هل تسيء الأوساط المالية فهم مقياسها المفضل للمخاطر؟

اعتمد القطاع المالي لعقود على “نسبة شارب” كمعيار لتقييم الأداء، لأنها مقياس بسيط وسهل الفهم ومستخدم على نطاق واسع في الممارسة الاستثمارية، فكلما ارتفعت نسبة شارب، دل ذلك على أن الاستراتيجية الاستثمارية أفضل من حيث العائد مقابل المخاطر.

لكن دراسة جديدة تُشير إلى أن المشكلة ليست في “نسبة شارب” نفسها، بل في الطريقة التي يتم بها تفسير مدى موثوقيتها.

تعليق الصورة: إميليو بوركو، إحصائي مكاني وعالم بيانات وأستاذ في قسم الرياضيات بجامعة خليفة الصورة: جامعة خليفة

يرى إميليو بوركو، الإحصائي النظري وعالم البيانات في جامعة خليفة، بالتعاون مع ماركوس لوبيز دي برادو وفينسنت زونيكيند من جهاز أبوظبي للاستثمار والحائز على جائزة نوبل روبرت إنغل، أن “نسبة شارب” تظل أداة صحيحة وذات معنى — لكن فقط إذا فُهمت ضمن إطار احتمالي صحيح.

ويشير الباحثون إلى أن الأسواق المالية لا تتصرف وفقًا للنماذج النظرية في الكتب، حيث تتجمع التقلبات في فترات من الهدوء وأخرى من الاضطراب. كما أن المخاطر تتغير مع الزمن ويمكن أن تعتمد العوائد المتوقعة بشكل مباشر على مستوى تلك المخاطر. ولا تُعَدُّ الأحداث الصعبة حالات نادرة، بل هي جزء أساسي من النظام المالي نفسه.

في ظل هذه الظروف، قد لا تكون الآلية الإحصائية التقليدية المستخدمة لتقييم حالة عدم اليقين في “نسبة شارب” — والتي تعتمد عادة على افتراضات مستقرة وتوزيع طبيعي “افتراضات غاوس” — مناسبةً أو دقيقة.

يقول إميليو: “لا تكمن المشكلة في نسبة شارب، بل في افتراض أن درجة عدم اليقين فيها يمكن وصفها بالطريقة نفسها في جميع ظروف السوق”.

تعليق الصورة: ماركوس لوبيز دي برادو، أستاذ ممارس في قسم الرياضيات بجامعة خليفة والرئيس العالمي للبحث والتطوير الكمي في جهاز أبوظبي للاستثمار الصورة: MIT Media Lab
“يوجد هناك حالات لا تحتاج فيها الأدوات التقليدية إلى تعديل فحسب”، يقول إميليو، “بل تجيب عن سؤال مختلف تمامًا”.

أثبت الفريق نظرية أساسية تُفسِّر هذه الخصائص بشكل مباشر. وباستخدام نماذج من نوع “غارتش” — المستخدمة على نطاق واسع في التمويل لرصد ديناميكيات تقلبات الأسواق — تمكنوا من اشتقاق صيغ رياضية مغلقة لقياس عدم اليقين في “نسبة شارب” عندما تكون العوائد المالية مدفوعة بمخاطر تتغير باستمرار وتتسم بالاستمرارية عبر الزمن.

ويتمثل الاستنتاج الأساسي لديهم في أن “الاستدلال الإحصائي لنسبة شارب يعتمد على نظام السوق”.

قد تظل التقريبات الإحصائية الكلاسيكية المبنية على التوزيع الطبيعي صالحة في البيئات التي تكون فيها التقلبات منخفضة، لكن مع إدخال تصحيحات مهمة تعكس استمرار التقلبات وتأثيراتها التراكمية. أما في البيئات التي تشهد تقلبات أكبر وأكثر تكرارًا، فقد يتغير الإطار الإحصائي بالكامل.

حظيت الورقة البحثية المقدَّمة إلى مجلة “إيكونوميتريكا” باهتمام كبير، إذ أثار منشور حولها على منصة “لينكد إن” مئات التعليقات وآلاف عمليات التحميل خلال أيام قليلة فقط.

يقول ماركوس لوبيز دي برادو، وللبحث دلالات عملية ومباشرة بالنسبة إليه: “يعتبر المستثمرون غالبًا ارتفاع نسب شارب دليلًا على المهارة والكفاءة، لكن هذا الاستنتاج يعتمد بشكل كبير على طريقة قياس عدم اليقين المرتبط بها. تُظهر نتائجنا بدقة متى تكون الاستدلالات الإحصائية الكلاسيكية صحيحة، ومتى تحتاج إلى تعديل، ومتى تفشل تمامًا. عند تجاهل ديناميكيات التقلب ومخاطره، قد تُساء قراءة نسب شارب — وقد يكون ذلك أحيانًا خطيرًا”.

الصورة: Shutterstock

بدلًا من تقويض “نسبة شارب”، يضعها هذا البحث على أرضية أكثر صلابة، إذ يوضح أن المقياس يظل ذا معنى وأهمية — لكن فقط عندما يُحدَّد سياقه الإحصائي بشكل صحيح ودقيق.

الخلاصة دقيقة، لكنها ذات أثر هام: ليس السؤال ما إذا كانت “نسبة شارب” صحيحة أم خاطئة.

السؤال هو: في أي منظومة احتمالية يتم استخدامها؟

مواضيع ذات صلة: ما هو تسلسل البلوك تيشن؟

حين تتجاوز الشدة حدودها

تُستخدم مصطلحات مثل “جليدي” كثيرًا لوصف مناطق كالقارة القطبية الجنوبية، ما قد يوحي بمناظر طبيعية تتغير ببطء، ولكن الواقع في بعض الأحيان يكون على العكس تمامًا.

توضح دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة خليفة أن الثلوج يمكن أن تزداد أو تتناقص يوميًا نتيجة تقلبات مفاجئة في الأحوال الجوية.

اكتشف العلماء أثناء دراستهم للجليد بالقرب من “محطة ماوسون” في شرق القارة القطبية الجنوبية أنه على الرغم من إمكانية التنبؤ بالأنماط الموسمية لتمدد وانحسار الجليد البحري، إلا أن طبقات الثلج التي تعلوه يمكنها أن تتغير سريعًا.

لا تَحدُث هذه التحولات بسبب التغيرات الموسمية، وإنما بسبب الأحوال الجوية المفاجئة، إذ يمكن لتساقط الثلوج الكثيف أو الرياح القوية أو تدفقات الهواء الدافئ أن تضيف إلى الثلوج أو تُغَيِّرها أو تزيلها.

ويتمثل العامل الأبرز بشأن هذه التغيرات بما بعرف بـ “الأنهار الجوية”، وهي تيارات واسعة من الرطوبة في الغلاف الجوي يُمكنها أن تُسقِط الثلوج في الوقت نفسه وتُثير رياحًا قوية قادرة على إزالة كميات كبيرة منها.

يمكن للرياح الجبلية الباردة والهابطة من المرتفعات (وهي تيارات هوائية سريعة الحركة تنحدر من المناطق الداخلية المرتفعة في القارة القطبية الجنوبية) أيضًا أن تسبب إزالة الثلوج من السطح أو تبديدها في الهواء.

ما أهمية ذلك؟

يلعب الثلج والجليد البحري دورًا أساسيًا في تنظيم مناخ الأرض، كما يساهم فهم العلماء، بأن المنظومة الجليدية في القارة القطبية الجنوبية تتغير بشكل سريع وغير متوقع،أقرب إلى تقلبات سوق الأسهم منه إلى حركة بطيئة وثابتة، في تحسين النماذج المناخية وفهم أفضل لما سيحدث لاحقًا مع مواصلة تغير الجليد في أنتاركتيكا.

مواضيع ذات صلة: أنهار الغلاف الجوي

الأناناس يُنقذ التربة

قد تصبح قشور الأناناس الباقية من الأمس مصدرًا للأمن الغذائي غدًا في المناطق الجافة.

اكتشف باحثون في جامعة خليفة مؤخرًا أن تحويل قشور الأناناس المُهمَلة إلى ألياف سليلوزية نانوية القياس وحقنه بالرمال يمكن أن يعزز إمكانيات التربة.

أجرى الباحثون اختبارات على ثلاثة أنماط من الرمال وتبين أن الألياف النانوية السليلوزية، وهي ألياف مشتقة من النباتات وتبدو كالخيوط، أدت إلى انخفاض بنسبة 58% في مستوى نفاذية الماء وارتفاع بنسبة 32,7 في قدرة التربة على الاحتفاظ بالماء وأيضًا زيادة قدرتها على تحمل قوة ضغط قيمتها 0,5 ميجاباسكال.

قد لا تبدو قوة الضغط كبيرة، لكن الفرق بين الرمل والتربة الحية لا يكمن في الماء، بل في كيفية تحرك الضغط. ويمثل هذا الضغط النقطة التي يصبح عندها الرمل غير خامل ويبدأ بالدفع للخلف، مما يجعل نمو الجذور صعبًا. لذا، يُعَد البقاء تحت ضغط 0.5 ميجا باسكال ضرورة للنمو.

وتثبت هذه الورقة البحثية المنشورة في مجلة “بيوريسورسز آند بيوبروداكتس” إمكانية إعادة استخدام نفايات الطعام لزيادة إنتاجية التربة الصحراوية، وهو ما يسهم في تحقيق الأمن الغذائي وتأسيس اقتصاد دائري.

وعلاوة على ما سبق، سيحفزنا هذا البحث على تناول المزيد من الأناناس اللذيذ.

مواضيع ذات صلة: هدية البحار

رسم خارطة الجينوم الإماراتي

قبل أن يكتشف العلماء ملايين من الكنوز الكامنة في الجينوم الإماراتي وقبل أن يصبح الطب الشخصي في طليعة منظومة الرعاية الصحية، كانت هناك رؤية واضحة تتمثل بمشروع الجينوم الإماراتي.

ظل الجينوم العربي لعقود طويلة غائبًا عن قواعد البيانات الدولية، الأمر الذي أعاق وصول الباحثين إلى فهم أشمل وأدق.

الصورة: عام المجتمع في الإمارات

كان سد هذه الفجوة هو الهدف الرئيس لدائرة الصحة في أبوظبي، والتي أسست مجلس الإمارات للجينوم في يونيو 2021، برئاسة سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي. يهدف مشروع الجينوم إلى بناء خارطة جينية كاملة وشاملة لسكان دولة الإمارات وتعزيز مكانة الدولة في مجال الطب الدقيق.

سجّل المشروع أول ظهور له على الساحة العالمية عندما تمكّن الباحثون من تحديد أكثر من مليار متغيّر جيني من خلال تحليل ما يقارب 40 ألف جينوم إماراتي، حيث تبيّن أن 38% من هذه المتغيرات خاصة بالسكان الإماراتيين.

CAPTION: حليمة رؤوف

والـيـوم، ومع جمـع أكـثـر مـن 800.000 عـيـنـة عـلـى مسـتـوى الـدولـة وإقـامـة العـديـد مـن الشـراكـات الـدولـيــة، مـنـهـا التـعـاون مـع كـلـيـة الـطـب فـي جـامـعـة هـارفــارد لـتـدريـب 500 طـبـيـب إمـاراتـي فـي مـجــال طـب الـجـيـنـوم.

وقـال عـلـي رضـا حـقـيـقـي، الـمـديـر الـمـؤسِّــس لمـركـز هـارفــارد الـدوَلـي للأمـراض الـوراثـيـة: “لا تـقـتـصِــر أهـمـيـة هـذه الـمـبـادرة عـلـى تـعـزيـز الـقـدرات الـمـحـلـيـة فـي أبـو ظبـي فحـسـب، بـل تـشـمــل أيـضًـا تـرسـيـخ مـرجـعـيـة لمـعـايـيـر الـرعـايـة الصـحـيـة الـعـالـمـيـة”.

وفـجـأةً، انـفـتـح أفـقٌ جـديــد لـمُسـتـقـبَـل الـطـب، وكـلُّ ذلـك عـلـى أرض الـوطـن.


الرواد خلف هذا الإنجاز

ولفهم هذا الإنجاز جيدًا، يتعين علينا الرجوع إلى جذور هذا الجهد، خارج نطاق المختبرات.

لنعد بالزمن إلى حقبة التسعينيات من القرن الماضي عندما أدت فكرة رسم خرائط الحمض النووي إلى فكرة إنشاء مشروع الجينوم البشري، والذي يُعَد إنجازًا عالميًا بارزًا. وأظهر “الائتلاف المرجعي للجينوم البشري” إلى أي مدى كان تأثير وأهمية خرائط الجينوم، كما سلط الضوء أيضًا على ضعف تمثيل السكان غير الأوروبيين في قواعد البيانات الجينومية العالمية.

وبالانتقال إلى العقد 2010، عندما واجه الباحثون في منطقة الشرق الأوسط حقيقة عدم وجود بيانات جينومية عربية بشكل مباشر، ما جعلهم بلا رؤية كافية لأنماط الأمراض وعوامل الخطورة اللازمة لعلاج السكان في المنطقة.

شهد عام 2015 تحولًا مفاجئًا تمثل في إطلاق “مشروع جينوم قطر“. وبالتزامن مع هذه المبادرة، بدأت المنطقة برامج لفحص المقبلين على الزواج والأطفال حديثي الولادة. وأبرزت هذه الجهود الجماعية أهمية الكشف الجيني المبكر والفجوات التي لم يَعُد يمكن تجاهلها أكثر من ذلك في علم الجينوم السريري.



لا تقتصر أهمية هذه المبادرة على تعزيز القدرات المحلية في أبو ظبي فحسب، بل تشمل أيضاً ترسيخ مرجعية لمعايير الرعاية الصحية العالمية

علي رضا حقيقي، المدير المؤسس لمركز هارفارد الدولي للأمراض الوراثية


وبدا أن قيادات الرعاية الصحية في دولة الإمارات أدركت نفس الاحتياج، مع ارتفاع عدد الحالات الوراثية المتنحية بسبب زواج الأقارب. وبالنظر إلى مكانة دولة الإمارات كمركز عالمي للابتكار، لم يكن إطلاق “برنامج الجينوم الإماراتي” مجرد خطوة علمية إلى الأمام، بل وإنما رسخ البرنامج أيضًا مكانته كأحد أضخم مشروعات الجينوم السكانية، إذ يهدف إلى تتبع المعلومات الجينية لعدد 1 مليون إماراتي. وتمثل هذه المبادرة علامة فارقة في مسيرة دولة الإمارات في مجال الرعاية الصحية الدقيقة.

العصر الجديد: الحمض النووي الإماراتي في طليعة التقدم

يُعَد “برنامج الجينوم الإماراتي” حاليًا من أكثر المبادرات العالمية نشاطًا في مجال الجينوم السكاني.

تمتلك دولة الإمارات الآن أول جينوم مرجعي كامل من تلومير إلى تلومير (نسخة مكتملة من الخارطة الجينية الإماراتية). وأصبح بالإمكان اليوم الكشف عن خطر السرطان الوراثي في وقتٍ مبكر أكثر من أي وقت مضى من خلال برامج الأورام الدقيقة. وعلاوة على ذلك، يتيح فحص حديثي الولادة اليوم الكشف عن أكثر من 815 حالة جينية قابلة للعلاج.

يستطيع الأطباء اليوم اختيار الأدوية الأكثر أمانًا وفعالية لمرضاهم. وقد أحدث ذلك ثورة في مجال البحث العلمي.

التحديات التي تم تخطيها

لم يتحقق هذا النجاح دون مشقة، وقد يبدو الأمر كعملية سلسة، لكنه تحقق بعد سنوات من حل المشكلات ووضع السياسات بعناية.

كان أكبر تحدٍ واجهه المشروع هو كسب ثقة الجمهور وضمان أمان بياناتهم. وأظهرت نتائج دراسة أجريت في عام 2022 أن 73% من السكان دعموا البرنامج، بينما أبدى الباقون رغبتهم بالمشاركة فيه، لكنهم ترددوا بسبب مخاوف تتعلق بالخصوصية. ويعني ذلك الاحتياج إلى إطار قانوني وتكنولوجي لحماية المعلومات شديدة الحساسية.

سَنَّت دولة الإمارات واحدًا من أقوى قوانين حماية البيانات الجينومية على مستوى العالم، والذي ضمن حفظ كافة هذه البيانات داخل نطاق البنية التحتية الوطنية وتمتعها بحماية مكثفة.

يـقـودنـا ذلــك إلـى العـقـبــة التـالـيــة: مـن أيــن تـتـوافــر البـنـيــة التـحـتـيــة اللـازمــة لمُعـالـجــة القـدر الهـائــل مـن البـيـانــات الجـيـنـيــة؟ وهــذا تحـديــدًا هـو سـبــب إنـشـاءِ “مـركـز إم42 للتـمـيُّــز”، والـذي يُعَــدُّ اليـوم أكـبــر مـرفـقٍ لرصــد التسـلـســل الجـيـنـي خـارج الولايــات المـتـحـدة الأمـيـركـيــة، ويـوفِّــر المـعـالـجــة المـدعـومــة بالروبـوتــات عـلـى مسـتـوى القطـاع الصنـاعــي.


وبفضل المزيد من علاقات الشراكة مع مؤسسات كجامعة خليفة ومركز هارفارد الدولي للأمراض الوراثية التابع لكلية هارفارد للطب و”صحة” و” مستشفى كليفلاند كلينك أبوظبي”، بات من الممكن تدريب وتعليم المتخصصين وتطوير مختبرات ضخمة لإجراء بحوث رائدة.

وقد وضع هذا دولة الإمارات في مصافّ الدول الرائدة عالميًا في مجال الطب الدقيق والبحث العلمي. ويُعدّ مشروع الجينوم الإماراتي شهادة على إمكانيات الطموح العلمي، حيث بدأت الاكتشافات التي حققها بالفعل في إعادة تشكيل مستقبل الرعاية الصحية على مستوى العالم.

حليمة رؤوف طالبة في جامعة خليفة..

مواضيع ذات صلة: عن المومياوات والفئران وطلبة الطب

سريعةٌ وذاتية القيادة

كان أعضاء فريق فلاي إيغل يراقبون عبر فجوات السياج الشبكي وهم في حالة انتظار وتوتر شديدين، إلى أن وصل إلى أسماعهم أزيز من بعيد يعلو تدريجيًا، يتبعه ضجيج محرك تزايد صوته بالتزامن مع اقتراب سيارة دالارا سوبر فورمولا وترقبها لتدور حول المنعطف وتنطلق بسرعة كبيرة على الخط المستقيم. وكلمح البصر، اندفعت السيارة أمام المتفرجين وتجاوزت النقطة المحددة ومرحلة الخطر أيضًا في نهاية المسار المستقيم، ثم صاح أعضاء فريق فلاي إيغل قائلين: “لقد كانت هذه أسرع جولة سُجّلت لهم حتى الآن”.

تُعتبر حلبة مرسى ياس في أبوظبي موقعًا مألوفًا لسيارات السباق، حيث تتظم العديد من السباقات على مدار العام، بما في ذلك نهاية الموسم من بطولة العالم للفورمولا واحد منذ عام 2009. لكن لم يشهد المسار مثل هذا السباق الذي لا تميزه السرعة أو السيارة، وإنّما السائقين.

تعمل سيارة فلاي إيغل بواسطة الذكاء الاصطناعي بالكامل وليست بحاجة إلى سائق.

ولكن لا تزال عناصر التشويق والحماس والسرعة والدقة موجودة في هذا النوع من السباقات.

يعد دوري أبوظبي للسباقات الذاتية الأول من نوعه في المنطقة، حيث يعيد تشكيل مستقبل رياضة السيارات كما لم نعهده سابقًا. وقد دُعيت ثمانية فرق جامعية للمشاركة في التحدي والتنافس للحصول على جائزة مالية بقيمة 2.25 مليون دولار أمريكي.

الصورة: شكلت رياضة السيارات منصة لتجربة الابتكارات الجديدة التي لاحقًا يتم اعتمادها في السيارات المخصصة للاستخدام اليومي.

يتسابق كل فريق باستخدام سيارات سوبر فورمولا إس إف 23 المتطابقة، وهي أسرع سيارات السباق الرياضية بعد السيارات المستخدمة في الفورمولا وان، فقد تصل إلى سرعتها إلى 300 كم في الساعة، كما يتم تصنيعها باستخدام مواد حيوية مركبة مستدامة، وهو عامل مهم سنتطرّق إليه لاحقًا. وتحتوي كل سيارة على سبع كاميرات وأربعة مستشعرات رادارية وثلاث وحدات تحديد المدى بواسطة الضوء أو الليزر، للتنقل في طريقها حول المسار، مع وجود اختلاف وحيد يكمن في كيفية استخدامهم لمهارات البرمجة والخوارزميات وتقنيات تعلم الآلة لتعليم السيارات القيادة.

قال توم مكارثي، المدير التنفيذي لشركة أسباير التي تمثّل المؤسّسة المعنيّة بالتحول التكنولوجي في مجلس أبوظبي للبحوث التكنولوجية: “لا يعني عدم وجود إنسان يقود السيارة أنها لا تعتمد على العنصر البشري لأن الأفراد هم من يتولون مهمة القيام ببرمجة سيارات السباق هذه”.

ما هي آلية العمل؟

يجب أن يكون الذكاء الاصطناعي قادرًا على الانعطاف والفرملة وزيادة السرعة وتغييرها في الوقت المناسب، إضافةً لقدرته على التعرّف إلى محيطه دائمًا، نظرًا لحاجته لمعلومات حول مدى سخونة الإطارات والفرامل، وتأثير الرياح في كل منعطف وقوة التماسك المتبقّي للإطارات لتحقيق أقصى استفادة من السيارة. ويحصل السائق الإنسان على المعلوماتَ من المستشعرات ويستنتج من خلال الخبرات والتجارب.

قد تظن أن أسرع طريقة للتنقل حول المضمار هي تدريب الذكاء الاصطناعي على القيام بـ “لفة مثالية ” يحددها سائق سباق حقيقي خبير، ثم جعل السيارة تتبع هذه البيانات حرفيًا. وبالفعل، توجد هناك بيانات تدرّب الخوارزميات، ولكن يقرر الذكاء الاصطناعي كل 50 جزء من الثانية إذا كان سيتبع أوامر بيانات التدريب أو البيانات الفورية التي يتلقّاها من المستشعرات الخاصة به، فأحيانًا تنجح السيارة في تحقيق رقم قياسي جديد عندما تعتمد على معطياتها الخاصة، وفي أوقات أخرى، تنعطف مبكرًا وترتطم بالحائط.

شاركت جامعة خليفة، ممثلةً بالدكتور لاكمال سنيفيراتني، مدير مركز جامعة خليفة للروبوتات والأنظمة ذاتية القيادة والدكتور ماجد خونجي الذي يقود الأنشطة البحثية في مختبر المركبات ذاتية القيادة في الجامعة، في دوري أبوظبي للسباقات الذاتية مع فريق فلاي إيغل الذي يمثّل ثمرة تعاون مع معهد بكين للتكنولوجيا، والذي تحدّث إلى فريق مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا في مرآب الفريق في يوم التصفيات.

وأوضح الدكتور ماجد، قائلًا: “تتم حوسبة أفضل مسارٍ مسبقًا، حيث يعتمد الرمز بعد ذلك على المعلومات التي تحصل عليها حول موقعك على المسار، ثم تحاول اتباع هذا المسار بدقة”.

CAPTION: AI generated, KUST Review الصورة: أنس البني،مجلة جامعة خليفة

وأضاف لاكمال: “ستعمل سيارتك بصورةٍ مثالية عبر هذه الطريقة في جهاز محاكاة وتنجح في إكمال 10,000 كم، ولكن في الواقع، تتسلل الأخطاء فتتراكم إذا لم يتم تصحيحها وتسوء حالة السيارة”.

عندما سُئل كلٌّ من ماجد ولاكمال عمّا إذا كان الفريق يصحح هذه الأخطاء أم أن الذكاء الاصطناعي هو الذي يقوم بذلك، سارعوا بالإجابة قائلين: “يفعل النظام ذلك، حيث قمنا بإعداده ولكنّه يتعلم ثم يطبّق كل شيء”.
توجد الكثير من مناطق الخروج الآمن في حلبة مرسى ياس، ولكن الحواجز حول المضمار لا ترحم، فقد سبق وأن تجاوزت السيارات حدود المضمار عدة مرات خلال التدريبات، فبات التصنيع المستدام مفيدًا نظرًا للحاجة إلى الاستبدال المنتظم للأجنحة الأمامية. ولحسن الحظ، كان لدى المنظمين الكثير من الأجنحة الاحتياطية.

قال لاكمال في يوم التصفيات: “كنّا نملك تجارب جيّدة ولكن بعض المشاكل التقنية بالطبع، فنادرًا ما تخلو السباقات من المشاكل لأي فريق سباق بغض النظر عن فئته، ولكن تمثّلت أكبر مشكلة واجهها فلاي إيغل، في الإشارة حول حلبة السباق، فقد واجهت سيارتهم صعوبة في التواصل مع النظام العالمي لتحديد المواقع الذي يحدد موقعها في الحلبة.

أوضح لاكمال قائلًا: “نحصل على خريطة ثلاثية الأبعاد عالية الجودة للمسار، ثم نزوّد السيارة بمستشعرات تحديد المدى بواسطة الضوء أو الليزر تستخدمها لتحدد موقعها على هذه الخريطة، حيث تتمكّن الفرق التي تنجح في استخدام هذه التقنية من تقديم أداءٍ جيد، وهذا ما سنفعله في المرة القادمة أيضًا”.

وأضاف ماجد: “لتوضيح الفكرة، ما تختبره سيارتنا دون نظام تحديد المواقع العالمي يشبه القيام بحجب الرؤية عن عيني سائقٍ في سباق فورمولا 1”.
يتدرّب سائقو السباقات المحترفين في كل مضمار قبل وصولهم إليه عن طريق القيام بلفة تلو الأخرى على جهاز محاكاة، ومن الشائع أن تسمعهم يقولون إن بوسعهم القيادة في حلبة ما وأعينهم مغلقة، إلّا أن لاكمال ضحك عندما ذكر فريق المجلة هذا الأمر: “قد تتمكّن من القيام بذلك وعيناك مغلقتان إذا كان المسار خطًّا مستقيمًّا بالتأكيد، ولكن يستحيل أن تفعلها عند وجود زوايا بأيِّ طريقةٍ كانت”.

جاء ذلك التصريح بالتزامن مع وقوع حادث في الحلبة، حيث انعطفت سيارة فريق كينيتيز في المنعطف 12 في توقيت مبكّر جدًا وضربت الحاجز، ما جعل الأنظار تتجه مجددًا إلى مضمار السباق بعد أن كانت متوجهة نحو المرآب. ولسوء حظ كينيتيز، يمكن رؤية المنعطف 12 مباشرة من منطقة الصيانة التي استُضيفت بها الفرق لهذا السباق، حيث تم استعادة السيارة وسرعان ما زُوِّدت بجناح أمامي جديد.

ما المغزى؟

غالبًا ما يُشار إلى رياضة السيارات باسم “مهد الابتكار”، حيث نشأت العديد من الابتكارات التي شقّت طريقها إلى شوارعنا في فئات مختلفة من سباقات السيارات، فقد فاز فريق جاغوار في نسخة عام 1953 من سباق لومان 24 ساعة، نتيجة لاستخدامه قرص الفرامل، والذي بدأت سيارات سيتروين المخصّصة للطرق باستخدامه بعد ذلك بعامين، كما استُخدِمت ألياف الكربون لأول مرة في الفورمولا وان عام 1980 لتقليل الوزن ويمكن أن تجدها الآن في السيارات عالية الأداء والمخصصة للطرق، وأسهم زر تشغيل السيارة في تقليل أوقات بدء التشغيل لسائقي السباقات في منطقة الصيانة، واليوم، ليس من السهل أن تجد سيارة حديثة لا تحتوي على ذلك الزر.

وقد نشأت أنظمة الفرامل المضادة للقفل على سيارة السباق “فيرغسون بي 99” في عام 1961، وقاد نظام استعادة الطاقة الحركية الذي خضع إلى الاختبار لأول مرة في الفورمولا واحد في عام 2008، رحلة صنع المركبات الهجينة، كما يرجع الفضل في إنشاء كافّة أنظمة الإيقاف في السيارات في يومنا هذا، لناسكار أو الفورمولا وان. جدير بالذكر أن مرايا الرؤية الخلفية اكتُشفت لأول مرة من خلال سباقات السيارات أيضًا، حيث قام السائق راي هارون بتوصيل مرآة بسيارته حتى يتمكن من تتبع السيارات خلفه، في أول نسخة من سباق إنديانابوليس 500، وبحلول عام 1914، باتت المرآة جزءًا لا يتجزأ من جميع السيارات.

تقول أسباير إنـه مـن الأسـهل تحديـد التحديات الرئيسـة ومجالات التحسـين ومعالجتـها بسـرعة من خلال اختبـار الإجهاد للتكنولوجيـا المستقلـة على مضمـار السـباق:

قال تـوم مـن أسباير: “تمتلـك الروبوتات ذاتيـة القيـادة والذكـاء الاصطناعـي قدرات يمكن دمجـها مع قدرات السائق العـادي للحفاظ علـى أكبـر مستوًى ممكنٍ مـن الأمـان في شوارعنـا، وتعتبـر أفضـل طريقـة للقيام بذلك إظهـار قدرتـها في أقسـى الظـروف الممكنـة وفـي أسرع سيـارات سبـاق وأفضـلها في العـالم مـن حيـث التصميـم المتقـن”.

يمكن وصـف قيام سيـارة سبـاق بالدوران حـول الحلبـة بسـرعة فائقـة وبدون سائـق بـ “اختبـار التوتـر”، ولكـن أداء الكمبيوتـر كان مذهـلًا جـدًا، ومع ذلك يُعتبـر إكمـال منعطـف كامـل دون حدوث أي حـوادث أمـرًا نـادرًا.

واجهـت العديـد مـن الفِـرق صعوبـات كبـيرة خِلال التصفيـات في تسجيـل لفـة، فقد انحرَفـت سيـاراتٌ بصـورة عشـوائية وانزلقـت أخـرى أو انعطفـت نحـو الحواجـز، حتـى أن بعـض السيـارات توجّهـت إلـى منطقـة الخـروج الآمـن وتوقّفـت بكـل بساطـة.

أوضـح لاكمـال أن التوقـف العشـوائي يعنـي أن الذكـاء الاصطناعـي اتخـذ خيـارًا حكيمـًا لضـمان السلامـة، فعنـدما لم يكـن متأكـدًا ممـا يجـب فعلـه، اختـار التوقـف بَدلًا مـن المخاطـرة.

قال لاكمال في حديثه مع فريق المجلة: “نعتبر أنفسنا الآن في مرحلة التعلم ولكننا سعداء جدًّا بما حقّقناه، حيث كان الأمر من وجهة نظرنا متعلقًا بإنشاء منصة للانتقال إلى المرحلة التالية، وكانت هذه هي المرة الأولى التي نتنافس فيها في السباق، ما يعني أن السرعات العالية هي أمر جديد بالنسبة لنا”.

انطلاقة السباق

وصلت أربعة فرق للسباق النهائي واصطفّت أمام حشد غفيرٍ من الناس، ولم يسر ذلك كما خطّطوا له، حيث انزلقت السيارة الأولى ونجحت السيارة الثانية في المرور دون وقوع حوادث، ولكن رفع منظّمو السباق بعد ذلك علمًا أصفر. ووفقًا لقواعد السباق، يشير العلم الأصفر إلى عدم المرور، ولكن أشار هذه المرة إلى منع التجاوز، وفي حين أن البشر يدركون معنى ذلك، لم تتمكّن أجهزة الكمبيوتر من إدراكه، حيث عرفت الخوارزميات أنه لم يسمح لهم بالمرور وتوقفوا في الحلبة.

تُعتبر ميزة الأمان مثالية لتقليل الحوادث في الشوارع الحقيقية، ولكنها ليست كذلك في السباق إذا أدّت إلى توقّف جميع السيارات.

بدأ السباق المكوّن من ثمانِ لفات من جديد قبل أن ينتهي، وتجدر الإشارة أن سائقي الفورمولا 1 يكملون لفة في حوالي 90 ثانية، ما يعني أنهم يكملون ثمانِ لفات في 12 دقيقة تقريبًا.

في حين استغرقت سيارات دوري أبوظبي للسباقات الذاتية 16 دقيقة، ولم تكن هذه حالهم منذ البداية، حيث انخفضت سرعتهم مقارنة بجلسات التدريب التي قاموا بها في بداية الأسبوع بمجرد وصولهم إلى السباق النهائي، وقد يرجع ذلك إلى إجماع السيارات بشكل تلقائي على توخي المزيد من الحيطة والحذر.

تراقب الفرق المتسابقة سياراتهم وهي تتنافس وهم يعيشون حالة من التوتر، لكن شعورهم لا يُقارن بأولئك الذين يراقبون سيارات السباق ذاتية القيادة.

في النهاية، فاز فريق جامعة ميونخ التقنية في هذه المواجهة الافتتاحية، حيث نجحت سيارته في المرور عبر المنعطف الحاد في اللفة الأخيرة، في الوقت الذي لم تنجح فيه السيارة القائدة بالقيام بذلك، فكانت خطوة بارعة وبارزة لسيارة لا تحتوي على سائق.


لا تزال الفجوة قائمة بين الإنسان والروبوت حاليًّا، ولكن إذا استمرت هذه الأحداث بالوقوع وواصلت الفرق في فتح آفاق جديدة لقدرات الذكاء الاصطناعي، قد تتّخذ الأمور منحىً مختلفًا وبسرعة كبيرة.

يسعى دوري أبوظبي للسباقات الذاتية للعودة في عام 2025.

مواضيع ذات صلة: الروبوتات المائية