كيميائية شديدة كالأحماض، ولكن بشكل عام يتم حرق معظم البلاستيك.

“تُطلق عملية الاحتراق ثاني أكسيد الكربون فتتسبب في زيادة نسبة الانبعاثات الكربونية عالميًا، كما لا يمكن إعادة استخدام البلاستيك بعد حرقه. وفي هذا الإطار، يسعى فريقنا إلى الاستفادة من البلاستيك بعد استخدامه من قبل المستهلك بهدف الوصول إلى طرق ميكانيكية جديدة منخفضة التكلفة قادرة على تفكيك هذه البوليمرات إلى الأجزاء المكونة لها.”

ويمكن بعد ذلك إعادة استخدام هذه الأجزاء لصنع منتجات بلاستيكية وكيميائية جديدة لأغراض الاستفادة منها.

ويقوم فريق شارماركي في الوقت الحالي بمشروع بحثي يمتد لثلاث سنوات بهدف دراسة عملية تتكون من ثلاثة أجزاء لإعادة تدوير البلاستيك. ويتلقى هذا البحث الدعم من مركز كيمياء المواد المتقدمة ويُموَّل من قبل مؤسسة “أسباير””، التي تعتبر دعامة بارزة في مجال إدارة برامج التكنولوجيا في مجلس أبحاث التكنولوجية المتقدمة في أبوظبي، من خلال جائزة “أسباير” للتميز البحثي.

يتضمن الجزء الأول الكيمياء الميكانيكية والتي تعتمد على استخدام الطاقة الميكانيكية لتحفيز عملية تقسيم المادة البوليمرية إلى أجزاء في النفايات البلاستيكية.

“نستعين بالمطاحن الكروية على وجه الخصوص لتفتيت البوليمرات في وجود مواد كيميائية خاصة نطورها في مختبرنا، ويؤدي ذلك إلى تحلل البوليمر وإطلاق العناصر الأساسية المكونة له والتي تُعرف باسم المونومرات. وتشير النتائج الأولية في مختبرنا إلى إمكانية إجراء هذه العملية في ظل الظروف المحيطة في الحالة الصلبة بإنتاجية تصل إلى حوالي 70% أو أعلى من ذلك. وما يميّز هذه التكنولوجيا بشكل ملحوظ هو عدم اعتمادها على أي مواد كيميائية ضارة أو مسببة للتآكل، الأمر الذي يعد في غاية الأهمية لأنه يجعل العملية بكاملها أكثر أمانًا على البيئة مقارنة بحرق النفايات البلاستيكية أو دفنها.”

نسعى إلى البحث بصورة مبتكرة وننظر إلى المشكلة من منظور غير تقليدي باستخدام نهج التحفيز الميكانيكي

زينب محمد سعيد،جامعة خليفة


وتتمثل الخطوة التالية في اختبار تأثير الضوء على العملية، وبعدها القيام بتجارب مع المحفزات غير العضوية (كالأملاح المعدنية) أو الإنزيمات لتقسيم المواد البلاستيكية.

“سنتمكن من تجميع هذه العمليات مع بعضها لإنشاء بروتوكول التحلل الضوئي والميكانيكي الإنزيمي في حال تمكنا من فهم كل منها على حدة، حيث سيُنفَّذ هذا البروتوكول بشكل تسلسلي كجزء من عملية تصنيع بالدفعات، تمامًا كما هو الحال في الأحزمة الناقلة في المصنع. ونهدف على المدى الطويل إلى استخدام هذه العملية في التخلص من النفايات البلاستيكية بعد الاستهلاك وإنتاج وحدات البناء الكيميائية للنفايات البلاستيكية بكفاءة.”

وفي هذا السياق، أشار شارماركي إلى أن عملية تقسيم البلاستيك إلى أجزاء بالتأثير عليه بقوة ميكانيكية قد تختلف باختلاف أنواعه، مما يزيد من صعوبة العملية ولكن أكد على أن النتائج الأولية للدراسة مبشرة

وأعربت زينب محمد سعيد، طالبة دكتوراه تركز على هذا المشروع البحثي، عن حماسها تجاه هذا النهج غير التقليدي لحل مشكلة طويلة الأمد.

وقالت زينب: “يعود مجال تحلل البوليمر إلى العديد من العقود الماضية، حيث حاول الأفراد التوصل إلى طرق مختلفة لمعالجة المشكلة باستخدام خبراتهم. وفي الوقت الحاضر، نسعى إلى البحث بصورة مبتكرة وننظر إلى المشكلة من منظور غير تقليدي باستخدام نهج التحفيز الميكانيكي. يمكن القول بأن هذا البحث صعب ولكنه في نفس الوقت يحفزنا لإيجاد الحلول وللتعرف إلى النتائج التي سنحصل عليها”.

وتشمل تحديات هذا البحث إنشاء أوعية قادرة على حمل المادة وفي نفس الوقت تتيح دخول الضوء بطول موجي معين، إضافة لارتفاع تكلفة الإنزيمات التي تقوم بتفكيك المواد البلاستيكية.

ومن جهة أخرى، يكمن هدف هذه الدراسة في رفع مستوى هذه التكنولوجيا إلى المستويات التي يتطلبها القطاع الصناعي، ويحتاج ذلك بعض الوقت ليتحقق.

وقال شارماركي: “يمكننا حاليًا إنتاج ما يصل إلى غرام أو غرامين، الأمر الذي يعتبر مناسبًا للتطبيق وتسجيل براءات الاختراع.”

يذكر أن مركز كيمياء المواد المتقدمة، والذي أنشِئ في العام 2022، يضم الخبرات من مختلف التخصصات لمواجهة المشاكل البيئية الكبرى. قال شارماركي: “تتوافق أساليب مركز كيمياء المواد المتقدمة في معالجة النفايات البلاستيكية مع طموحات دولة الإمارات الرامية إلى الانتقال للاقتصاد الدائري المستدام وتحقيق الحياد الكربوني”.