عن المومياوات والفئران وطلبة الطب

توجهت مؤخرًا مجموعة من طلبة الأحياء والكيمياء إلى الحرم الرئيس لجامعة خليفة في أبوظبي بدافع حب الاستطلاع لتلقي درس علمي سيبقى في ذاكرتهم مدى الحياة.

الصورة: موقع عام المجتمع في الإمارات

 

أمضى الطلبة رحلة ميدانية لا تُنسى على مدار يومين حافلين بلقاء طلبة الطب ومشاهدة كيف يمكن لتسلسل الجينوم أن يساعد في تشخيص مومياء عمرها قرون وتعلم كيفية تخدير فأر.

استقبلت هبة سمير العطار، المنسق الأكاديمي لكلية الطب والعلوم الصحية، وأعضاء فريق التوعية العامة بجامعة خليفة حافلة طلبة “مدرسة الراحة الدولية“، حيث نظموا لهم تجارب ميدانية ومراسم ترحيبية وزودوهم بمعاطف المختبرات.

وقالت خولة الأسدي، متخصصة لدى فريق التوعية، في مقابلة مع مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا: “يتمثل هدفنا الأساسي من هذه البرامج التوعوية في تسهيل الوصول إلى التعليم العالي في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وجعله واقعًا ملموسًا. نهدف من خلال إطلاع طلبة المدارس الثانوية على جزء من تجربة حرم الجامعة أن نطرح عليهم شيئًا جديدًا ونعرض لهم الفرص المذهلة والبيئة الديناميكية التي تنتظرهم في جامعة كجامعتنا”.


وقد زار طلبة “مدرسة الراحة الدولية” بعد ذلك “مركز جامعة خليفة للتعلم التجريبي والمحاكاة السريرية”، والذي يوفر لطلبة جامعة خليفة عمليات محاكاة تشبه الحياة وتكنولوجيا تصوير متطورة لخوض تجربة تعلم غامرة.

وقاد أحمد كلام محمد وفريقه طلبة المدرسة الثانوية في عرض يوضح كيفية إجراء الإنعاش القلبي الرئوي، كما أتيحت لهم تجربة أجهزة الإشارات الحيوية والمشاركة في ورشة لاكتساب المهارات السريرية.

وقال علي زهير، الطالب في الصف الثاني عشر، والذي يطمح أن يعمل جراحًا تجميليًا: “خضت تجربة المرافق التي أخطط للدراسة بها”.

كان الجزء المتبقي من أول أيام الزيارة أشبه بحلم لأطباء المستقبل المُنتَظَرين، حيث أجروا مع فريق من كلية الطب والعلوم الصحية دراسة حالة واقعية وأمضوا الساعة الأخيرة من اليوم مع طالبين من الكلية، وهما ليث رأفت وكارل كساب، لاكتشاف الحياة العملية داخل المختبر. وطرح الطلبة المنتظر تخرجهم قريبًا من “مدرسة الراحة الدولية” أسئلة على ليث وكارل وتلقوا منهما نصيحة قيمة: استغلوا الفرص ونظموا أوقاتكم جيدًا وانخرطوا في البحث فور تخرجكم مباشرةً.

وقاد مشرفا المختبرات في جامعة خليفة، تراست نيريندا وتشينغيتاناي سامسونز وعضو الهيئة الأكاديمية في جامعة خليفة، أوكوبي إيكبو، طلبة المدرسة الثانوية في جولة بين مختبرات التشريح وعلم الأنسجة في الجامعة. وقالت فرح البلوشي، الطالبة في الصف الثاني عشر: “كان شيئًا غير تقليدي لنا كطلبة في المرحلة الثانوية أن ندخل مختبرًا متطورًا كهذا”.
وحان بعد ذلك دور زيارة “متحف الجسد” في جامعة خليفة، والذي افتُتِحَ عام 2023 كمعرض دائم لأجزاء تشريحية من الجسم البشري تمثل كلًا من التشريح الموضعي والتشريح المُعتَمِد على الأجهزة في البالغين الأصحاء والمرضى. يفتح المتحف أبوابه أمام الجمهور العام وكثيرًا ما يستضيف جولات مدرسية.



وقد شاهد طلبة “مدرسة الراحة الدولية” بين جدران المتحف عينات تشريحية توضح حالة الدماغ بعد تعرضه لسكتة وما يمكن أن تخبرنا به الأعضاء الداخلية للإنسان عن نمط ومستوى معيشته واتساع الجهاز العصبي البشري السليم المُستَخرَج بالكامل وغيرها من المعلومات.

وتحدثت سيوفان أوسيليفان، من قسم العلوم البيولوجية، عن رحلتها المهنية والمومياء المصرية التي درستها قبل التخرج لتحديد سبب وفاة المومياء. وللعلم، كان السبب هو التليف الكيسي. وقد استخدمت سيوفان الحامض النووي الوراثي المُستَخرَج من أظافر قدمي المومياء، بينما ظلت المومياء داخل وعاء على طاولة سيوفان لفترة من الوقت. وبغض النظر فيما إذا كان ذلك مقززًا أو رائعًا، فإننا نقضي أوقاتًا رائعة مع الطلبة الزائرين.

وبالإضافة إلى كل ذلك، كان هناك المزيد من الأشياء “الرائعة” بانتظار الطلبة، حيث تحدثوا عن دور المهندس الطبي الحيوي، مع الدكتورة آنا-ماريا بابا، عضو الهيئة الأكاديمية وشاهدوا عرضًا للتكنولوجيا الطبية قدمه راتب قطمة وناقشوا تكنولوجيات الأجهزة القابلة للارتداء كمستشعرات القدمين والقلب والملابس التي ترصد أنماط النوم وتكنولوجيا اختبار الإجهاد المُستَخدَمَة حاليًا.

وأمضى طلبة “مدرسة الراحة الدولية” في الجزء الأخير من رحلتهم في جامعة خليفة وقتًا أطول داخل المختبر مع حمدان حمدان، حيث ناقشوا معه الحالات العصبية كاضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط والتوحد والزهايمر، ثم شاهدوا فيديو عن جراحة أُجرِيَت لفأر وكيفية تخديره وسبب استخدام الفئران أكثر من أي حيوانات أخرى داخل المختبرات (للعلم، استخدام الفئران أرخص ويتيح لنا زيادة حجم الاختبار).


تأمل جامعة خليفة أن تتبادل هذه التجارب في القريب العاجل مع “مدرسة الراحة الدولية- مجمع مدينة خليفة”- الصف الحادي عشر وأن تواصل فتح أبوابها للمؤسسات الأكاديمية الأخرى.


وقالت مرغريتا لوزينزفا، مدرسة كيمياء للمرحلة الثانوية في “مدرسة الراحة الدولية- مجمع مدينة خليفة”: “كانت زيارة طلبة القسم العلمي في السنة الثانية من “برنامج الدبلوم” لدينا إلى جامعة خليفة بمثابة تجربة مُلهمة وثرية ذهنيًا، حيث تلقى الطلبة قدرًا كبيرًا من المعلومات، بدءًا من اكتشاف “متحف الجسد” وكيفية عمل الأجزاء المختلفة من الجسم وكيفية إجراء الاختبارات الجينية للمومياوات المصرية القديمة ومرورًا بفهم كيف يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في تقديم علاج طبي حسب الاحتياجات الشخصية وانتهاءً بمشاهدة كيفية تشخيص التصلب المتعدد وعلاجه ومعلومات مدهشة أخرى عديدة”.

وأضافت: “انخرط الطلبة بشكل نشط في مناقشات مفيدة، وتدربوا على الإنعاش القلبي الرئوي للمرضى في ظروف محاكية للواقع وشاركوا في جلسات أسئلة وأجوبة مع طلبة كلية الطب الذين تفضلوا بتزويدهم بمعلوماتهم الطبية.

نشعر بعميق الامتنان لما لمسناه من دفئ وتوجيه وحرفية، وبصفة خاصة هبة التي لم تدخر وسعًا في إثراء تجربتنا وخولة التي رافقتنا ودعمتنا على مدار اليومين.

ستبقى هذه الزيارة بالفعل في ذاكرة طلابنا بسبب عمق التجربة التعليمية التي وفرتها لهم ونود أن نتقدم بخالص الشكر لكل من ساهم في إنجاحها”.


أعربت هبة عن سعادتها الكبيرة بتنظيم واستضافة الزيارة، مؤكدة أن نجاح الفعالية والتفاعل اللافت من الطلبة وفريق جامعة خليفة كانا مصدر فخر وبهجة لها. وقالت: “أثمرت الجهود المبذولة ومشاهدة الحماس والتفاعل من الجميع نتائج جديرة بالاهتمام استحقّت كل العناء المبذول فيها. أعبر عن امتناني لروح العمل الجماعي والدعم الذي أسهم في نجاح هذا اليوم، وأتطلع إلى تنظيم المزيد من الفعاليات المشابهة مستقبلًا، واستقبال الطلبة من مختلف مدارس أبوظبي.”

Mمواضيع ذات صلة: كلُّ إنجاز مهم ولو كان بسيطًا

المقاييس الحيوية بحلة جديدة: كلنا آذان صاغية

يقترح الباحثون طريقة يُمكن الاعتماد عليها في تحديد الهوية تضاهي في نتائجها بصمات الأصابع.

لا يُعد استخدام الأذنين للتعرف على البشر أمرًا جديدًا، إلّا أن برامج الجرائم المفضلة لدينا لا تزال تعتمد على الأساليب القديمة – مثل رفع بصمات الأصابع أو جمع الحمض النووي – للقبض على المشتبه به، إذ من المرجح أن يلمس المجرمون أدوات مسرح الجريمة بأيديهم أكثر من قيامهم بفرك أذانهم.

ومع ذلك، فقد استُخدمت في محاكمة جريمة قتل عام 1997 بعد أن حصل التحقيق على بصمة الأذن من النافذة التي دخل القاتل من خلالها. وكانت الإدانة اللاحقة هي الأولى التي تستخدم بصمات الأذن كمحدد للهوية. إلّا أن الحكم أُلغي في عام 2004 عند الاستئناف، لأن الحمض النووي المأخوذ من بصمة الأذن أشار إلى مشتبه به مختلف. وكان رأي الخبير الذي تمت الاستعانة به في المحاكمة، هو الذي عزز حكم الإدانة.

على الرغم من أن بصمة الأذن في هذه الحالة لم تثبت فعاليتها، إلّا أن الدراسات الحديثة أظهرت بأنّه يمكن الاعتماد على الأذنين كأداة موثوقة لتحديد الهوية مثل بصمات الأصابع


طوّر فريق من الباحثين من جامعة جورجيا في عام 2022 برنامجًا يمسح الأذنين، وكان الهدف منه خدمة العالم بعد كوفيد-19، حيث يرتدي الناس الكمامات – التي تحول دون التعرف على أصواتهم- على الصوت – ليكونوا أكثر إدراكاً لما يلمسونه.

لم تعد الكمامات تُسبب مشكلة كما في السابق، ولكن لاتزال هناك حالات أمنية أخرى يمكن أن يكون تحديد بصمة الأذن فيها مفيدًا.

تتشكل الأذنين بشكل كامل وتتطور عند الولادة، ولا تتغير بمرور الوقت، باستثناء التغيرات المرتبطة بالعمر. حيث تُعتبر كل أذن فريدة من نوعها، حتى أذني الشخص الواحد، مما يجعلها مصدرًا موثوقًا لتحديد الهوية – حتى من مسافة بعيدة.

وعلى الرغم من عدم إمكانية الوصول إلى بصمات الأصابع أو الحمض النووي لشخص ما من خلال صورة، إلّا أن صورة أذنك يمكنها أن تخبرنا من أنت، وعن طريق عدد من الجرائم المسجلة بالفيديو، يمكن أن تساعد المقاييس الحيوية للأذن في تحديد الجناة.

حدث تطور أحدث فيما يتعلق بتحديد الهوية عن طريق الأذن، عندما اعتمد فريق من علماء الطب الشرعي وعلماء الأسنان من جميع أنحاء العالم على دراسة أجراها روبرتو كاميرير عام 2011 والتي قاست المناطق التشريحية الأربع للأذن وجمعت تلك القياسات لإنتاج رمز فريد من نوعه يختلف من شخص لآخر

حيث استعانوا بمجموعة عينات أكبر وقسموها إلى مجموعات عرقية متعددة لتوسيع نطاق العمل وضمان مستوى أعلى من الدقة، فوجدوا أنه عندما أضافوا الرموز الخاصة بأذني كل شخص معًا، لم يكن هناك أي تكرار للرموز. وهذا يعني 814 محددًا فريدًا للهوية بالأذن. وخلص الفريق إلى أن “احتمالية وجود شخصين مختلفين لهما نفس الرمز (تعريف إيجابي كاذب) أقل من 0.07 بالمائة”.

لذا، إذا كنت تخطط للقيام بفعل إجرامي، تأكد من ارتداء أغطية الأذن. سوف يحمونك من البرد ومن أن يُقبض عليك أيضًا.


يقترح فريق من الباحثين من جامعة خليفة أنه يمكن التغلب على العوامل التي قد تمنع التعرف الدقيق لبصمة الأذن في الصور ثنائية وثلاثية الأبعاد – مثل الوضعية والضوء والقياس – من خلال الجمع بين هذه العناصر للتحقق من صحة النتائج .

“على حد علمنا، تُعتبر هذه هي المرة الأولى التي تُدمج فيها سمات الأذن ثنائية الأبعاد وثلاثية الأبعاد لبناء كاشف وواصف لمطابقة زوج من الأذنين ثلاثية الأبعاد، حيث أدى الجمع بين ميزات المجالين ثنائي وثلاثي الأبعاد، إلى زيادة كفاءة التعرف بشكل كبير.

يرى الفريق بأنه يمكن لكل من كشف النقاط الرئيسة والواصف، المبنيين من السمات الزاوية للأذنين ثنائية الأبعاد وتراكيب الأذن ثلاثية الأبعاد، أن يساعدا على تحديد الأذن بشكل أكثر دقة، حيث يعزز كلا التركيب والشكل معًا صحة النتائج.

من جهته يقول إياكوتي إيابّان غاناباثيا، المؤلف الرئيسي للدراسة وزميل ما بعد الدكتوراه في قسم الهندسة الكهربائية وعلوم الكمبيوتر في جامعة خليفة: “يبلغ هذا النهج الشامل ذروته في تحقيق أحدث النتائج مع ضمان الفاعلية للإضاءة وتغييرات الوضعية في الوقت نفسه”.

ومع ذلك، فهو متفائل بتحقيق تقدم في هذا المجال.

“بالنظر إلى المستقبل، من المتوقع أن يزيد اهتمام الباحثين بالمقاييس الحيوية للأذن كوسيلة فعالة للتعرف على الإنسان، لاسيما مع توفر المزيد من البيانات المتعلقة بالأذن، كما يضيف قائلًا: “يحمل هذا الطريق الناشئ أملًا كبيرًا لمستقبل تحديد الهوية البيومترية.”

النباتات الرقمية

يسعى الباحثون إلى دمج الإلكترونيات في النباتات عبر تزويدها بمستشعرات أو إدخال مكونات إلكترونية في أجزائها

توجد ظاهرة بشرية نفسية تُعرف باسم “العَمَى تجاه النبات“، وتُستَخدَم لوصف شعور بعض الأفراد في تجاهل النباتات واعتبارها خلفيات غير هامة. وتعَد هذه الظاهرة سمة تطورية مفيدة حالت دون إرباك العقل بالحجم الكبير من المسطحات الخضراء المحيطة بنا. ولكن، يتعين التغلب على إهمال النباتات في ظل توجهنا إلى الاعتماد على العالم الطبيعي لإيجاد حلول لمشاكلنا المعاصرة.

تقول آنا ماري بابا، الباحثة في جامعة خليفة أنه توجد حاجة مُلِحَّة إلى مجموعة التدابير التي تهدف إلى تحسين إنتاجية النبات ومحتواها الغذائي، كما يوجد احتياج آخر إلى فهم جوهري لتطور النبات وطريقة تأقلمه مع الضغوط البيئية:

وقالت آنا- ماريا: “تتضرر النباتات على نحو متزايد مع التغيرات المناخية التي يتسبب بها البشر”. وقد يقدم النوع التقليدي من البحوث في علوم النباتات حلولًا لهذه المشاكل لكن قد تؤثر سلبيًا على النباتات، وبالتالي قد تسبب اضطرابًا في طريقة اتصال خلايا النبات ببعضها البعض.

يعمل تركيب النبات كنموذج طبيعي، حيث تقوم فيه آلية التجاوب البيوكيميائي بدور المحفز لعملية البلمرة”. وأضافت: “النباتات آلات متجددة كبيرة الحجم وعالية الأداء تمثل مصدرًا غير مستَغَل لإنتاج المواد والإلكترونيات وتكنولوجيا الطاقة المتقدمة

– إليــنـا ستـافرينـيدو

فما هو الحل المحتمل الذي تقدمه آنا- ماريا؟ تقول آنا- ماريا: “يمكن استشعار النبات في الزمن الفعلي دون ترك أي أضرار بوضع مستشعرات إما على سطح النبات أو بداخله. ويتيح كل دمج النباتات مع المواد الإلكترونية إمكانية المزج بين الإشارات الكهربائية والعمليات الكيميائية التي تقوم بها النباتات”.

وتُطلِق آنا- ماريا على هذه الفكرة التكنولوجية المستقبلية اسم “النباتات الإلكترونية”، كما تستخدم في بحثها بوليمرات مقترنة مع بعضها، وهي نوع من أشباه الموصلات العضوية، لتطوير أجهزة إلكترونية تهدف إلى تعزيز الربط بين الحيوي وغير الحيوي.

تشير البحوث الحديثة إلى استخدام مواد إلكترونية عضوية في الاستشعار الأيوني البيولوجي والمضخات الأيونية ومحولات إشارات النشاط العصبي في البشر

تتكامل هذه المواد بشكل أكثر سلاسة مع الأنظمة البيولوجية المعقدة وتتيح تحويل الإشارات في الأنشطة البيولوجية على نحو أكثر كفاءة. وفي حالة النباتات الإلكترونية، يمكن أن تكون هذه المواد “قابلة للارتداء”، وبالتالي وضعها على أسطح أوراق وسيقان النباتات أو زرعها على سبيل المثال.

وتُعَد البوليمرات المتراصة موصلات مختلطة. وتستخدم الأنظمة الإلكترونية المحيطة بنا في حياتنا اليومية الإلكترونات باعتبارها الناقل الرئيس للشحنات، بينما تستخدم الأنظمة البيولوجية الأيونات.

ويمكن للبوليمرات المتراصة استخدام كلٍ منهما، ما يجعلها مثالية للربط المباشر مع الأنظمة البيولوجية. وتقول آنا- ماريا أن دمج البوليمرات المرنة بدلًا من المعادن الفلزية في الهياكل البيولوجية الرقيقة يتسم بالسهولة وتعددية الاستعمالات، وهما ميزتان واضحتان إلى جانب باقي المزايا الأخرى مقارنة بالأنظمة الإلكترونية التقليدية.

وتوضح آنا- ماريا بقولها: “تتيح الإلكترونيات الحيوية المدمجة في النباتات، كما يحدث في أجهزة الإلكترونيات الحيوية التقليدية، إجراء اتصالات ثنائية الاتجاه من خلال مستشعرات يمكنها ترجمة الإشارات الحيوية الصادرة من النباتات إلى أجهزة قارئة ومُشغِّلات إلكترونية قادرة على تعديل وظائفها البيولوجية”

وأضافت: “يساعد الدمج بين النواقل الأيونية والإلكترونية في تحويل الإشارات، ليس بغرض الاستشعار فقط، وإنما أيضًا لتحويل الإشارات الإلكترونية إلى مواد كيميائية محدَّدَة. ويمكن أن يكون هذا التحويل تدبيرًا رئيسًا لتحسين الزراعة المستدامة، والتي تُعَد بدورها الركن الأساسي للثورة الزراعية متسارعة النمو التي نشهدها الآن”.

طاقة الزهور

يركز البحث الذي تُجريه آنا- ماريا على تطوير مواد المحاليل الهلامية المائية من تلك البوليمرات التي يمكنها مضاعفة بَذر النبات والنمو في بيئات غير مواتية، إلا أن هذا ليس هو الطريق الوحيد المتاح أمام تكنولوجيا النباتات الإلكترونية.

وفي هذا الإطار، قام فريق من الباحثين في جامعة لينكوبينغ السويدية بالتركيز على النباتات الزراعة وتطوير جزيء يمكن امتصاصه وبلمرته داخل النبات لإنشاء خيوط طويلة توصل الكهرباء في كافة أجزاء النبات. وعلى غرار صبغ زهرة من خلال حقنها بمحلول يحتوي على مادة غذائية ملونة، حلَّلَ الباحثون جزيئًا يسمى (إي تي إي- إس) إلى محلول تم ضخه عبر الجهاز الدوري في وردة. وقد تمت بلمرة جزيء (إي تي إي- إس) في كافة أجزاء هذه الشبكة، فحولها إلى شبكة إلكترونية.

ولــم يـكــن أعــضــاء الــفــريــق الــبــحــثــي يـحــاولــون اســتــشــعــار أي شــيء عــبــر هــذه الــوردة، وإنــمــا كــانــوا يــريــدون تــحــويــلــهــا إلــى جــهــاز لــتــخــزيــن الــطــاقــة بــكــمــيــات كــبــيــرة، وهــو نــظــام ســريــع الــشــحــن يــســاهــم بــتــخــزيــن الــطــاقــة وقــد يــكــون بــطــاريــات الــمــســتــقــبــل.

وكــتــبــت إلــيــنــا ســتــافــريــنــيــدو، الــبــاحــثــة الــرئــيــســة ضــمــن الــفــريــق الــبــحــثــي، فــي مــجــلــة أبــلايــد فــيــزيــكــال ســايــنــســيــز: “يــعــمــل تــركــيــب الــنــبــات كــنــمــوذج طــبــيــعــي، حــيــث تــقــوم فــيــه آلــيــة الــتــجــاوب الــبــيــوكــيــمــيــائــي بــدور الــمــحــفِّــز لــعــمــلــيــة الــبــلــمــرة”.
وأضــافــت: “الــنــبــاتــات آلــات مــتــجــددة كــبــيــرة الــحــجــم وعــالــيــة الــأداء، تــمــثــل مــصــدرًا غــيــر مــســتَــغَــل لإنتــاج الــمــواد والــإلــكــتــرونــيــات وتــكــنــولــوجــيــا الــطــاقــة الــمــتــقــدمــة”.

يــغــطــي هــذا الــبــحــث أيــضــًا إمــكــانــيــة تــولــيــد الــكــهــربــاء مــن عــمــلــيــة الــبــنــاء الــضــوئــي.

حيث تستخدم النباتات ضوء الشمس أثناء عملية البناء الضوئي لتجزئة ذرات الماء إلى هيدروجين وأكسجين. وتُستَخدَم الإلكترونات الناتجة عن هذا الفصل في دمجها مع الكربون لإنتاج السكر، إلا أن الباحثين في جامعة جورجيا طوروا طريقة لقطع هذا المسار، باحتجاز الإلكترونات قبل أن تتحول إلى جزيئات السكر.

أشرفت راماراجا راماسامي على الفريق البحثي في مجال التحكم في البروتينات الموجودة داخل الأغشية المسؤولة عن احتجاز وتخزين الطاقة من ضوء الشمس أثناء عملية البناء الضوئي والمعروفة باسم التايلاكويدات. وتوضع التايلاكويدات بعد تعديلها في أنابيب نانوية كربونية، والتي تعمل كموصلات كهربية تنقل الإلكترونات من خلايا النبات بمحاذاة الأسلاك.

واكتشف فريق من الباحثين في جامعة كمبردج شيئًا مماثلًا يتيح، من خلال استخدام التنظير الطيفي للامتصاص العابر فائق السرعة (الليزر المتسارع)، رصد أعضاء الفريق الإلكترونات وهي تتحرك طوال عملية البناء الضوئي. واستطاع أعضاء الفريق أن يحددوا ما وصفوه بــ “المسارات التسريبية“: الإلكترونات كانت تتسرب من الخلايا التي تبدأ فيها عملية البناء الضوئي. وقد يعد تجميع هذه الإلكترونات وسيلة لتوليد الطاقة المتجددة من مصدر لإنتاج الطاقة بشكل ذاتي وفي نفس الوقت قادر على احتجاز الكربون، ليكون بذلك مصدرًا فعليًا من الطاقة المستدامة.

الصورة: إنفاتو إليمنتس
كنزٌ في جذع النخلة

بقلم: سوزان كاندي لامبيرت

يشكل النسغ في نخيل التمر عنصرًا هامًا في مجال الأمن الغذائي Read more›››

يُعتبر النسغ المستخرج من نخيل التمور مصدرًا غنيًا بالعناصر الغذائية لدى سكان منطقة شمال إفريقيا لاسيما في الفترة ما قبل صيامهم وبعده.

وفي هذا الإطار، تعاون الدكتور فوزي بنات وفريق من الباحثين من جامعة خليفة مع آخرين من جامعة الإمارات لجلب هذه الفوائد الغذائية للدولة ومناطق أخرى من العالم.

:لكن واجه الباحثون مجموعة من التحديات التي كان لابد من التغلب عليها قبل أن يصل نسغ نخيل التمور إلى رفوف المتاجر، وتتمثل بالتالي:

أولًا، ينتج عن عملية استخراج نسغ النخيل قتل العديد من أشجار النخيل التي تعتبر مهمة من الناحية الثقافية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط.

ثانيًا، يتحول نسغ نخيل التمر إلى كحول بسرعة كبيرة، ما يجعله غير مناسب للأسواق الإسلامية.

وقد تمكّن الفريق من ابتكار حل للمشكلة الثانية، وهو إضافة مادة كيميائية إلى النسغ ليمنعه من التخمّر، فيما يقوم الفريق في الوقت الحالي بإيجاد حلول للمشكلة الأولى.

يسعى الدكتور فوزي إلى ضمان عدم إضرار عملية جمع النسغ بأشجار النخيل، حيث أصبح الباحثون اليوم ملمين بالأوقات المناسبة للقيام بذلك خلال اليوم وعدد المرات اللازمة، كما يقوم الباحثون أيضًا بتحسين عملية جمع النسغ من خلال التعرف على مدى عمق الحفر في جذع النخلة والأجزاء التي يمكن حفرها.

وهنا يكمن السؤال الأهم: كيف يبدو مذاقه؟ يجيب الدكتور فوزي على هذا السؤال بأن مذاقه حلوٌ ولذيذٌ جدًا.
‹‹‹ Read less

واستطاع أعضاء الفريق أن يحددوا ما وصفوه بــ “المسارات التسريبية“: الإلكترونات كانت تتسرب من الخلايا التي تبدأ فيها عملية البناء الضوئي. وقد يعد تجميع هذه الإلكترونات وسيلة لتوليد الطاقة المتجددة من مصدر لإنتاج الطاقة بشكل ذاتي وفي نفس الوقت قادر على احتجاز الكربون، ليكون بذلك مصدرًا فعليًا من الطاقة المستدامة.

وقد تطورت عملية البناء الضوئي بتطور النبات عبر ملايين السنوات، إلا أنها من الممكن دومًا أن تتطور إلى الأفضل.

وصف مايكل سترانو نفسه أنه من الأشخاص المهتمين بتحسين إنتاج النباتات في معهد ماساتشوستس للتقنية. وفي عام 2014، نجح فريقه في إدخال ماكينات نانوية إلى هياكل الكلوروفيل في أحد النباتات. وقبل أن يتحقق هذا الفتح العلمي (الفعلي)، لم تكن ثمَّة وسيلة لاختراق جدار خلايا التركيبات التي تستخدمها النباتات لإجراء عملية البناء الضوئي. وقام أعضاء فريق مايكل بطلاء ماكيناتهم النانوية بجزيئات مشحونة كهربائيَّا، والتي امتصتها هياكل الكلوروفيل.

لم يكن أعضاء الفريق يفعلون ذلك لمجرد التأكد من قدرتهم. تستخدم هياكل الكلوروفيل صبغة الكلوروفيل التي تمتص الضوئين الأزرق والأحمر لتصنع اللون الأخضر للنبات. وإذا أمكن “إعادة توصيل الأسلاك في” هياكل الكلوروفيل لامتصاص نطاق أوسع من الأطوال الموجية للضوء، نظريَّا، يمكن أن ترتفع إنتاجيتها. وقد أنتجت النباتات النانوية الإلكترونية التي طورها فريق مايكل طاقة أعلى بنسبة 30% من ضوء الشمس بالمقارنة مع نظيراتها.

إذا تم الدمج ما بين هذه التكنولوجيا، والتقنيات الأخرى المتخصصة بتطوير النباتات في مجال جمع الإلكترونات، ستتوفر لدينا محطات طاقة فعلية لإنتاج الطاقة يمكن الوصول لتلبية كامل احتياجاتنا من الطاقة.

إطعام العالم

قد يؤدي التفاعل ما بين المناهج النانوية الإلكترونية والنباتات النشطة كهربائيَّا، والتي تُطلِق عليها آنا- ماريا وصف “النباتات المهجنة الحيوية”، إلى ظهور نتائج بالغة الأهمية في الزراعة، حيث يجعل من النباتات أنظمة متطورة تقنيَّا للتصدي للضغوط البيئية والتأقلم معها على نحو يتجاوز قدرتها الطبيعية بشكل يتجاوز قدرتها الطبيعية، إضافة إلى التكامل على نحو أفضل مع النُّظُم البيئية الحضرية المعاصرة.

وقالت آنا- ماريا: “تُعَد البحوث الراهنة في هذا المجال بداية الطريق، على الرغم من التطورات الهائلة في مجالات الأنظمة الإلكترونية الحيوية وعلوم المواد، وبصفة رئيسة لأغراض التطبيقات البشرية”. وقد ركَّزَ البحث السابق الذي أجرته آنا- ماريا على تطوير الأنظمة الإلكترونية الحيوية لغرض التطبيقات المختبرية في مجال تصميم الأدوية والأجهزة التي يُطلَق عليها وصف “رقائق الأغشية” والتي تستخدم الأقطاب الكهربية للبوليمرات الموصلة للكهرباء وأجهزة الترانزيستور للتفاعل مع أغشية الخلايا البشرية.

وأضافت آنا- ماريا: “يمكن الاستفادة من عدد قليل من النباتات، بالنظر إلى التطورات التي تحققت في الأنظمة الإلكترونية الحيوية وعلوم المواد والبيولوجيا التركيبية والأنظمة الذكية، كمؤشرات نموذجية لفهم الأُسُس وتعزيز الكفاءة وربطها بالإنتاجية على نطاق كبير”.

قالت آنا- ماريا: “يمكن أن تشكل التكنولوجيا المدمجة مع النباتات، على الرغم من أنها قد تبدو خيالًا علميًا، مستقبلًا زراعيًا واعدًا، كما قد تشكل أيضًا مستقبل النُّظُم البيئية الحضرية العصرية كبث الضوء وتوليد أو تخزين الطاقة واستشعار النباتات المهجنة الحيوية والاتصال بها”. واختتمت بقولها: “نحتاج إلى الاستفادة من إمكانيات النبات في حال أردنا تحقيق الهدف المتمثل في الأمن الغذائي المستدام بحلول عام 2030”.

إقرأ المزيد حول هذا الموضوع: حيوان برمائي يساعدنا في القضاء على العطش

صعود الزراعة العمودية

كان الوقوف في المنزل الريفي والنظر إلى الحقول الممتدة لمسافات بعيدة هو الوسيلة التقليدية لمشاهدة عملية الزراعة. واليوم بدلًا من النظر إلى المزارع على امتدادها الواسع، أصبحنا ننظر إليها متجهين برؤوسنا إلى الأعلى بفضل الابتكار الزراعي الذي يعزز الاستدامة والأمن الغذائي لصالح البيئة.

ذكر ديكسون ديسبوميير، في كتابه الصادر عام 2010، بعنوان “المزرعة العمودية” أن المزارعين في المزارع الداخلية لن يحتاجوا لانتظار سقوط الأمطار وأشعة الشمس ودرجات الحرارة المعتدلة أو أي شيء آخر يتعلق بإنتاج المحاصيل الغذائية بفضل ما توفره لهم الزراعة العمودية. لقد ظهر مفهوم الزراعة العمودية قبل ذلك كثيرًا، ولكن ديكسون كان أول من نقل المفهوم إلى مرحلة التنفيذ العملي، وكان ذلك في عام 1999.

تحدى ديكسون طلبته خلال فترة عمله كأستاذ للعلوم البيئة في جامعة كولومبيا، قائلًا لهم أنه يستطيع إطعام أعداد هائلة من البشر باستخدام 5 هكتارات من أسطح المباني السكنية. وتطور هذا التحدي على مدار تسع سنوات ليصبح مبنىً واحدًا مكونًا من 30 طابقًا يمكنه تلبية حاجة 50,000 شخص من الغذاء.

يعتبر ذلك البداية الأساسية البسيطة لمخطط بناء منشأة لمزاولة الزراعة العمودية لغرض تجاري. وكان الهدف هو الاستدامة والأمن الغذائي.

وقالت هندة محمودي، أخصائية علم وظائف أعضاء النبات، في المركز الدولي للزراعة الملحية، وهو مركز بحثي غير ربحي في دبي، في مقابلة مع مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا: “تحظى الزراعة العمودية بإمكانيات كبيرة فيما يتعلق بالأمن الغذائي العالمي، لذلك تُعَد حلًا عمليًا لإنتاج محاصيل معينة في ظروف بيئية غير ملائمة. وتمثل الزراعة العمودية نهجًا يتسم بالكفاءة لإنتاج المزيد من الطعام بموارد أقل تأثير بيئي أقل”.

كيف تعمل الزراعة العمودية؟

تُعَد الزراعة العمودية طريقة للزراعة داخل الأماكن المغلقة، حيث تتضمن زراعة صفوف من المحاصيل وتجميعها في مراحل مختلفة من النمو، بحيث يخضع كل شيء تحتاجه هذه المحاصيل للتحكم والرصد.

توجد ثلاثة أنواع من حلول الزراعة العمودية، ويتوقف اختيارك لأي حل من هذه الحلول لتطبيقه داخل مزرعتك على إمكانيات مزرعتك وأنواع النباتات التي تنوي زراعتها.

ويتمثل الحل الأول في الزراعة المائية المركبة، وهي نظام تكاملي دوري يجمع ما بين تربية الأسماك وزراعة النباتات، حيث يتم ترشيح مياه الأسماك والاستفادة منها في تغذية النباتات. وتتولى النباتات بدورها أكسدة المياه ثم إعادتها إلى السمك مجددًا. ويمكن لهذا النظام زراعة مئات النباتات.

IMAGE: وكالة الفضاء الأميركية “ناسا”/ وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية/ المعهد الوطني لعلوم الصناعة والتقنية المتقدمة/ النظم الفضائية اليابانية / الفريق العلمي الياباني الأميركي للجهاز المتطور لقياس الانبعاث الحراري والانعكاس الإشعاعي.
تقييم التربة من الفضاء

لا يقتصر دور التكنولوجيا على مساعدة المزارعين في الوصول إلى أماكن مغلقة جديدة صالحة للزراعة، حيث تساهم أيضًا في إيجاد التربة الزراعية المناسبة من الفضاء. Read more›››

قالت الدكتورة ديانا فرنسيس، رئيسة مختبر العلوم البيئية والجيوفيزيائية في جامعة خليفة: “يعد الاستشعار عن بعد أداة فعالة لتقييم خصائص التربة وتحديد مدى ملائمتها للزراعة”.
يمكن للاستشعار عن بعد تقييم عوامل كالحموضة والرطوبة والقوام والملوحة، كما يمكن لأجهزة الاستشعار أن تفحص الإشارات المقترنة بخصوبة التربة. وأضافت الدكتورة ديانا: “يتيح استخدام البيانات الواردة من الأقمار الصناعية إجراء تحليلات آمنة على نطاق واسع للتربة توفر معلومات هامة حول زيادة المحاصيل إلى أقصى حد ممكن”. واختتمت بقولها: “يوفر هذا النهج المستند إلى البيانات توجيهًا عالي الدقة ومقترن بالمواقع”. ‹‹‹ Read less

ولا يُشتَرَط أن تُمارَس الزراعة المائية المركبة في منشأة تجارية ضخمة. وذكرت شركة “سيمبيوتك أكوابونيك” في الولايات المتحدة: “تتوفر الزراعة المائية المركبة للجميع، حيث يتكون شركاؤنا وعملاؤنا من هواة الزراعة والبستانيين وحماة البيئة والمعلمين ومؤسسات تعليمية ومنظمات غير ربحية وكليات”.

ويتمثل الحل التالي في الزراعة الهوائية، حيث تتغذى جذور النباتات عن طريق رذاذ يحتوي على عناصر غذائية تُضَخ عبر محلول. وتبدو النباتات في هذه الحالة كما لو كانت مُعلقة، إلا أن ثَمَّة الكثير من الأشياء التي تجري داخل التربة.

تجري عملية الزراعة في مادة رغوية وبمجرد نمو الجذور إلى أسفل، تشق طريقها خلال شبكة مغطاة أسفل التربة في مكان يسمى “غرفة الضباب”، حيث تجري تغذية الجذور بالرذاذ خلال فترات زمنية متقطعة، كما يتم ضبط جميع الإجراءات لتتمكن النباتات من تلقي الكميات المناسبة من الغذاء لتحقيق النمو المثالي.

ويتمثل الشكل الأكثر انتشارًا ضمن أشكال الزراعة العمودية في الزراعة المائية، حيث تقوم مضخة بتوزيع محلول غني بالعناصر الغذائية داخل جذور النباتات بصفة مستمرة.

تختلف هذه التقنيات ولكنها تشترك في نفس الفكرة الأساسية، إذ تمثل جميعًا مشروعات للتكنولوجيا الزراعية في بيئة خاضعة للتحكم.

شركات ناشئة عديدة

تقدم الشركات الناشئة المتخصصة في التقنية الزراعية حلول الزراعة العمودية تشهد انتشارًا متزايدًا على مستوى العالم، وذلك في ظل تأثر الزراعة عادًة بالمناخ.

وتُعَد شركة “أفيسومو” في النرويج مثالًا لهذه الشركات الناشئة.

وذكرت الشركة أنها تتيح للنباتات البيئات التي تضمن لها النمو المثالي “الخضروات ألذ وأطيب مذاقًا وأكثر ثراءًا بالعناصر الغذائية وبات نموذج الأعمال التجارية الذي تتبناه الشركة أكثر تنافسية من ذي قبل. وتُعَد مصابيح الصمام الثنائي الباعث للضوء عاملًا أساسيَّا في هذا الشأن”.

وتوفر الشركة نظمًا مزودة بالأنظمة الذكية والروبوتات.

يوضع كل نبات في محطات للنمو ويدور حول المنشأة وفقًا لمرحلة النمو التي يمر بها، وكل محطة مزودة بأجهزة تحكم لرصد وتعديل عمليات الري والتغذية وتدفق الهواء، وفقًا لنوع النبات. وتقدم “أفيسومو” وصفات جرى تطويرها بالشراكة مع مزارعين محليين.

وتتيح نظم الشركة أتمتة متسعة النطاق. فعلى سبيل المثال، طورت الشركة روبوتًا أشبه بروبوت “رومبا” من الحجم الكبير ينقل عربات ذات عجلات محملة بالمحاصيل حول المزرعة بمجرد أن يتلقى أمر سحابي.

المزايا

يعتقد البعض أن منشأة مغلقة كهذه تستهلك كميات هائلة من المياه والطاقة، ولكنها على النقيض من ذلك تمامًا، ذلك أن نظم الطاقة والمياه الذكية والأتمتة تتيح تحقيق وفورات في كافة مراحل عملية الزراعة.

يستخدم مجال الزراعة ما يزيد على 70 بالمئة من الموارد المائية العالمية، ولكن في ظل بيئة خاضعة للتحكم، يستخدم استزراع المحاصيل بطريقة الزراعة العمودية كميات من الماء أقل بنسبة 95 بالمئة تقريبًا من الماء المستخدم في الزراعة التقليدية. وتُبخر النباتات حوالي 85 بالمئة من الماء غير المستخدم لغرض التغذية. لذا، توفر هذه البيئات الماء على نحو يتسم بالذكاء، إذ تستخدم أجهزة لإزالة الرطوبة تقوم بتجميع الماء من الهواء ثم إعادة استعماله.

تتسم كافة الحلول الثلاثة بعدم احتياجها للتربة، ما يعني مزيدًا من الخفض في استخدام المياه. ويعني عدم وجود حشرات أو أمراض منقولة عبر التربة أيضًا عدم الاحتياج إلى مبيدات حشرية. وعلاوة على ذلك، لا يوجد تقلب للتربة، ما يعني عدم إطلاق غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو.

تتعدد المزايا الإجمالية للزراعة العمودية. وطبقًا للمركز الأميركي لسلامة الغذاء، فقدت التربة المستصلحة ما يتراوح بين 50 و70 بالمئة من محتواها الكربوني الأصلي وأطلقته للجو في صورة غاز ثاني أكسيد الكربون.

وإضافًة إلى ذلك، تعمل مصابيح الصمام الثنائي الباعث للضوء على توفير الطاقة والتكاليف، ذلك أنها لا تطلق الحرارة كالمصابيح التقليدية، وهو ما يتطلب بدوره طاقة أقل، وبالتبعية، انفاقًا أقل على نظم التبريد. وتمنح هذه المصابيح مزيدًا من الإضاءة بقدرة كهربائية أقل. وثَمَّة ميزة أخرى لهذه المصابيح، وهي قابلية ضوئها للتحكم، على النقيض من ضوء الشمس الذي يمكنه حرق النباتات.

وتوجد أيضًا ميزة إمكانية زراعة المحاصيل بطريقة الزراعة العمودية على مدار العام.

موسم الحصاد طوال السنة

لا توجد مواسم للزراعة في المزارع العمودية المغلقة، ذلك أن المحاصيل لا تخضع لسيطرة التغيرات الجوية والأرض المتجمدة وفصول الربيع الرطبة على نحو مفرط وأحوال التربة أو العواصف العاتية.

تتيح قابلية التنبؤ بالحصاد مميزات تتمثل في جعل عمليات شراء المحاصيل أكثر سهولة وأمانًا وطمأنة المشترين بشأن وصول المحاصيل إليهم قبل انتهاء فترات صلاحياتها، فضلًا عن التعجيل بنمو المحاصيل، ما يعني زيادة إنتاجيتها السنوية.

وتُعَد شركة “إيروفارمس” في الولايات المتحدة واحدة من أكبر شركات الزراعة العمودية على مستوى العالم. وتستخدم أنظمتها طريقة الزراعة الهوائية وتجاوزت عائدات الزراعة التقليدية 390 مرة. وبهذا المعدل، تتزايد احتمالات القدرة على إطعام عدد متزايد من سكان العالم، والذي تتوقع الأمم المتحدة أن يبلغ 9,7 مليار نسمة بحلول عام 2050.

ما هي التحديات؟

توجد تحديات أيضًا بجانب المزايا، حيث تعتمد الزراعة التقليدية على جو يمكن التنبؤ به وتعتمد الزراعة العمودية على التكنولوجيا. ويُعَد نظام الري، على سبيل المثال، عاملًا حاسمًا في تحديد كميات المحصول، ولكن ما الذي يحدث إذا انهار هذا النظام؟

وتتمثل أحد مخاطر التوسع في الزراعة العمودية في مصابيح الصمام الثنائي الباعث للضوء، فعلى الرغم من أنها توفر التكلفة، إلا أنها أغلى كلفة من الشمس التي تسطع مجانًا.

وتحتاج التكنولوجيا أيضًا إلى أن تكون قابلة للتعديل لتسمح بزراعة عدد أكبر من أنواع المحاصيل في هذه البيئة، حيث تتخصص في الوقت الحالي في عدد محدود من المحاصيل.

تشمل تحديات الزراعة العمودية كذلك عدم قدرة التربة على الاحتفاظ بثاني أكسيد الكربون، حيث يساهم الانتقال إلى الزراعة في الأماكن المغلقة في التأثير على امتصاص الكربون لعدم وجود التربة التي تمتص الكربون من خلال النباتات التي تقوم بامتصاصه وتخزينه في التربة؟ يعتبر هذا التحدي مشكلة كبيرة لكنه لن يقف حائلًا دون تطور تكنولوجيا الزراعة العمودية.

توجد أنواع أخرى من النباتات يمكنها أن تحل محل المحاصيل المزروعة، فالأشجار على سبيل المثال، تزيد حجم الكربون المخزن وتلغي الاحتياج لحرث التربة، وهو ما يعني إطلاق ثاني أكسيد الكربون إلى الجو مجددًا.

هل الزراعة العمودية مجدية على نطاق واسع؟

تقول إلكي نيومان، الأستاذة المشاركة في جامعة الإمارات العربية المتحدة ومديرة معهد أبوظبي الدولي للبحوث الافتراضية للأمن الغذائي في المناطق الجافة التابع لـ “أسباير”، أن الزراعة العمودية ركزت في الماضي على استعراض التكنولوجيات الجديدة في الزراعة المتطورة،حيث شكل ذلك خطرًا على المستثمرين وتضررت بعض الشركات من عدم استدامة نموذج الزراعة العمودية السائد آنذاك.

وقالت إلكي: “أكد انتشار المصانع الزراعية على نطاق تجاري واسع، كالزراعة في الحاويات الكبيرة والعربات المقطورة والمخازن، على بداية عصر (التكنولوجيا الزراعية)”. تتميز المصانع الزراعية بارتفاع التكاليف وزيادة متطلبات الطاقة، كما يعتبر بعضها أقل تنوعًا مما هو متوقع، الأمر الذي جعلها تقتصر على إنتاج الخضروات الورقية. ومع الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة، توقفت بعض المصانع الزراعية عن العمل”.

وترى إلكي أن النجاح في الزراعة العمودية سيتحقق عند اتباع منهج متعدد المهام. وقالت: “نحتاج إلى خفض استهلاك الطاقة وتكاليف الاستثمار المقترنة بهذه الأنظمة كي نعزز جدواها”.

لذا، يعمل الفريق من أجل تحقيق هذه الأهداف.

وقالت إلكي في مقابلة مع مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا “تتساوى أهمية المياه والطاقة في دولة الإمارات، فإذا توفرت الطاقة يمكن إنتاج الماء بكميات حسب رغبتك”.

إذن، كيف يمكن تقليل استهلاك المياه؟

يعتبر توفير الطاقة في دولة جافة كدولة الإمارات توفيرًا للماء، حيث تساهم النباتات التي تنمو في درجات الحرارة شديدة الارتفاع في خفض استهلاك الطاقة.

وقالت إلكي: “نسعى إلى معالجة موضوع آخر وهو الجانب المتعلق بالإمدادات الغذائية”.

ويركز أعضاء فريقها البحثي على الزراعة المائية المركبة، إذ يجمعون بين تربية الأسماك وزراعة النباتات.

وأكدت إلكي أن السمك يحتاج الكثير من الغذاء لينمو سريعًا، وقالت: “لا يستخدم السمك غذائه على نحو جيد، شأنه في ذلك شـأن غالبية حيوانات المزارع. وقد يستخدم السمك نحو 10 بالمئة فقط من غذائه، بينما يُطلق الباقي في الماء في شكل روث”.

الصورة فورتشن بيزنس إنسايتس

ويحتاج الماء حينئذٍ إلى تغيير وتنظيف أو إعادة تدوير. لذا، يستخدم أعضاء الفريق النباتات لتنظيف الماء.

يستخدم الماء كمحلول مغذي للنباتات المزروعة بطريقة الزراعة العمودية. وبمجرد استخدام النباتات للماء بالكامل، يعود الماء إلى السمك.

ولكن الأمر أكبر من ذلك.

وقالت إلكي: “يتعين علينا التأكد من جدوى هذه المنظومة اقتصاديًا وأيضًا بيئيًا ومن منظور السلامة الغذائية ومستوى سلامة الغذاء الناتج عن هذه المنظومة إذا كنا نستخدم براز السمك كغذاء للنباتات؟ يمكن أن تعيش العديد من الطفيليات داخل جسم السمك. لذا، نحتاج إلى بذل المزيد من الجهود في هذا الشأن”.

وعلاوة على ذلك، استثمرت دولة الإمارات بشكل كبير في تحقيق الحياد المناخي. ويشمل جزء من هذه الاستراتيجية الإسهام في سياسة دولة الإمارات للاقتصاد الدائري 2021-2023. وتتوافق مبادرات الزراعة العمودية التي تتبناها جامعة الإمارات العربية المتحدة مع هذه الاستراتيجية.

وقالت إلكي: “تحتاج الاستراتيجيات الرامية إلى إدراج أنظمة الزراعة العمودية في سلسلة توريد غذائية دائرية إلى تطوير، لتحقيق الامتثال لاستراتيجية الإمارات للاقتصاد الدائري. ويعد هذا تحديًا كبيرًا في أنظمة الإنتاج بدون تربة، بالنظر إلى الدور الهام الذي تقوم به التربة في الدورات العالمية للعناصر. لا تزال غالبية أنظمة الزراعة العمودية حاليًا معتمدة على المدخلات المستمرة من المخصبات المعدنية التي تترك بصمة كربونية مرتفعة”.

وقالت إلكي: “يقوم المعهد الدولي للبحوث الافتراضية للأمن الغذائي في المناطق الجافة وجامعة الإمارات العربية المتحدة وجامعة خليفة والأطراف المعنية الأخرى بتطوير أنظمة لإنتاج الغذاء لدولة الإمارات متطورة تقنيًا ومتطورة في مجال التكنولوجيا الزراعية وجاهزة للاندماج مع المباني الحضرية ودورات توريد الغذاء وأنماط الحياة العصرية”.

يحظى هذا البحث بدعم من “أسباير”، وهو ذراع إدارة برنامج التكنولوجيا في مجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة في أبوظبي، عبر برنامج معاهد البحوث الافتراضية التي تمولها أسباير.

ويبحث فريق إلكي أيضًا في تطوير موارد زراعية أصلية لدولة الإمارات لإيجاد موارد جديدة للغذاء.

هل هذا كافٍ؟

تتيح المزارع العمودية العديد من النتائج الإيجابية للبيئة وللمستهلك ولميزانية المزارع، ولكنها تتطلب بحاجة إلى توفير أموال ليست بالقليلة كي تبدأ مزرعتك في الإنتاج بكميات كبيرة.

يمكن أن تصل تكاليف تأسيس مزرعة عمودية إلى 10 أضعاف تكاليف تأسيس البيوت البلاستيكية التي تتراوح تكلفتها من 2200 دولار إلى 2600 دولار لكل متر مربع. فبالنظر إلى تكاليف تأسيس شركة ناشئة، يمكن البحث عن عائد طويل الأمد على الاستثمار.

يعتقد البعض أن استخدام التكنولوجيا الذاتية سيخفض تكاليف العمالة، ولكن يتعين وجود خبراء للعناية بهذه المحاصيل. وتتسم هذه النوعية المختلفة من عمالة المزارع بارتفاع رواتبهم بشكل كبير.

تبدو المزارع العمودية أنها ستصبح زراعة المستقبل، بغض النظر عن تلك التكاليف والتحديات.

إقرأ المزيد حول هذا الموضوع: طعام الغد

حقبة جديدة في تتبع مخلفات الفضاء

طوّر باحثون من جامعة خليفة نهجًا جديدًا لتعقّب المخلّفات الفضائية باستخدام مستشعرات على متن الأقمار الصناعية وتقنيات دمج البيانات المتقدمة، بالتزامن مع تزايد خطر وجودها في مدار الأرض.

يتم تعقّب معظم المخلّفات الفضائية بالطريقة التقليدية من الأرض باستخدام الرادار والتلسكوبات، لكن يساهم كل من الطقس والتشوّهات الناتجة عن الغلاف الجوي والقيود المتعلّقة بالرؤية في الحد من كفاءة التتبع الأرضي. في هذا الإطار، يمكن أن تساهم الأقمار الصناعية المجهزة بالمستشعرات المناسبة، بتتبع المخلّفاتَ من الفضاء باستمرار بغضّ النظر عن الظروف الجوية والمتعلّقة بالإضاءة، لكن يكمن التحدي في تعزيز دقة هذه الأنظمة وفعاليتها.

يتطرّق البحث الذي نُشر في “أكتا أسترونوتيكا“، المجلة العلمية الرسمية للأكاديمية الدولية للملاحة الفضائية، إلى هذه القضية من خلال تطوير إطار دمج البيانات الذي يعالج ويجمع القياسات من أقمار صناعية متعددة لتحسين دقة التتبع، كما يمكن استخدام هذا الإطار في العمليات الفضائية المقبلة التي تشمل استكشاف الكواكب والسياحة الفضائية وخدمات الإنترنت التي تعتمد على الأقمار الصناعية، إضافةً إلى مهمته الرئيسة المتمثّلة في تتبع المخلّفات الفضائية.

المزيد من التفاصيل: تنظيف فضائنا