غزاة الفضاء

كان الفضاء يومًا ما مجالًا مرتبطًا إلى حد كبير بالإجراءات الحكومية، فكانت الدول ذات السيادة وحدها المسؤولة عن إرسال المسابر والأقمار الصناعية والبعثات المأهولة إلى مدار الأرض والقمر وما وراءهما، وكانت التكنولوجيا منفصلة على نحو مماثل: فقد كانت الأنظمة الأرضية والفضائية معزولة عن بعضها البعض، الأمر الذي أدى إلى خلق نوع من”الأمن الذي يكتنفه الغموض”.

ولكن في السنوات الأخيرة، انطلق القطاع الخاص إلى الفضاء، فقدم للأرض خدمات الأقمار الصناعية للاتصالات السلكية واللاسلكية والتي من المتوقع أن تصبح سوقًا تبلع قيمته 1.4 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2030. تتحد هذه الأنظمة الموجودة في الفضاء مع الأنظمة الموجودة على الأرض، ويستمر هذا القطاع في النمو، فقد يتمكن مستخدمو الهواتف المحمولة في المستقبل من الاستفادة من الأقمار الصناعية لإرسال الرسائل بسلاسة عند فقد الاتصال الأرضي، ويعد “ستارلينك” الخاص بإيلون ماسك مثالًا حيًا على ذلك.

يشير المنتدى الاقتصادي العالمي أيضًا إلى أن الأنظمة الحديثة تنشئ واجهات عبر “حدود الثقة التقليدية”، مثل الشركاء والعملاء. كما أن الأنظمة الأكثر تعقيدًا تُعرف بأسطح هجوم تمتلك قابلية أكبر للاستغلال.

مع هذا النمو والترابط بين شبكات الأرض والفضاء وسط قطاعات أخرى كالجيش والطيران وخدمات الطوارئ والمرافق العامة، تأتي المخاطر من أولئك الذين قد يستخدمون تلك الاتصالات للسرقة أو الابتزاز أو زرع الفوضى أو شن الحرب.

أمثلة من الواقع

على سبيل المثال، استهدفت سلسلة من الهجمات الإلكترونية في عام 2022 ثلاث مزارع لتوليد الطاقة بالرياح تديرها شركات ألمانية، حيث صرحت عصابة برامج الفدية الداعمة للحكومة الروسية أنها مسؤولة عن إحدى تلك الهجمات.

ويرى كريستوف زيف، المتحدث باسم “ويند يوروب” وهي مجموعة صناعية تتخذ من بروكسل مقرًا لها، أن هناك علاقة بين تلك الهجمات والغزو الروسي لأوكرانيا.

يقول ماتياس براندت، مدير شركة “دويتشه ويند تكنيك” التي تقوم بصيانة توربينات الرياح وكانت واحدة من الشركات التي اختُرِقت، في حديثه مع صحيفة “وول ستريت جورنال”، أن قطاع الطاقة المتجددة سيصبح هدفًا أكثر جاذبية، ويقول في هذا الصدد: “نحن بحاجة إلى معايير عالية لأمن تكنولوجيا المعلومات”.

وفي وقت سابق من العام نفسه الذي بدأ فيه الصراع، استهدف هجوم آخر مرتبط بالاعتداءات في المنطقة أجهزة مودم الأقمار الصناعية، مما أدى إلى انقطاع خدمة الإنترنت لعشرات الآلاف من المستخدمين في أوكرانيا وأجزاء أخرى من أوروبا.

ووصف المسؤول السيبراني الأوكراني فيكتور زورا الاختراق بأنه “خسارة فادحة في الاتصالات مع بداية الحرب”، كما ذكرت شبكة “سي إن إن”.

وردًا على ذلك، شحنت شركة “سبيس أكس” التي أنشأت شبكة “ستارلينك” المكونة من 3335 قمرًا صناعيًا نشطًا شاحنات محملة بمحطات “ستارلينك” إلى أوكرانيا في أبريل 2022، مما مكّن المستشفيات والبنوك والأسر من الوصول إلى الإنترنت، كما استخدم الجيش الشبكة مما دفع “ستارلينك” إلى الحد من استخدام أوكرانيا للأقمار الصناعية للطائرات بدون طيار العدائية.

نشرت صحيفة واشنطن بوست بحلول أبريل 2023، تقارير عن معلومات استخباراتية أمريكية سرية خلصت إلى أن روسيا كانت أكثر تقدمًا في خططها لاستهداف شبكة “ستارلينك” مما كان يُعتقد سابقًا.

بالإضافة إلى ذلك: تقول كريستينا بوبر، دكتورة علوم الكمبيوتر في جامعة نيويورك-أبوظبي والتي تركز على أمن المعلومات والاتصالات: “لقد ارتبط استخدام “ستارلينك” في أوكرانيا بحقيقة أن عمليات إرسال الوصلات الصاعدة لمستخدمي ستارلينك أصبحت مؤشرًا على الغارات الجوية”.

ويبدو أن الفضاء قد أصبح لاعبًا مؤثرًا على صراعات الأرض، حيث يمكن أن تكون الهجمات السيبرانية في هذا الصراع نذيرًا للعديد من الهجمات المشابهة في المستقبل.

وحتى الدول غير المشاركة في الحرب تملك سببًا للقلق من الهجمات السيبرانية في الفضاء، كما تقول بوبر لمجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا. “يمكن أن يكون لها آثار بعيدة المدى، كأن تؤثر على جوانب مختلفة من حياة الناس اليومية بدءًا من الاتصالات والملاحة وصولًا إلى خصوصية الأفراد والسلامة والاستقرار الاقتصادي والأمن القومي”.

3 أنواع من الهجمات

يمكن للحكومات أو العناصر المتمردة استهداف أنظمة الأقمار الصناعية بعدة طرق.

يمكنهم استهداف الخدمات وليس الأقمار الصناعية نفسها عن طريق قرصنة وانتحال نظام تحديد المواقع العالمي، كما رأينا في الصراع الأوكراني، مما يحرم الملايين من الوصول إلى الخدمات الأساسية.

يمكنهم أيضًا استخدام الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية لاستهداف الأقمار الصناعية في المدار.

يمكنهم أيضًا استخدام الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية لاستهداف الأقمار الصناعية في المدار.
وفي هذا الصدد، قالت جوليانا سوس، محللة أبحاث ورئيسة سياسات أمن الفضاء في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، وهو مركز أبحاث في مجال الدفاع والأمن يقع مقره الرئيس في لندن لمجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا:
تتراوح عواقب هجوم الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية من مؤقتة وقابلة للعكس إلى دائمة وغير قابلة للعكس.

كما أن العواقب المحتملة عديدة، فيجب أخذ حقيقة أن النظام الفضائي يتكون من ثلاثة عناصر أساسية – القمر الصناعي في الفضاء والمحطة الأرضية على الأرض والروابط بينهما، في عين الاعتبار، فمن المحتمل أن يكون كل واحد منها عرضة للهجوم

تضيف سوس: “قد يسيطر الخصم على سبيل المثال، (بشكل دائم أو مؤقت) على قمر صناعي من خلال القرصنة وقد يقوم أيضًا بتعطيل (تشويش) أو تزييف الإشارة التي يبعثها القمر الصناعي بشكل مؤقت. قد يكون الإجراء الفضائي المضاد أيضًا هو منع القمر الصناعي من جمع المعلومات – على سبيل المثال عن طريق إعاقة رؤية أجهزة الاستشعار الموجودة على متن القمر الصناعي لمراقبة الأرض.

تعرضت الصين والهند وروسيا لانتقادات بسبب اختبارها أسلحة مضادة للأقمار الصناعية مدمرة على أقمارها الصناعية، فتكتيكات كهذه تُعتبر باهظة الثمن ولا تضمن النجاح، كما يمكن أن تزيد من مشكلة المخلفات الفضائية المتنامية.

وقد وافقت الأمم المتحدة على قرار غير ملزم يدعو إلى وقف اختبار نوع واحد من هذه الأسلحة، وهو الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية التي تولد المخلفات والتي تعمل على الصعود المباشر. وأشار إلى القضايا البيئية والرغبة في منع سباق التسلح في الفضاء، وبحلول شهر أبريل من عام 2023، تعهدت 13 دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة واليابان وألمانيا بحظر الاختبارات.

“الفضاء معقد”، كما يقول باحثون من جامعة أكسفورد في بحث نُشر في المجلة الأكاديمية لجمعية مهندسي الكمبيوتر والإلكترونيات . “إن برنامج الإطلاق وحده لا يضمن الموارد والدقة المطلوبة لتشغيل الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية على أكمل وجه.”

ثم هناك الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية السيبرانية.

ويقول باحثو أكسفورد أن هذه الأسلحة “تهدد أسس الاستقرار طويل الأمد للفضاء بسبب سهولة الوصول إليها وصعوبة تحميل المسؤولية عند حدوث خطأ يتعلق بها وانخفاض مخاطر الأضرار الجانبية”.

بمعنى آخر: إنها سهلة الاستخدام ومن الصعب تحديد الجاني عندما يتعلق الأمر بها ولربما لن تلحق الضرر بالأقمار الصناعية القريبة.

ويقول الباحثون أنه يمكن للأطراف المتحاربة تغيير توقعات اصطدام الحطام لإحداث ضرر مباشر للأنظمة الفضائية بدون إطلاق صاروخ.
“إن الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية السيبرانية ليست مجرد تهديد نظري بعيد، ولكنها خطر حقيقي على توازن القوى في الفضاء.”

محاور التهديد المتعددة

ومع كل ما سبق، فإنه من الممكن أن تكون التهديدات مختلطة، كما تحذر بوبر من جامعة نيويورك. وقالت في حديثها مع مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا: “في الواقع، غالبًا ما تُجمع نواقل التهديد المتعددة. تُعتبر القرصنة والانتحال جزءًا من الأسلحة السيبرانية المضادة للأقمار الصناعية، ونظرًا لأننا نتعامل مع بنى تحتية كاملة، في حين أن الإشارات المزيفة للأقمار الصناعية (نظام تحديد المواقع العالمي أو غيره) تحدث عادةً أثناء الاتصال، فإن القرصنة تستهدف الأقمار الصناعية وبرامج تشغيلها، كما تشمل الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية السيبرانية أيضًا هجمات (كاستغلال نقاط الضعف على سبيل المثال) على أنظمة التحكم الأرضية.”

وتضيف: “يمكن أن تؤدي الهجمات الناجحة إلى تعطيل الاتصالات عبر الأقمار الصناعية وأنظمة التحكم والتلاعب بالبيانات وحتى تعطيل الأقمار الصناعية، مما قد يؤدي إلى فقدان السيطرة والانتقاص من كفاءة البعثات وأعطال كبيرة في مختلف القطاعات التي تعتمد على خدمات الأقمار الصناعية.”

دفاع جيد

ما الذي تفعله الحكومات والشركات بشأن هذا التهديد إذن؟

تقول خبيرة أمن الفضاء سوس: “هناك عدد قليل من الدفاعات التي يمكنها حماية الأقمار الصناعية – بدءًا من الأقمار الصناعية الحارسة (حاليًا في مرحلة التخطيط) التي يمكن أن تصاحب الأصول الحساسة، وصولًا إلى تدابير أبسط كالدفاعات السيبرانية ضد القرصنة”.

وفي الوقت الحالي، تشير بوبر إلى ثلاثة مسارات مثيرة للاهتمام:

تطوير ونشر أنظمة فضائية آمنة: تقول بوبر: “من المهم إدراك أن أمن الفضاء يمثل مشكلة حقيقية، وبالتالي دعم تطوير ونشر البنية التحتية الفضائية الآمنة وقنوات الاتصال الآمنة وسلامة البرامج الثابتة والبرمجيات الخاصة بالأقمار الصناعية، وتعزيز أنظمة الأقمار الصناعية، حيث ما تزال العديد من الأسئلة البحثية مفتوحة في هذا المجال”.

التعاون وتبادل المعلومات: “مشاركة المعلومات المتعلقة بالتهديدات وأفضل الممارسات والدروس المستفادة من الحوادث السيبرانية السابقة لتعزيز الأمن العام لأنظمة الأقمار الصناعية.”

التعاون الدولي واللوائح التنظيمية: “ينبغي للحكومات أن تتعاون على المستوى الدولي لوضع معايير ولوائح مشتركة للأمن السيبراني لأنظمة الفضاء، وتعزيز الممارسات الأمنية المستمرة وتمكين الاستجابة المنسقة للتهديدات السيبرانية. وأنا أدرك أن هذا قد يكون طلبًا صعبًا يتجاوز الحدود الوطنية، إلّا أن قطاع الفضاء بشكل عام يمتلك تاريخًا عريقًا في التعاون متعدد الجنسيات.

كما يرى معالي الدكتور محمد الكويتي، رئيس الأمن السيبراني لحكومة دولة الإمارات أنه من الضروري أن تعمل الحكومات مع الشركات والجهات المعنية الأخرى، وقال في حديثه مع مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا: “يُعتبر الأمن السيبراني عملًا جماعيًا، وعلينا إشراك الجميع بما في ذلك الهيئات الحكومية والشركاء الصناعيين والأوساط الأكاديمية والمجتمع على المستويين الوطني والدولي”.

نشأة النظام الشمسي

حدثت قفزة كبيرة في العقود القليلة الماضية فيما يتعلق بفهمنا لكيفية تشكل نظامنا الشمسي وكيف وصلت الكواكب إلى المواقع التي نراها اليوم.

تكشف النظرة العامة لنظامنا الشمسي عن عدد من الخصائص المميزة التي تثير اهتمام العلماء، حيث تهيمن الكواكب “الصخرية” الصغيرة بما في ذلك الأرض على الجزء الداخلي من نظامنا الشمسي، وعندما ننتقل إلى الجزء الخارجي، نواجه عمالقة الغاز والجليد، فيتكون كل من كوكب المشتري وزحل بشكل رئيس من الهيدروجين والهيليوم (على غرار متوسط تركيب الشمس)، في حين يُظهر العملاقان الجليديان أورانوس ونبتون تركيزًا عاليًا من الجليد، أو ما يميل العلماء إلى تسميته “المواد المتطايرة”.

منذ ما يقارب الـ 4.6 مليار سنة، بدأ سديم دوار في الانهيار على نفسه بفعل الجاذبية، فازداد تركيز المواد في المركز

وعند النظر إليها من الأعلى، فإن جميع الكواكب تدور حول الشمس في اتجاه معاكس لدوران عقارب الساعة وفي مدارات دائرية تقريبًا. علاوة على ذلك، تدور جميع الكواكب تقريبًا حول نفسها من الغرب إلى الشرق، فيما نسميه الدوران “التقدمي”. تحتاج أي نظرية علمية صالحة أو نموذج لتشكّل نظامنا الشمسي إلى التطرق إلى هذه الخصائص الجماعية لنظامنا الشمسي، كما تستضيف الكواكب أيضًا مجموعة كبيرة من الأقمار: إلّا أن الكواكب الصغيرة تمتلك إما أقمارًا قليلة أو لا تحتوي على أقمار على الإطلاق، بينما تمتلك الكواكب الأكبر عشرات الأقمار في المتوسط. ومع ذلك، يبقى هنالك المزيد من القطع الناقصة من أحجية نظامنا الشمسي.

وعندما ننتقل إلى المشتري الذي يلي المريخ، نواجه أجسامًا صغيرة تدور بشكل مشابه حول الشمس تسمى حزام الكويكبات، وإذا أكملنا الطريق لمسافة أبعد من نبتون، فسنواجه مجموعة أكبر من الأجسام الصغيرة فيما يسمى بحزام كايبر.

بنى العلماء نموذجًا متينًا لكيفية تشكل نظامنا الشمسي من سحابة من الغاز والغبار الكوني تسمى السديم، فمنذ ما يقارب الـ 4.6 مليار سنة، بدأ سديم دوار في الانهيار على نفسه بفعل الجاذبية، فازداد تركيز المواد في المركز واصطدمت المزيد من الحبيبات والمواد الصلبة في تلك المنطقة وارتفعت درجات الحرارة في مركز السديم.

أطلق الاتحاد الفلكي الدولي اسم محمد رامي المعري، مدير مركز علوم الفضاء والكواكب بجامعة خليفة، على كويكب كان يُعرف سابقًا باسم “سي زد” 2002 فبات يُعرف الآن باسم (357148) المعري.


يُمثل المركز الساخن المكان الذي ولدت فيه شمسنا. ومن ثم، ومع تركز الكتلة في المركز، بدأ السديم الدوار بالدوران بشكل أسرع بكثير، مما أدى إلى تحوله من سحابة كروية إلى حد ما، إلى هيكل سيصبح في النهاية “القرص الكوكبي البدائي”.

وفي هذا القرص، استمرت المواد في الاندماج مع بعضها البعض، لتشكل كتلًا أكبر. يُذكر أن التغيرات في درجات الحرارة داخل القرص الدوار، هي السبب الرئيس وراء اختلاف تركيب الكواكب، فقد كان الجزء الداخلي من القرص على وجه الخصوص، ساخنًا جدًا بحيث لا يمكن للجليد والمواد المتطايرة الأخرى أن تتكثف من الحالة الغازية إلى الحالة الصلبة، لذا فإن الكواكب الموجودة في النظام الداخلي خالية نسبيًا من مواد متطايرة كهذه، ونعلم الآن أيضًا أن الكواكب تدور حول الشمس في الاتجاه نفسه، وذلك لأنه اتجاه دوران السديم الأصلي.

تُعتبر الأجسام الصغيرة بقايا هذه العملية المعقدة، وهي القطع الاحتياطية لنظامنا الشمسي، وعندما ندرس الكويكبات، نحصل على مزيد من المعلومات حول الظروف الفيزيائية والكيميائية للنظام الشمسي الداخلي، بما في ذلك الأرض. وعلى نحو مماثل، عندما ندرس الأجسام الصغيرة الغنية بالجليد في حزام كايبر وخارجه، نحصل على مزيد من المعلومات حول الظروف عند الحواف الخارجية للسديم المبكر. أكثر ما يميز الأجسام الصغيرة هو أنه بدلًا من السفر لمسافات طويلة لدراستها، يمكننا الاعتماد على اقترابها من الأرض، ولكن كيف يحدث هذا؟

تتمتع الكواكب الكبيرة، وخاصة المشتري، بجاذبية هائلة تدفع أحيانًا الأجسام الصغيرة في حزام الكويكبات نحو النظام الشمسي الداخلي، الأمر الذي يؤدي لوجود عائلة من الكويكبات القريبة من الأرض زارتها العديد من البعثات الفضائية. وقد تخترق مثل هذه الأجسام غلافنا الجوي وتهبط على الأرض على شكل نيازك.

يمتلك نبتون تأثيرًا مشابهًا ولكنه أضعف، ويمكنه جذب الأجسام من حزام كايبر وتحويل مداراتها إلى الداخل حتى تلتقطها الكواكب الخارجية كأقمار، أو يمكنها أن تتعرض لتغيير في مدارها عندما تواجه المشتري في رحلتها إلى الداخل، مما يمكّنها من زيارة النظام الشمسي الداخلي كمذنبات. تسمح لنا هذه الأجسام الغنية بالجليد بدراسة النظام الشمسي الخارجي دون الحاجة للذهاب إلى هناك

تلعب الأجسام الصغيرة دورًا رئيسًا في مساعدتنا على فهم نظامنا الشمسي بشكل أفضل، كما يمكنها أن تفتح آفاقًا اقتصادية قابلة للتطبيق في المستقبل القريب نظرًا للثروة الهائلة من المعادن الثمينة والخامات التي تحتوي عليها.

وقد يتحول الجليد القريب من السطح من الحالة الصلبة إلى الحالة الغازية عندما تدخل هذه المذنبات النظام الشمسي الداخلي، مما يؤدي إلى رفع الغبار السطحي على طول الطريق وتشكيل غشاء ضبابي مشرق حول الجسم يمكن أن يساعد في رؤيته. يمكن للعلماء استخدام تقنيات الاستشعار عن بعد لقياس تكوين الجليد.

تلعب الأجسام الصغيرة دورًا رئيسًا في مساعدتنا على فهم نظامنا الشمسي بشكل أفضل، كما يمكنها أن تفتح آفاقًا اقتصادية قابلة للتطبيق في المستقبل القريب نظرًا للثروة الهائلة من المعادن الثمينة والخامات التي تحتوي عليها. قد تشكل الأجسام القريبة من الأرض تهديدًا للحضارة الإنسانية إذا كانت كبيرة بما يكفي ووضعتها مداراتها في مسار تصادمي مع الأرض، حيث تُعتبر هدفًا لبرامج الدفاع عن الكوكب والمراقبة المستمرة بواسطة التلسكوبات الأرضية. لذلك ليس من المتوقع أن يتضاءل اهتمامنا بالأجسام الصغيرة في القريب العاجل.

حصل محمد رامي المعري على شهادة الدكتوراه من جامعة غوتينغن الألمانية، وهو دكتور مشارك في جيولوجيا الكواكب في قسم علوم الأرض بجامعة خليفة ومدير مركز علوم الفضاء والكواكب بجامعة خليفة

تنظيف فضائنا

تتصاعد مشكلة المخلفات الفضائية في ظل تزايد سباق استكشاف الفضاء، حيث تدور ملايين القطع من المخلفات الفضائية حول الأرض. لذلك، سارع العلماء إلى دق ناقوس الخطر للإنذار بأهمية هذه المشكلة التي تشكل خطرًا كبيرًا على مهمات استكشاف الفضاء مستقبلًا.

يعتبر مدار الأرض المنخفض، والذي يقع على بعد 2،000 كيلومتر أو أقل من سطح الأرض، موطنًا لمجموعة كبيرة من المخلفات الفضائية التي تتكون من الأقمار الصناعية المعطلة ومراحل الإطلاق الصاروخية العلوية وأجزاء من انفجارات فضائية وبقايا قطع ناتجة عن إطلاق صواريخ لإسقاط أقمارها الصناعية. ويصل حجم قطع حطام الفضاء إلى أكبر من كرة التنس ولا يمكن الاستفادة منها في أي أغراض وظيفية، لا سيما أن هناك كمية كبيرة من تلك المخلفات المتطايرة في الفضاء.

وتسير هذه المخلفات بسرعات هائلة.

لك أن تتخيل أنك تقود السيارة عائدًا إلى منزلك من العمل بسرعة 80 كيلومتر في الساعة، فيطير حجر صغير ضاربًا الزجاج الأمامي في سيارتك ليصدر عن ذلك صوت مرتفع وتلاحظ فيما بعد حدوث شق في الزجاج الأمامي. وفي هذا السياق، تساهم سرعة كل من الجسمين، السيارة والحجر، في تحديد مستوى الضرر.

الآن، تخيل أنك تسير بسرعة 25,000 كيلو متر في الساعة ويسير الحجر كذلك بنفس السرعة، سيكون التصادم مع الحجر في هذه الحالة كارثيًا، على الرغم من أن الجسم قد يكون دقيقًا جدًا إلا أنه بالإمكان أن يتسبب في حدوث خطر جسيم.

لاحظ رائد الفضاء (تم بيك) من وكالة الفضاء الأوروبية، في العام 2016 وجود تصدعات في نافذة المراقبة في محطة الفضاء الدولية. وورد في خبر صحفي أن رائد الفضاء تم بيك التقط صورة لشقوق النافذة وعلق على ذلك قائلًا: “أتعرض في معظم الأحيان للسؤال عما إذا كانت محطة الفضاء الدولية قد اصطدمت بالمخلفات الفضائية. نعم، وُجد هذا الشرخ في أحد نوافذ المحطة وأنا سعيد لأنها مزودة بأربع طبقات زجاجية”.

يعود سبب تلك التصدعات إلى قطع الطلاء العابرة في الفضاء.

الجدير بالذكر أنه يوجد حوالي 27,000 قطعة من الحطام التي يزيد حجمها عن 10 سنتيمتر يتم رصدها من قبل وزارة الدفاع الأمريكية، كما يوجد أكثر من 100 مليون قطعة أصغر حجمًا تحوم في الفضاء من غير تتبع. لذلك، قد يؤدي اصطدام أي منها بالمركبات الفضائية أو الأقمار الصناعية والمحطات الفضائية إلى حدوث نتائج مدمرة وبالتالي التسبب بالمزيد من الحطام الفضائي، وهكذا.

تُعرف هذه السلسلة التفاعلية باسم (متلازمة كيسلر)، حيث اقترح عالم الفيزياء الفلكية وعالم سابق في وكالة ناسا، دونالد جيه كيسلر، أنه في مرحلة ما سيكون هناك الكثير من الحطام في مدار الأرض المنخفض الذي سيواصل في الاصطدام وإنتاج المزيد من الحطام، لتصبح العملية بعد ذلك ظاهرة يصعب إيقافها وتصبح رحلات استكشاف الفضاء غير ممكنة مستقبلًا.

وعلى الرغم من أن كيسلر بالغ في نظريته، إلا أنها غير مستحيلة. وفي هذا الصدد، يرى الدكتور جون كراسيدس، الأستاذ في جامعة ولاية نيويورك وجامعة بافالو، أننا سنصل إلى هذه المرحلة في هذا الجيل.

قال جون في حواره مع مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا: “أرى أننا سنواجه مأزقًا كبيرًا خلال فترة الخمسين عامًا المقبلة أو أقل إذا واصلنا وضع الأجسام في الفضاء كما نقوم به في الوقت الحاضر”.

ويوجد المزيد من المخاطر وشيكة الحدوث والتي تهدد الأقمار الصناعية وغيرها من المركبات الفضائية في مدار كوكب الأرض المنخفض، خاصة أن الخمسين عامًا ليست بعيدة.

وأضاف جون، الذي يعمل في وكالة ناسا وسلاح الجو الأمريكي بهدف رصد الحطام الفضائي: “يعتبر الخطر الأكبر هنا الذي يهدد حياة الإنسان خاصة الأفراد الموكلين بالمهمات خارج المركبات، حيث يسير الحطام بسرعة 17,000 ميل في الساعة، ما يتيح له اختراق بدلة رواد الفضاء حتى وإن كانت قطعًا في غاية الدقة”.


CAPTION: Japanese company Astroscale is hoping to inspire a movement of space cleanup IMAGE: NASA

ومن الأخطار الأخرى الناتجة عن الحطام تلك التي تؤثر في الأقمار الصناعية الفعالة في مدار كوكب الأرض المنخفض. قد لا يبدو ذلك مثيرًا للقلق، لكن تساهم هذه الأقمار الصناعية في تمكين سكان كوكب الأرض من إجراء المكالمات على أجهزة الآيفون ومشاهدة الفيديوهات على تطبيق تيك توك والمشاركة في الاجتماعات على تطبيق زوم وكسب الملايين كمدونين على منصة يوتيوب. وإذا ضُربت هذه الأقمار بقطع الحطام الفضائي الذي يسير بسرعة تزيد عن 25,000 كيلومتر في الساعة، قد يذهب جيل إكس وجيل الألفية وجميع سكان الأرض في رحلة، لا إلى الفضاء، بل إلى الماضي.

وهناك أيضًا بعض المخاوف الأخرى التي تتمثل بوجود 10 أفراد في محطات فضائية فعالة، كما توجد محطتين فضائيتين في مدار كوكب الأرض المنخفض مأهولتين وهما، محطة الفضاء الدولية ومحطة الفضاء تيانغونغ الصينية. وتتم حماية محطات الفضاء من قطع الحطام التي يصل قطرها إلى 1.5 سنتيمتر من خلال هياكلها الخارجية، وبخلاف ذلك يجب مغادرتها وإخلائها. وقد أثبت الحلان نجاحهما إلى الآن.

وفي هذا الصدد، فقد أطلقت روسيا في العام 2021 صاروخًا إلى أقمارها الصناعية كاختبار نتج عنه أكثر من 3,500 قطعة من الحطام شكلت خطرًا يهدد جميع القاطنين في محطة الفضاء الدولية واضطر رواد الفضاء للانتقال إلى الكبسولات الفضائية التي ترسو في المحطة لحاجتهم للهروب السريع. وقد تم في أكتوبر من العام 2022 نقل محطة الفضاء الدولية إلى أعلى بمقدار 0.2 ميل لتفادي المزيد من قطع الحطام الناتج عن هذا الاختبار.

تعد هذه الخطوة الوقائية التي وصلت تكلفتها إلى مليون دولار أمريكي في غاية الفعالية، خاصة أنه قد ينجم عن تصادم قطعة من الحطام يتراوح قطرها ما بين 1 و 10 سنتيمتر أضرار بقيمة مليوني دولار أمريكي لإصلاحها. ووفقًا لما قاله جون، أن هذه الخطوة هي واحدة فقط من أكثر من 20 خطوة دفاعية تم تنفيذها لتجنب قطع الحطام في الفضاء.

وعلى الرغم من التكاليف الباهظة لنقل محطة الفضاء، إلا أنه يعتبر حلًا فعالًا في الوقت الراهن، حيث يشير الخبراء إلى أن زيادة حجم الحطام الفضائي في كل عام ستحد من وجود بيئة فضائية آمنة.

إضافة لذلك، اكتشف الباحثون أن الاصطدامات ليست العامل الوحيد الذي يشكل خطرًا على البيئة.

توصلت دراسة، أجرتها الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في العام 2023، إلى وجود جسيمات معدنية مصاحبة للمواد المستخدمة في بناء المركبات الفضائية في طبقات الغلاف الجوي العليا، ويحدث ذلك نتيجة تبخر فتات الصواريخ والأقمار الصناعية المتعطلة حال عودتها إلى الغلاف الجوي في الكرة الأرضية.

ولكن، ما الحل؟

وضعت منظمة الأمم المتحدة بعض المبادئ الإرشادية للحد من حطام الفضاء، لكن لا يوجد هناك أي تشريعات تُحمل مستكشفي الفضاء مسؤولية الفوضى التي يتسببون بها. لذلك، يعود الموضوع في هذا الإطار إلى الابتكار واتباع السلوكيات الصحيحة.

وقال جون: “لا يمكننا أن نفرض على الدول اتباع مبدأ الأمم المتحدة رقم (4) والذي ينص على تجنب التخريب العمد وغيرها من الأنشطة المسببة للضرر، ويجب على قادة الدول التشاور بينهم في هذا الشأن وهذه هي الخطوة الأولى، في الوقت الذي لا تقوم جميع الدول بذلك. من جهة أخرى، يتبع كل من الأمريكيين والأوروبيين وغيرهم من الدول عددًا من التعليمات الإرشادية”.

وتقوم بعض الحكومات في العديد من الدول بما يمكن فعله لتنظيف مخلفاتهم الفضائية، حيث ظهرت شركات تجارية ناشئة تساهم في التقاط قطع الحطام المتطاير في الفضاء كالشركة اليابانية “آستروسكيل” على سبيل المثال.

CAPTION: تشكل المخلفات الفضائية التي تدور حول كوكب الأرض خطرًا كبيرًا على الأقمار الصناعية ورواد الفضاء ومستقبل مهمات استكشاف الفضاء IMAGE: Shutterstock

توفر شركة آستروسكيل خدمات إزالة حطام الفضاء، حيث يمكن لبرامج الفضاء والشركات الخاصة في جميع أنحاء العالم توظيفها لجمع الحطام وسحبه إلى الغلاف الجوي في كوكب الأرض ليحترق. وتخطط أستروسكيل لأول مهمة إزالة حطام لها في العام 2025، حيث تسعى الشركة لأن تلهم الحراك العالمي لإزالة حطام الفضاء.

وفي نفس الوقت، تعاونت وكالة الفضاء الأوروبية مع شركة ناشئة تدعى “كليرسبيس” بهدف إطلاق قابض يساهم في التقاط مخلفات الفضاء ونقله إلى الغلاف الجوي ليحترق. ويتوقع أن يقوم هذا القابض بإزالة القطعة الأولى من الحطام الفضائي في 2025.

وقد يتسبب ذلك بالعديد من المشكلات، حيث توصلت الدراسة التي أجرتها الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في العام 2023 أن ذلك الحل سيساهم في استنزاف طبقة الأوزون.

وركز بحث جون بشكل رئيس على إجراءات الوقاية حيث قال: “يمكن أن نحقق الوقاية من التصادمات الفضائية من خلال تحديد خصائص الحطام باستخدام الصور، حيث يمكن الاستفادة من هذه النماذج لتحديد أماكن الحطام بشكل أفضل، وبالتالي يمكننا تحديد مدى إمكانية حدوث الاصطدام بالأقمار الصناعية الفعالة”.

ويعمل كل من جون وزملائه على مشروع يهدف إلى إعادة تدوير حطام الفضاء، ولكن يمكن تطبيق هذه التكنولوجيا عمليًا خلال فترة تتراوح من 15 و20 عامًا.
وأكد جون على أنه عملي يومًا سيكون هناك حل عملي بكلفة اقتصادية معقولة للتصدي لمشكلة حطام الفضاء.

وفي تصريحاته لمجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا، أشار جون إلى أن: “الخيال العلمي اليوم هو حقائق المستقبل، ومن أهم الأمور التي يمكن أن نفعلها هي اتباع مبادئ الأمم المتحدة والحد من إنتاج حطام الفضاء، ومن ثم تطوير التكنولوجيات التي تساهم في التقاط الحطام لتنظيف الفضاء من المخلفات”.

رؤية الفضاء بشكل ثنائي الأبعاد

وفقًا لكارلو يوريو، مدير مركز الأبحاث والهندسة في تقنيات الفضاء بجامعة بروكسل: “يُعتبر استكشاف الفضاء المختص بدراسة علم المواد، ذلك أنه علم مستقل عن الإلكترونيات وتوابعها، فالمواد هي التكنولوجيا التمكينية للتحديات الموجودة في الفضاء”.

وأكثر ما يثير اهتمامه فيما يتعلق بذلك هو: الغرافين والمواد ثنائية الأبعاد الأخرى. يقول يوريو في حديثه مع مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا: “يمكن استخدام المواد ثنائية الأبعاد ودمجها لحل (العديد) من المشاكل المختلفة”.

الصورة: أنس البنّي/ مجلة جامعة خليفة

قد يُعتبر الغرافين أساس المواد ثنائية الأبعاد، إلّا أنه جديد نسبيًا، فقد اكتُشف في عام 2004، عندما فاز أندريه غيم وكونستانتين نوفوسيلوف بجائزة نوبل في عام 2010 لعزله.. تتكون المادة من طبقة واحدة من ذرات الكربون مرتبة في نمط سداسي، وهي قوية ومرنة وخفيفة الوزن كما توفر مقاومة عالية

وفي هذا الصدد، يقول يارجان عبد الصمد، الذي حصل على شهادة دكتوراه من جامعة خليفة ودرس خصائص المواد ثنائية الأبعاد في جامعة كامبريدج كباحث دكتوراه وعاد مؤخرًا إلى جامعة خليفة كدكتور مساعد في هندسة الفضاء: “تُعتبر خصائص الغرافين استثنائية من عدة نواح”.

ويؤكد بأن اكتشاف الغرافين قد أحدث ثورة في أبحاث المواد ثنائية الأبعاد: “يجري الآن البحث في آلاف المواد ثنائية الأبعاد الجديدة بسبب اكتشاف الغرافين، كما لو أنّه قد اكتُشف جدول دوري جديد.”

“يمكن استخدام كل خاصية من أجل أغراض لا يمكن تحقيقها باستخدام المواد التقليدية، وهذا ما يثير اهتمامي خاصة عندما أنظر إلى التحديات المتعلقة بالفضاء، سواء كانت الإدارة الحرارية أو الحماية من الإشعاع أو الرحلات الطويلة، فهناك العديد من القضايا التي تحتاج إلى حلول غير تقليدية، ونظرًا لتعدد استخدامات المواد ثنائية الأبعاد فهذا يجعلها قادرة على حل العديد من المشاكل.”

فيما يلي بعض القضايا المتعلقة بالسفر إلى الفضاء واستيطانه، والتي قد تكون المواد ثنائية الأبعاد قادرة على معالجتها:


الحماية من الإشعاع

غالبًا ما يُعتبر الإشعاع الفضائي العامل المقيِّد الأكثر أهمية عند السفر إلى الفضاء لفترات طويلة، فمن المحتمل أن يواجه رواد الفضاء مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والأمراض التنكسية والسرطان.

وفي هذا الصدد، يتساءل عبد الصمد: “قد أكون متحيزًا في هذا الشأن، إلّا أن الحماية من الإشعاع تقع على رأس قائمة تطبيقات المواد ثنائية الأبعاد، حيث يشعر الجميع بالقلق حيال الإشعاع، كما سبق وأن وقعت العديد من الحوادث المرتبطة به، فكيف يمكننا توفير حماية منه؟”

“إنها ظاهرة معقدة للغاية، ولن تقف المواد التقليدية في وجه الإشعاع الكوني المجري، فنحن بحاجة إلى التوصل إلى نهج يمكننا من خلاله الحصول على حماية انتقائية.”

يشير عبد الصمد إلى أن الإجابة قد تكمن في حلول الغرافين والحلول الهجينة.

ويتفق يوريو مع عبد الصمد في أن الإشعاع الفضائي يأتي على رأس قائمة تطبيقات الفضاء ثنائية الأبعاد” أولًا وقبل كل شيء”.

ويقول أن الدروع الفضائية ستسمح بالاستكشاف البشري لمسافات طويلة. “إلّا أنه من الصعب جدًا الاستقرار على المريخ في الوقت الحاضر.”

عمل عبد الصمد مع مركز محمد بن راشد للفضاء في دولة الإمارات على مشروع “راشد روفر” والذي فقد عندما تحطمت مركبة الهبوط على ما يبدو في شهر أبريل من عام 2023، إلّا أن الخطط جارية لـلعمل على مشروع “راشد 2”، ويقول عبد الصمد أن دراسة تأثيرات الإشعاع على المواد ثنائية الأبعاد قيد المناقشة. ويُعتبر (هذا) أحد التحديات الأكثر إلحاحًا من وجهة نظري”.

الصورة: أنس البنّي/مجلة جامعة خليفة

البدلات والمساكن

ويقول يوريو “أننا بحاجة إلى المواد المتقدمة لصنع بدلات وهياكل مقاومة للحرارة لاستخدامها على المريخ أو القمر، ويضيف أن مادة ثاني كبريتيد الموليبدينوم ثنائية الأبعاد ستلعب دورًا في هذا التحدي بالتحديد”. كما يمكن أن تفيد المواد ثنائية الأبعاد في تطبيقات البناء الأخرى.

يشير يوريو إلى أن جامعة خليفة تستكشف مكونات ذات أساس مطاطي مع الغرافين ليس فقط لتحمل درجات الحرارة القصوى، بل لمساعدة البنية التحتية على تحمل الزلازل القمرية. “فإذا كان الهيكل جامدًا فسوف ينكسر، فلك أن تتخيل احتمالية سماح الشقوق للأكسجين بالخروج.”

ومع أنه صحيحٌ أن نقل المواد من الأرض إلى الفضاء يعد أمرًا مكلفًا، إلّا أن المواد ثنائية الأبعاد خفيفة، ويرى عبد الصمد إمكانية تحويل المواد الموجودة على القمر أو العوالم الأخرى إلى وحدات بناء للمستوطنات. وفي هذا الصدد يقول: “قد تكون هناك مواد مركبة أو هجينة. هناك العديد من الأساليب التي يمكن اتباعها”

وبمجرد بناء المسكن الفضائي، يُمكن أن تلعب المواد ثنائية الأبعاد دورًا أساسيًا في الحفاظ على بيئة صحية للبشر .

يقول يوريو: “يمكن أن يلعب كل من الغرافين وأكسيد الغرافين دورًا في المواد التي يمكن أن تمنع انتشار البكتيريا والعناصر الحيوية الغريبة. تخيل انتشار وباء في قاعدة بشرية مغلقة، يبدو ذلك أحد سيناريوهات أفلام الخيال العلمي.”

الصورة أنس البني/مجلة جامعة خليفة

التنظيم الحراري

يتساءل عبد الصمد: “كيف يمكننا تحمل الليالي القمرية وما هي أنواع المواد التي يمكن أن تساعد في ذلك؟”

تبدو المواد ثنائية الأبعاد واعدة: فهي لا تستطيع مقاومة درجات الحرارة القصوى في الفضاء فحسب، بل هي مرشحة ممتازة لنقل الحرارة، من الجانب المواجه للشمس في المركبة إلى الجانب الذي لا يواجهها على سبيل المثال، حيث يمكن أن تختلف درجات الحرارة بمقدار 200 درجة مئوية، ولأن هذه المواد ثنائية الأبعاد بطبعها، فهي تتطلب مساحة صغيرة مما يوفر مساحة لمساكن أكبر

يقول يوريو: تُفقد الكثير من الحرارة في الفضاء، لذلك تُستخدم مواد (ثنائية الأبعاد) مثل “المكسين” لأنها تحتوي على بصمة حرارية تحت الحمراء منخفضة.”


أنظمة الدفع

ويُعبتر نظام الدفع الصاروخي تطبيقًا آخر، حيث يقول يوريو: “يمكن توظيف المواد ثنائية الأبعاد بسهولة.”

أحد الاحتمالات: أشرعة مصنوعة من أغشية الغرافين تعمل بضوء الشمس أو أشعة الليزر، مما يمكّن المركبة الفضائية من السفر لمسافات أبعد وأطول دون الحاجة إلى حمل وقود على متنها، كما ستكون المركبة أخف وزنًا وأكثر سرعة وسهولة في الإطلاق.

تقول وكالة الفضاء الأوروبية أن الغرافين قد اجتاز الاختبارات الأولية التي أظهرت أنه مرشح صالح للاستخدام.

الصورة أنس البنّي/مجلة جامعة خليفة

التطبيقات على كوكب الأرض

يمكن أن نستفيد مما نتعلمه من محاولاتنا لاستكشاف الفضاء في موطننا أيضًا، هنا على كوكب الأرض. يقول يوريو أن المشكلات التي يحلها الغرافين والمواد ثنائية الأبعاد الأخرى في الفضاء يمكن بسهولة أن تنتقل إلى المشكلات المرتبطة بالأرض.

ويقول: “ستُستخدم حلول مشكلة الندرة التي نسعى لحلها في الفضاء لمحاربة مشكلة الندرة في أي مكان”. فعلى سبيل المثال، يمكن للمرشحات والأغشية التي طُوّرت لإعادة تدوير المياه في قاعدة على سطح القمر أن تساعد في الحفاظ على الموارد على سطح الأرض.

ويضيف يوريو: “إن التكنولوجيا التي نطورها للفضاء قادرة على استغلال كل قطرة ماء، وهو الهدف نفسه المتمثل في الاقتصاد المستدام، كما أن هناك ندرة في الطاقة، مما يستدعي الحاجة إلى استخدام المفاهيم التي نطورها للفضاء قدرًا أقل من الطاقة. وبغض النظر عن مستوى التقدم الذي وصلنا إليه في الفضاء، فمن المحتمل أن يُستخدم كل ذلك على الأرض لتقليل استهلاك الطاقة.

ويرى عبد الصمد أن التقدم في مجال الحماية من الإشعاع يؤدي في نهاية المطاف إلى حماية مراكز البيانات على الأرض التي تتعرض أنظمتها للإشعاع الكوني، بالإضافة إلى أنه يمكن للإدارة الحرارية في المركبات الفضائية في نهاية المطاف أن تحسّن تكنولوجيا القطارات والنقل بشكل عام.

يقول يوريو: “تولي دولة الإمارات اهتمامًا متزايدًا بالاستدامة والحد من انبعاثات الكربون وما إلى ذلك، على الرغم من نمط الحياة المترف. لقد عشت في بلدان نامية ولكن أحد الأشياء التي تربط استكشاف الفضاء بشكل صارم بالتنمية المستدامة هو أن كلاهما يشتركان في الحاجة إلى معالجة قضية ندرة الموارد.

الحل يبدأ هنا

نجح مسبار الأمل الإماراتي في الوصول إلى المريخ في العام 2021، حيث تعتبر هذه المهمة إحدى مهمات استكشاف الفضاء التي أطلقتها حكومات الدول والشركات الخاصة في السنوات الأخيرة بهدف زيادة فهمنا للنظام الشمسي وما وراءه. وفي هذا الصدد، طرحنا على مجموعة من الخبراء السؤال التالي: ماذا يجب أن تكون أولويتنا في مجال استكشاف الفضاء؟ وفيما يلي ما قالوه.

التعاون يعود بالفائدة على جميع سكان الأرض

حمد المرزوقي

الدكتور حمد المرزوقي هو مدير مشروع الإمارات لاستكشاف القمر وأشرف على أنظمة الكمبيوتر والتصوير للمستكشف راشد.

كان الإنسان ولا يزال المحور الرئيس في استكشافات الفضاء، فقد ساهم الإنسان في الماضي بدور ريادي في مجال الفضاء وأصبحت هذه الجهود هي المحفز لبرامج استكشاف الفضاء في الوقت الحاضر وستواصل دورها في المستقبل.

يوجد مجموعة من الدوافع المختلفة لبرامج استكشاف الفضاء تشمل الدوافع السياسية والاقتصادية والأمن الوطني، والتي ستبقى موجودة.

وقد تتغير الدوافع ولا تبقى ثابتة، والذي يبقى ثابتًا هو الفضول فينا جميعًا لاستكشاف المجهول وتوسيع نطاق المعرفة.

ما يميزنا نحن البشر هو إصرارنا على طرح الأسئلة منذ طفولتنا إلى مرحلة الشباب، وتشكل مثل هذه الأسئلة مجموعة الدوافع التي تحفز برامج استكشاف الفضاء العلمية.

نظر أسلافنا إلى القمر والكواكب والنجوم فاستثارت فيهم الغموض ومنحهم الإلهام. واليوم ومن خلال إصرارنا على طرح الأسئلة، فقد أصبحنا نسكتشف الفضاء عبر إرسال المركبات الفضائية إلى القمر والمريخ وغيرها من الكواكب، وصولًا إلى حافة النظام الشمسي.

وسنشهد قريبًا إنشاء حضارة في الفضاء ونرسخ وجودنا على كوكب القمر وكوكب المريخ.

ولا يقتصر استخدامنا لضمير المتكلم (نحن) في الجمل السابقة على شعوب معينة أو دولة أو عرق أو دين معين، وإنما القصد جميع سكان كوكب الأرض، وهذا ما يجب أن يكون على رأس أولويات استكشاف الفضاء.

الصورة: رائد الفضاء الإماراتي سلطان النيادي يشاهد توم مارشبيرن وهو يسجل حضوره اليوم الأول من الامتحانات في مدينة ستار سيتي في روسياالصورة: ناسا

يعتبر استكشاف الفضاء تحد صعب ولا يمكن تحقيق الإنجازات فيه إلا من خلال التعاون المشترك بين سكان الأرض وذلك عبر العمل الدولي المشترك.

وتعد محطة الفضاء الدولية نموذجًا حيًا على ما يمكن تحقيقه حين ننبذ الفوارق بيننا ونتعاون مع بعضنا.

لذلك، يجب أن تتجاوز جهودنا حدود محطة الفضاء الدولية وأن نوسع أطر التعاون الدولي في برامج استكشاف الفضاء في المستقبل.


ينبغي علينا الاستفادة من التطورات الكبيرة التي يتم تحقيقها في مختلف برامج الفضاء وإيجاد الحلول المتمحورة حول الإنسان بهدف تحسين معيشة الأفراد على هذا الكوكب من خلال التكنولوجيا والمعرفة والتعليم وتمكين الدول الفقيرة والنامية.

ويجب على البرنامج الدولي الذي سنطوره في مجال استكشاف الفضاء أن يركز على تحسين مستوى المعرفة لدى الإنسان وإيجاد الحلول للمشكلات الراهنة والتي تتضمن الاحتباس الحراري وانعدام المساواة والفقر ونظام الصحة العالمي وتوفير مستقبل زاهر للأجيال القادمة على كوكب الأرض والكواكب الأخرى.

تفادي مصير الديناصورات

إتوري بيروتزي

إتوري بيروتزي هو عالم بحثي أول في وكالة الفضاء الإيطالية، يحظى بخبرات طويلة الأمد في مجال ميكانيكا الأجرام السماوية وعلوم الكواكب وديناميكيات الطيران في الفضاء والتعليم والتدريب. ويحمل الكويكب (10027) اسمه. Read more›››

تعتبر الطرق التي تربط ما بين كوكب الأرض بالمناطق الخارجية في النظام الشمسي حقائق معروفة في مجال الميكانيكا الفلكية، كما أنه من المثبت علميًا أن الكويكبات والمذنبات التي تسير غالبًا في مدارات عشوائية هي المفتاح الأساسي لفهم المراحل المبكرة لتشكل الكواكب.

وتعتبر الحركات الديناميكية للكويكبات والمذنبات، التي تؤثر في الكواكب من خلال سقوطها في الشمس أو هروبها إلى الفضاء بين النجوم، وتنوعها في الخصائص الفيزيائية، موضوعًا هامًا في علوم الكواكب وقد تشكل أجسامًا خطرة في حالة التصادم، كما تمثل فرصة للتعدين الفضائي.

ويتيح لنا استكشاف الكويكبات والمذنبات معالجة ثلاث قضايا أساسية في آنٍ واحد وهي، الكشف عن أصل النظام الشمسي وتطوره وفتح سوق جديد التطبيقات الفضاء التجارية وتوفير معلومات هامة للحماية المدنية.

وتتيح معرفة الهيكل الداخلي والتركيب الكيميائي لجرم سماوي صغير، في طريقه للتصادم مع الأرض، تطوير استراتيجية فعالة ومعتمدة للتحييد، مما يساهم في تعزيز دور الإنسان لتجنب مصير الديناصورات.

CAPTION: قد تساهم معرفة المزيد حول الأجرام السماوية الصغيرة في تحويل مسارها وتجنب اصطدامها بالأرض. الصورة NASA, Freepik, Shutterstock

وتوفر التركيبة الأصلية للجرم السماوي الذي لا يشكل خطرًا احتياطي عالي القيمة من المصادر الفضائية التي تعوض النقص المحتمل في العناصر الهامة والأساسية في كوكب الأرض.

وصل حتى الآن عدد كبير من مهمات استكشاف الفضاء الناجحة إلى الكويكبات والمذنبات، منها على سبيل المثال جيوتو ونير ودون وروزيتا وهايابوسا 2 ودارت (ليكياكيوب)، وهناك المزيد في طريقه للتحقيق.

إضافة لما سبق، تمثل هذه الأجرام السماوية مواقع مثالية لإنتاج الوقود والمواد الاستهلاكية الأساسية في الموقع، وبالتالي إتاحة الفرصة أمام رحلات استكشاف الفضاء بعيدة المدى بشكل منتظم والمحافظة على توسع الإنسان في النظام الشمسي بشكل مستدام.

استكشاف المدارات القريبة من كوكب الأرض قد تؤثر على الحياة فيه

أنطون إيفانوف

أنطون إيفانوف هو مدير تنفيذي لاستكشافات ما بعد كوكب الأرض في معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي، دولة الإمارات.

يمكننا تحديد أولويتين هامتين مستقبلًا في مجال استكشاف الفضاء هما، المدارات القريبة من الأرض والتي تشمل مدارات (ليو وميو وجيو) وأولوية دراسة النظام الشمسي.

يعتبر الاكتشاف الآمن لمدارات (نيو) القريبة من كوكب الأرض أمرًا هامًا لسببين هما، أن هذه المدارات تعتبر موطنًا للاتصالات المتعلقة برصد الأرض والأقمار الصناعية العالمية (جي إن إس إس). ويتمثل السبب الثاني في أن هذه الأصول تلعب دورًا محوريًا في حياتنا اليومية على الرغم من أننا لا نلحظ مدى تأثيرها علينا.

لاحظنا في السنوات العشر الأخيرة تحركًا واسعًا تجاه إنشاء مجموعات كبيرة من الأقمار الصناعية التي ستتيح تطوير تطبيقات جديدة وستصبح المدارات المألوفة مكتظة.

ويشهد عدد من الأقمار الصناعية النشطة والحطام في مدار (ليو) زيادة كبيرة، وهو ما يشكل خطرًا يهدد سلامة كل من الإنسان ومهمات الاستكشاف الروبوتية في المدار نفسه حيث يتوجب اتخاذ الإجراءات المناسبة للحد من تلك المخاطر.

ويعتبر استكشاف النظام الشمسي، خاصة المريخ والقمر، أمرًا في غاية الأهمية للعديد من الأسباب.

CAPTION: NASA IMAGE: التقطت مركبة الفضاء “جونو” هذه الصورة للسحب التي تدور في حركة دوامية حول كوكب المشتري، وسيواصل هذا النوع من الاكتشافات تعزيز فهم البشر للمزيد من الحقائق عن الكون.

تستثمر بعض مؤسسات القطاع الحكومي والشركات الخاصة في مهام استكشاف القمر والمريخ وحزام الكويكبات، إضافة للتقدم التكنولوجي الذي يمكننا من تعلم المزيد حول تاريخ النظام الشمسي.

ويمكننا أيضًا أن نفهم وبشكل شامل حقيقة وجود حياة أخرى خارج نطاق النظام الشمسي، وذلك بالتزامن مع اكتشاف عدد كبير من الكواكب الخارجية الموجودة خارج المجموعة الشمسية.

إضافة لذلك، يشكل استكشاف المريخ والقمر نقطة انطلاقة لاستكشافات الإنسان المعمقة للفضاء والتي تساهم بدورها في تحفيز التكنولوجيات المتعلقة بذلك على كوكب الأرض.

تتميز طبيعة الإنسان بالفضول لاستكشاف أماكن جديدة، وحظي كل من المريخ والقمر باهتمام كبير في مجال إنشاء أماكن للعيش فيها بشكل دائم مستقبلًا.

يذكر أنه من غير المرجح أن تساهم هذه الأماكن في حل مشكلات زيادة عدد السكان العالمي وتغير المناخ، إلا أنها ستؤثر بشكل إيجابي على ثقافة الإنسان والمجتمع وتساهم في تعزيز الشعور بالفخر بالإنجازات في مجال الفضاء ودعم فرص التعاون الدولي وتحفيز عمليات الابتكار.