التبريد باستخدام أشعة الشمس

تُعَد أسباب التغير المناخي حديث الساعة، وتتعدد تلك الأسباب لتشمل ناتج الكربون ومخلفات المنتجات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد واستهلاك الطاقة وغيرها. ولكن تُمثل حرارة الشمس وما يترتب عليها من متطلبات التبريد في دولة الإمارات التي ترتفع فيها درجة الحرارة إلى 50 درجة مئوية في فصل الصيف، مُعضلة بيئية. أمّا الآن، تساعد التكنولوجيا دولة الإمارات على الاستفادة من أكثر من 4400 ساعة سنويًا من أشعة الشمس في سمائها لقلب الموازين لصالح كوكب الأرض.

أعلنت شركة “جري” العالمية رائدة خدمات التدفئة والتهوية وتكييف الهواء، والمعروفة في السوق باستثماراتها في البحث والتطوير، خلال مشاركتها في فعاليات مؤتمر الأطراف (كوب 28) الذي استضافته دبي مؤخرًا، عن إطلاق تكنولوجيتها التي تعمل بالطاقة الشمسية في الإمارات من خلال شريكها التجاري، “نيا”. تتميز تكنولوجيا التبريد متغير التدفق هذه بسرعة استجابتها وقابليتها للتكيف، كما أنها تستهلك كميات من الطاقة أقل من تلك التي تستهلكها مكيفات الهواء التقليدية.

قال عماد حسينو، رئيس فريق التدفئة والتهوية وتكييف الهواء لدى “نيا“: “تسعى نيا إلى إشراك أهم صنّاع القرار المعنيين بتمكين التغير المستدام للمجتمعات في الإمارات، وذلك من خلال التشجيع على استخدام مكيفات الهواء التي تعمل بالطاقة الشمسية.”

تأسست “جري” عام 1991 ويقع مقرها الرئيس في الصين، كما أنها تُعَد واحدة من أكبر الشركات المُصنعة لحلول التدفئة والتهوية وتكييف الهواء على مستوى العالم.

فاز هذا النظام المُبتَكَر لتكييف الهواء بجوائز متعددة، ومنها الجائزة البريطانية لصناعة التبريد “آر إيه سي” والجائزة الدولية للابتكار في الجودة والميدالية الذهبية في تحدي جنيف الدولي للاختراعات والجائزة الذهبية لبراءات الاختراع الصينية.

وتبدو وحدات هذا النظام كوحدات الأنظمة التقليدية لتكييف الهواء، إلا أنها تحتوي بداخلها على مجموعة كاملة من المزايا التي تعمل على خفض الكربون.

العنوان:عماد حسينو، رئيس فريق التدفئة والتهوية وتكييف الهواء لدى “نيا”IMAGE: نيا

تستفيد الوحدات من الطاقة الشمسية المباشرة وتستخدمها من دون الحاجة إلى عاكس شمسي، ما يوفر الطاقة التي تُهدر عادةً أثناء عملية النقل والتي تتراوح نسبتها من 15 إلى 22% .

وتنتقل الطاقة عادًة من الألواح الشمسية خلال عاكس ومحول يُخرجها في صورة تكييف هواء، إلا أن التكنولوجيا التي طورتها “جري” يمكنها قبول طاقة التيار المستمر بصفة مباشرة من الألواح الشمسية بنسبة كفاءة في استهلاك الطاقة تبلغ 99%.

ما الذي يعنيه هذا الرقم الكبير يا تُرى؟

يُفقَد قدر مُعيَّن من الطاقة على هيئة حرارة في كل عملية تحويل للطاقة. وتقول شركة “جري” أن تكنولوجيا التبريد متغير التدفق التي طورتها في نظام مكيفات الهواء لا تتطلب وجود عاكس، يعني هذا بأن المكيف يعمل بطاقته القصوى وبأقل تأثير ممكن على البيئة.

يتميز التبريد متغير التدفق بكونه أحد الأشكال اللازمة ومتعددة الأوجه لتكنولوجيا التبريد، بالإضافة إلى اعتباره موصلًا جيدًا إلى حد كبير ويوفّر مستويات مختلفة لتدفق الهواء البارد إلى المساحات الفردية، كما يُغني عن الحاجة إلى عاكس، ما يعني تقليل المواد (ومن ثمَّ التكلفة) ليضمن كفاءة أعلى وينجح في مهمته التي تتمثل في انعدام كل من الانبعاثات الكربونية وفواتير كهرباء والطاقة المُهدَرَة.

ويُعتبر ذلك إنجازًا كبيرًا في منطقة يستأثر فيها التبريد بنسبة تتراوح من 80 إلى 85% من متوسط الطاقة المُستَهلَكَة في المبنى.

تناسب هذه التصاميم كلًا من المواقع السكنية والتجارية، كما تتميز بتركيب بسيط وتوفيري للطاقة بنسبة تصل إلى 20% بالمقارنة مع الوحدات الأخرى، ويمكن تركيب الوحدات على السطح أو في الطابق الأرضي.

ولا تتطلب أنظمة التبريد متغير التدفق العادية محولًا فحسب، بل تتطلب إنسانًا لإدارتها، إلّا أن النظم التي طورتها “جري” تستخدم الذكاء الاصطناعي كي تؤدي عملها.

وعلق عماد مضيفًا: “يدمج (النظام) التكنولوجيات المتطورة للمراقبة والتحكم، بما في ذلك نظام “جري” لإدارة معلومات الطاقة للمراقبة الفورية لتدفق الطاقة وخوارزمية مُطوَّرَة ذاتيًا باستخدام الذكاء الاصطناعي لتحقيق أعلى مستوى من الكفاءة.”

فإذا كنت قلِقًا بشأن مراقبة تدفق الطاقة، كل ما عليك فعله هو التحقّق من هاتفك. لا مفر من التحديات التي عادةً ما تُصاحب إطلاق تكنولوجيا جديدة في منطقة جديدة، فهذا ما حدث مع دولة الإمارات.

تُخضِع هيئة كهرباء ومياه دبي (ديوا) أنظمة التبريد متغير التدفق التي تستخدم الطاقة الشمسية لعمليات اعتماد صارمة، وخاصةً في فئة العاكسات.

IMAGE: نيا

قال عماد في تصريحات أدلى بها لمجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا: “تتضمن هذه العملية تقديم شهادات اختبار شاملة تُظهِر أداء النظام ومدى امتثاله لمعايير السلامة.” وأضاف: “يتمثل التحدي الرئيس في الوفاء بالمعيار العالي للاستدامة والذي تفرضه السلطات المعنية والحصول على الموافقات اللازمة من السلطات التنظيمية.

ومن الجدير بالذكر أن ديوا توفّر الآن هذا النظام على موقعها على الإنترنت.

يبدو كل هذا إيجابيًا، ولكن ماذا سيحدث عندما تغرب الشمس بينما الجو لا يزال حارًا بحيث يصعُب إيقاف تشغيل مكيفات الهواء؟

يحتوي النظام على اتصال مختلط يتغذّى على الطاقة الشمسية خلال ساعات النهار، ويعتمد تلقائيًا على شبكة الطاقة بمجرد غروب الشمس.

ولكن إذا كنت تفضل الاستمرار في استخدام الطاقة الشمسية خلال ساعات غروب الشمس، تقدم لك “جري” أيضًا قدرات متفاوتة لحلول التخزين لتعبئة تلك الطاقة وتخزينها لاستخدامها في يوم ممطر، ويعني ذلك المرونة للاحتفاظ بالتبريد المستدام على مدار الساعة.

وبينما ترتفع درجة حرارة الكوكب، بات التبريد ضرورة سواءً في الإمارات أو في كافة أنحاء العالم.

يتطرق تحالف التبريد التابع للأمم المتحدة، إلى مسألة توفير التبريد المستدام الذي يُعَد ضروريًا وقد اجتمع أعضاء التحالف في الدنمارك في عام 2019 لمناقشة الحماية البيئية في ظل الحرارة المتصاعدة.

قالت راتشيل كايت، الرئيسة التنفيذية لمنظمة الطاقة المستدامة للجميع التابعة للأمم المتحدة، في خبر صحفي صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة: “بات التبريد ضرورة وليس رفاهيةً في عالم ترتفع فيه درجات الحرارة باستمرار، حيث يحتاج مئات الملايين من البشر المعرّضين للخطر في يومنا هذا بسبب الارتفاع الشديد في درجات الحرارة، للحماية ويتعين علينا حمايتهم على نحو يضمن أيضًا حماية الكوكب من الانبعاثات الكربونية المتزايدة.”

وقد حددت الإمارات لنفسها هدفًا طموحًا يتمثل في تقليل انبعاثاتها الكربونية إلى الصفر بحلول عام 2050 كما هو موضح في استراتيجيتها للطاقة النظيفة لعام 2050.

ويُقدَّر حجم انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون الذي ستساعد منظومة التبريد متغير التدفق من “جري” على منعه، بنحو 11,130 كيلوجرام سنويًا لكل منزل عادي.

التقارير التي تفيد بانتهاء دور
الطاقة النووية مبالغ فيها

ستظل الطاقة النووية جزءًا لا يتجزأ من مجموعة مصادر الطاقة النظيفة حتى في الدول التي توقفت سابقًا عن الاستثمار في هذه التكنولوجيا، على الرغم من قيام بعض دول العالم بمحاربة ارتفاع تكاليف الطاقة ودرجات الحرارة العالمية.

ألغت اليابان، على سبيل المثال، دعمها للطاقة النووية بعد كارثة فوكوشيما عام 2011، عندما ضربها تسونامي وزلزال نتج عنهما فقدان الطاقة وفشل أنظمة التبريد في ثلاثة مفاعلات، إلّا أن البلاد أعلنت في عام 2022 أنها ستعيد تشغيل محطاتها القديمة وإطالة عمر المحطات إلى أكثر من ستين عامًا وبناء مفاعلات الجيل التالي.

يجب علينا إنتاج المزيد من الكهرباء، فنحن بحاجة إلى كهرباء نظيفة ونظام طاقة مستقر.

إليزابيث سفانتيسونوزيرة المالية في البرلمان السويدي

ومن جهة أخرى، تعيد دول أخرى الاستثمار في الطاقة النووية، حيث تستثمر العديد من الولايات الأمريكية التي تملك أهدافًا مناخية أكثر فعالية، ملايين الدولارات في قطاع الطاقة النووية.

يقول جو فيورداليسو، رئيس مجلس إدارة المرافق العامة في نيوجيرسي، في مقال بموقع “بيوتراستس: “على الرغم من أننا ننتقل بسرعة إلى استخدام الطاقة النظيفة، إلّا أن هذا سيستغرق بعض الوقت، فلا يمكننا بناء مصادر الطاقة المتجددة بالسرعة الكافية، ولا يزال الناس بحاجة إلى الطاقة، كما تُعتبر الأسلحة النووية جزءًا مؤقتًا مهمًا من هذا المزيج.”

يُذكر أن الولايات المتحدة شغّلت أول مفاعل جديد لها خلال 40 عامًا في جورجيا عام 2023.

وأعطى البرلمان السويدي الضوء الأخضر في يونيو الماضي لخطط بناء مفاعلات نووية جديدة، كما تخطط البلاد لبناء 10 محطات نووية في العشرين عامًا القادمة كجزء من هدف الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2045، وقد صوتت البلاد قبل 40 عامًا لصالح التخلص التدريجي من الطاقة النووية.

من جانبها، قالت وزيرة المالية إليزابيث سفانتيسون في البرلمان لوكالة رويترز: “يساهم ذلك في إيجاد الظروف الملائمة للطاقة النووية، كما يجب علينا إنتاج المزيد من الكهرباء، فنحن بحاجة إلى كهرباء نظيفة ونظام طاقة مستقر.”

ووصل عدد المحطات النووية التي تعمل في حوالي 30 دولة 439، منذ شهر مايو من عام 2022، وحصلت الولايات المتحدة على أكبر عدد من الأصوات، والذي يُقَدَّر بـ92 صوتًا.

وتعتبر محطة براكة في دولة الإمارات واحدة من أحدث المحطات في العالم، والتي افتُتحت في عام 2020 وبدأت العمل عام 2021. وتحتوي محطة براكة على ثلاثة مفاعلات في المحطة قيد التشغيل، ومن المتوقع أن يبدأ تشغيل المفاعل الرابع عام 2024.

وقال سعيد العامري، دكتور في قسم الهندسة الميكانيكية والنووية في جامعة خليفة: “تُعتبر الطاقة النووية مهمة جدًا في محفظة الطاقة، كما يعد شروع دولة الإمارات بالخطوة الأولى في البرنامج النووي أمرًا هامًا أيضًا في مجال أمن الطاقة في البلاد والحد من انبعاثات الكربون.”

يُعتبر من الضروري استخدام حلول مضمونة وذات تكلفة منخفضة لتحقيق الوصول الآمن إلى الكهرباء منخفضة الكربون على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع لدعم التنمية الاجتماعية والاقتصادية للجميع

هنري بريستون، عضو في الجمعية النووية العالمية


وأعرب محمد إبراهيم الحمادي، رئيس المنظمة الدولية للمشغلين النوويين، عن حرصه على مستقبل التكنولوجيا في دولة الإمارات في افتتاح المفاعل الثالث في العام 2022 في محطة براكة، حيث قال: “تقوم محطة براكة بدور ريادي في قطاع الطاقة من خلال الحد من انبعاثات الكربون، كما تساهم في الإنتاج المستدام لكميات وفيرة من الكهرباء لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة”.

وعلق سعيد مضيفًا أن دولًا أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كالسعودية ومصر تستثمر في مجال الطاقة النووية، حيث بدأت مصر أعمال البناء في موقع الضبعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط في عام 2022.

وفي السياق، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في عام 2022 عن ستة مفاعلات جديدة سيتم تشغيلها بحلول العام 2050.

وأكد هنري بريستون، العضو في الجمعية النووية العالمية، أهمية العام 2050.

وقال لمجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا: “يتوقع أن يزيد الطلب على الكهرباء بنسبة 50% على الأقل بحلول عام 2050 في ظل تزايد عدد سكان العالم وبالتالي زيادة الحاجة لاستهلاك الكهرباء وسهولة الوصول إليها، لذلك يُعتبر من الضروري استخدام حلول مضمونة وذات تكلفة منخفضة لتحقيق الوصول الآمن إلى الكهرباء منخفضة الكربون على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع لدعم التنمية الاجتماعية والاقتصادية للجميع.”

الاعتماد على الطاقة منخفضة الكربون

ووصفت وكالة الطاقة الدولية، وهي منظمة حكومية دولية مقرها باريس، في تقريرها الصادر في العام 2019، الطاقة النووية والطاقة المائية بأنها “العمود الفقري لإنتاج الطاقة منخفضة الكربون”، حيث تساهم في توفير 75% من الطاقة منخفضة الكربون في العالم.

وقال هنري أن ذلك أدى إلى خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بأكثر من 70 غيغا طن على مدار 50 عامًا، حيث يعادل الغيغا طن الواحد حوالي ضعف كتلة جميع السكان على وجه الأرض، كما تعادل السبعون غيغا طن كمية الانبعاثات العالمية المرتبطة بالطاقة لمدة عامين تقريبًا.

ندرك أن الطاقة النووية بحد ذاتها طاقة نظيفة، كما أن تكلفة التشغيل ليست مرتفعة وتساهم بشكل متواصل في رفد الشبكات بالطاقة

سعيد العامري، جامعة خليفة

وأشار مكتب الطاقة النووية الأمريكي إلى أن المفاعلات لها آثار مادية ضئيلة وتحتاج إلى ما يقارب من ميل مربع لتشغيلها. وعلى صعيد آخر، أكد معهد الطاقة النووية أن مزرعة الرياح التي تنتج الكمية نفسها من الكهرباء تحتاج إلى مساحة أرض أكبر بمقدار 360 مرة، حيث تُعرف مزارع الطاقة الشمسية بأنها أصغر حجمًا، لذلك فهي تحتاج إلى مساحة أكبر بحوالي 75 مرة لإنتاج الكمية نفسها من الكهرباء.

ويعد استخدام الأراضي إحدى القضايا التي تناولتها الورقة البحثية “الفلسفة والتكنولوجيا” التي نشرها كل من سيمون فريدريش ومارتن بودري في العام 2022 والتي ركزت على أخلاقيات الطاقة النووية في حالات تغير المناخ. وخلص الباحثون إلى أنه وإن تم التركيز على قضايا مثل التخلص من النفايات واستنفاد احتياطيات اليورانيوم، لا تزال الحاجة إلى الاستثمارات في الطاقة النووية قائمة كجزء من تحقيق محفظة واسعة النطاق في مجال الطاقة، مما يساهم في الحد من مخاطر الفشل في إزالة الكربون”.

التطلع إلى المستقبل

تنبأ تقرير وكالة الطاقة الدولية لعام 2019 مخاطر الانخفاض الحاد في استخدام الطاقة النووية في الاقتصادات المتقدمة، وهناك بعض العيوب في هذه التكنولوجيا تتمثل بارتفاع تكلفة البناء وحاجتها للوقت الطويل لتنفيذ العمليات، كما تُعتبر الطاقة التي تنتجها مرتفعة التكلفة الاقتصادية بشكل كبير، حيث ارتفعت أسعارها بنسبة 40% لكل كيلوواط منذ عام 2011، في حين تواصل الطاقة الشمسية انخفاض أسعارها. وفي ظل وجود مشكلة التخلص من النفايات التي لا تزال عالقة، أكد هنري بريستون، من الجمعية النووية العالمية، تفاؤله في هذا الصدد.

قال هنري: “يتوقع أن تعمل المفاعلات المتوفرة في يومنا هذا لمدة تتراوح ما بين 60 إلى 80 عامًا، حيث ساهم بناء هذه المحطات وعمليات التشغيل القائمة فيها في إيجاد آلاف فرص العمل ذات الجودة العالية طويلة الأمد، إلى جانب توفير مجموعة كبيرة من المزايا الاجتماعية والاقتصادية التي تعزز الاقتصادات المحلية والإقليمية”.

وقال سعيد العامري في جامعة خليفة: “ندرك أن الطاقة النووية بحد ذاتها طاقة نظيفة، كما أن تكلفة التشغيل ليست مرتفعة وتساهم بشكل متواصل في رفد الشبكات بالطاقة”.

اسأل الخبراء: ما مستقبل الهيدروكربونات
في عالم البيئة المستدامة؟

يجب تغيير السلوكيات الآن

مايكل جيفرسون


تواجهنا بعض المشكلات، من ناحية العرض، في سعينا لتحقيق عالم البيئة المستدامة. فعلى سبيل المثال، تعتبر المملكة المتحدة أكثر الدول الأوروبية التي تشهد تشكل الرياح فيها ولكن في نفس الوقت لم تنجح طاقة الرياح خلال أول 11 شهرًا من عام 2021 بتوفير الطاقة الكهربائية لمدة 85 يومًا لم تستطيع تحقيق حتى 10% من الطاقة الكهربائية الكلية، الأمر الذي فرض الحاجة لاستخدام الغاز والفحم لسد الحاجة

ونتيجة لذلك، طُلب من منتجي طاقة الرياح الذين يساهمون في إنتاج الكهرباء عند عدم الحاجة إليها بإغلاق محطاتهم بشكل مؤقت. أما من ناحية الطلب، توجد أيضًا مشكلات تتمحور حول طريقة تكيف المجتمعات مع ارتفاع الطلب على الكهرباء بالتزامن مع الضغط على تقليل الاعتماد على المواد الهيدروكربونية، واحدة من تلك المشكلات هي إعادة شحن المركبات الكهربائية.

مايكل جيفرسون

مايكل جفرسون هو أستاذ في الجامعة الأوروبية لإدارة الأعمال في لندن Read more›››

وشغل سابقًا منصب رئيس الخبراء الاقتصاديين في شركة “شل إنترناشيونال” من العام 1974 حتى العام 1979، إضافة للعديد من المناصب في مجال التخطيط والتجارة والإمدادات النفطية. وشغل أيضًا مايكل جفرسون منصب نائب الأمين العام في مجلس الطاقة العالمي في الفترة ما بين 1990-1999 وكاتب رئيس وكاتب مساهم في التقارير الصادرة عن الفريق الحكومي الدولي المعني بشؤون تغير المناخ وحاصل على شهادة من الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ لإنجازاته في جائزة مسابقة نوبل للسلام 2007

تولى أيضًا منصب رئيس مجلس إدارة لجنة السياسات في الشبكة العالمية للطاقة المتجددة في الفترة 1991-2007 ومحرر أول في المجلة الدولية “إنيرجي بوليسي” من عام 2013 للعام 2019. ‹‹‹ Read less

ويوجد أيضًا اعتراض متزايد على استخدام البلاستيك، وتقدر نسبة المنتجات البلاستيكية بـ 9,000 مادة جميعها تعتمد على في تصنيعها على الهيدروكربون أو (المواد البتروكيميائية).

وبناءً على ذلك، لا نزال في الوقت الحالي في بداية مرحلة التحقق من التحديات الكبيرة في سعينا للتقدم نحو العالم الأخضر.

وفي هذا الإطار، يجب القيام بجهود أكبر في مجال استخدام الطاقة الشمسية وأبراج الرياح والتعلم من التصاميم المعمارية التقليدية طريقة الحد من الاعتماد على الهيدروكربون. ونحتاج جميعًا إلى الوعي بالعديد من الحاجات الأساسية التي توفرها البتروكيماويات والوقت الفعلي اللازم للتحول عن النفط في قطاع المواصلات والدور الرئيس الذي يلعبه الغاز في الانتقال للطاقة اللازمة.

وفي العديد من الدول يركز السكان بشكل عام على سلامة الطاقة النووية، وقليل منهم من لديه الوعي الكافي في مجالات سلامة الطاقة النووية والقيود والتحديات المتعلقة بطاقة الرياح أو طاقة الأمواج والمواد الحيوية ككل.

قد يعتقد القارئ بأنّي متشائم بلا مبرر، لكن أشير إلى أن الأنشطة التي يقوم بها الإنسان ساهمت برفع درجة الحرارة عالميًا إلى أكثر من درجة سلسيوسية واحدة خلال الـ 140 عام الماضية وقد ترتفع 3 درجات سلسيوسية في أواخر هذا القرن.

لقد عملت مع باحثين في مجال المناخ لمدة 40 عامًا ومع الفريق الدولي الحكومي المعني بتغير المناخ من العام 1991 إلى العام 2015 في العديد من المهام وأرى أن هناك حاجة ماسة لسياسات احترازية سليمة وتغيرات سلوكية للتصدي لمشكلة تغير المناخ.

 

تواصل الهيدروكربونات دورها الكبير

مي بوي


ساهمت الهيدروكربونات بتلبية كم كبير من حاجات العالم للطاقة لقرون، فهمي مستخدمة في العديد من مجالات الحياة ولعبت دورًا محوريًا في قطاع الطاقة والصناعة والنقل والقطاعات التجارية والسكنية، حيث تبلغ نسبة الاستهلاك العالمي من الوقود الأحفوري في الوقت الحالي 84%. وعلى نطاق عالمي وصل مجموع انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون 36.4 في العام 2019 والتي انخفضت لنسبة 34.7 في العام 2020 بسبب جائحة كوفيد-19.

مي بوي

مي بوي هي باحثة مشاركة في مركز السياسة البيئية في جامعة إمبريال كوليدج لندن

أدركت عدد من الدول والشركات حاجتهم لتحقيق هدف الوصول لمجموع انبعاثات يساوي صفرًا بحلول العام 2050، والعام 2060 بالنسبة للصين

وعلى نطاق محلي، يعتبر الوصول لنسبة انبعاثات تساوي صفرًا تحديًا كبيرًا، فهو يتطلب مستويات غير مسبوقة لخفض انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري وإزالتها من الغلاف الجوي.

ويقوم التحول للصافي الصفري على مجموعة متنوعة من الخيارات التكنولوجية التي تشمل الطاقة المتجددة والهيدروجين وتحسين كفاءة الطاقة.

وتلعب تكنولوجيات التقاط الكربون وحفظه دورًا هامًا في الحد من الانبعاثات المرتبطة بالهيدروكربون في قطاع الطاقة والقطاع الصناعي، إضافة لإنتاج الهيدروجين منخفض الكربون المستخرج من الغاز الطبيعي والمواد الحيوية للاستفادة منه في مجال النقل أو تدفئة الأماكن السكنية. ويمكن الاستفادة من تكنولوجيا التقاط الكربون وحفظه في إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي للتخلص من بقاياه التي لم يتم التقاطها.

وقد تواصل الهيدروكربونات دورها الكبير في العقود القادمة خاصة في الدول والقطاعات التي تعتمد في الوقت الحالي على الوقود الكربوني. وقد يبدو العام 2050 بعيدًا جدًا، إلا أن الحد من انبعاث الغازات يتطلب تغييرات رئيسة في البنية التحتية على نطاق كبير وتنفيذ التكنولوجيات منخفضة الكربون بشكل واسع

قد يكون التقاط الكربون وحفظه الحل الأفضل لمواجهة الاحتباس الحراري. الصورة : Shutterstock

إضافة لذلك، تحظى الدول بدور بارز في تطوير سياسة قادرة على دعم وتسهيل الانتقال للصافي الصفري، وبالرغم من الحاجة الملحة لإجراء عاجل لابد من تحقيق التحول لمستقبل أخضر بطريقة غير مكلفة اقتصاديًا ومتوازنة اجتماعيًا.

نحن نهدف إلى تحقيق التوازن الصحيح بين التكلفة وأمن الطاقة واستيفاء أهداف الحد من الانبعاثات مع تفادي أية آثار سلبية على المجتمع والبيئة.

 

ثلاث طرق للوصول لمستقبل يتحقق فيه الصافي الصفري

مارتن هاي


نحتاج للتخلص من مشكلة الاحتباس الحراري العالمي وارتفاع درجات الحرارة بشكل متزايد إلى تحقيق الصافي الصفري لانبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون على المدى البعيد

ويعني ذلك أنه يجب علينا اتباع طريق معين للحد من اعتمادنا على الهيدروكربون الأحفوري يمكن أن نختصرها بالخيارات الثلاثة التالية:

  • عدم حرق الهيدروكربون الأحفوري والاستفادة منه بدلًا من ذلك في صنع المنتجات البلاستيكية التي يمكن إعادة تدويرها أو التخلص منها بطريقة مسؤولة.
  • حرق الهيدروكربون الأحفوري والتقاط الغازات المنبعثة.
  • حرق الهيدروكربون الأحفوري وموازنة الانبعاثات بانبعاثات أخرى في مكان آخر.

وهنا، يتمحور النقاش حول آلية تحقيق ذلك. نظرًا للاستخدام الواسع للهيدروكربون في مختلف الاقتصادات ومختلف جوانب الحياة، فإن الآثار المترتبة على ذلك جذرية تتمثل بالعدالة والمساواة. ما هي الاستخدامات التي تعتبر قانونية؟ كم من الوقت تحتاج الدول النامية للتخلص من الكربون؟ هل يمكن لنسب انبعاث الغازات في الدول النامية أن ترتفع لفترة ما لاستيفاء أهداف التطور؟

  • الطلب أو العرض في مجال الهيدروكربون الأحفوري، هل يمكنك إجراء التغييرات من خلال الحد من إنتاج الهيدروكربون الأحفوري أم هل ستعالج مشكلة الطلب بإيجاد تغيير دائم؟
  • الاقتصادات والنواحي العملية. ما حجم التغيير الذي سيتحقق بحلول العام 2030؟ ما هي الآثار المترتبة على التغيرات؟ ما هي السياسات الأكثر تأثيرًا على حركة التغيير؟
مارتن هاي

يركز مارتن هاي على نمذجة الطاقة طويلة الأمد من خلال السيناريوهات المعروضة

تعتبر هذه الأمثلة قليلة، لكنها تدخل في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والمجتمعية. قمنا بالكشف عن مجموعة من البدائل في السيناريوهات التي طرحناها، الأمواج والجزر والسماء 1.5 التي يمكن التعرف إليها من خلال هذا الرابط الذي يبين محركات التغيير والآثار المترتبة على نظام الطاقة والهيدروكربون والمواد غير الهيدروكربونية.

ففي سيناريو السماء 1.5، الذي يمثل عالم سريع من التغيير في نظام الطاقة، نركز على الوسيلة العملية لضمان زيادة في درجة الحرارة تصل إلى 1.5 درجة سلسيوسية تفوق معدلات ما قبل الصناعة بحلول العام 2100، ويشمل ذلك جميع الخيارات المتاحة التي تتضمن انبعاث الغازات الضارة والحلول التكنولوجية المتمثلة بالطاقة الحيوية المرتبطة بالتقاط الكربون وحفظه والحلول الطبيعية التي ترتكز على الطبيعة.

وفي مجال الأمواج، تمثل المطالبة والرغبة واسعة النطاق في تعزيز تحول الطاقة من خلال التركيز على الحد من الاعتماد على المواد الهيدروكربونية الأحفورية لأنها تشكل السبب الرئيس لمشكلة تغير المناخ. ويشترك سيناريو الأمواج مع سيناريو سماء 1.5 بالتطور الكبير في مجال مصادر الطاقة المتجددة والهيدروجين، لكن في سيناريو الأمواج ليس هناك دور أساسي لتقنية التقاط الكربون وحفظه وإنما تأخذ الانبعاثات وقتًا أطول لتصل للذروة وتنخفض.

التحول إلى الطاقة النظيفة يتعدى حدود انخفاض معدل استهلاك الطاقة. الصورة: Shutterstock

ليس هناك، في سيناريو الأمواج، دور أساسي لتقنية التقاط الكربون وحفظه وإنما تأخذ الانبعاثات وقتًا أطول لتصل للذروة وتنخفض. وفي سيناريو الجزر، ينخفض الطلب على طاقة الهيدروكربون بشكل تدريجي بطيء نظرًا لتركيز الدول على تحفيز الاقتصادات الراكدة ومواجهة القضايا المحلية.

ويكمن الوجه الآخر للعوامل المؤدية للنمو البطيء في انخفاض الطلب على الهيدروكربون في وتيرة الانتقال البطيئة والمشابهة للمعايير السابقة.وفيما يلي توقعاتنا حول مستقبل العرض والطلب على النفط، مقتبسة من صفحة 68 في كتيبنا.

وعلى المدى البعيد، سينتهي الطلب على النفط ولكن يختلف توقيت الوصول لذروة ذلك ويحتمل أن يكون في هذا العقد (سماء 1.5). وبناءً على ما تقدم، هناك العديد من الاتجاهات الإقليمية وراء ذلك واتجاهات في مختلف أشكال القطاعات. وتواصل بعض الاستخدامات خارج نطاق الطاقة (كاستخدام مواد البلاستيك) فعاليتها خلال القرن، إلا أنها تبتعد بشكل سريع عن بعض القطاعات كقطاع السيارات. وتوفر مجموعة البيانات التي نقدمها أرقامًا ضمن الرسم البياني إلى جانب توقعاتنا ومصادر الطاقة وطريقة الاستفادة من مختلف أشكال الطاقة المتقدمة.

 

تحتاج دول الخليج لأن تتصدر هذا المجال

عدنان شهاب الدين


مع زيادة الرغبة في التحول العالمي لمصادر الطاقة النظيفة أو ما يعرف بـ (الصافي الصفري للانبعاثات) بحلول العام 2050، اعتمد مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ (كوب-26) في نوفمبر مجموعة من القرارات التي تضمنها “ميثاق غلاسكو للمناخ” والذي يهدف إلى تحقيق هدف اتفاق باريس للمناخ المتمثل بالحفاظ على الارتفاع المتوقع في معدل درجة الحرارة العالمي إلى ما دون 1.5 درجة سلسيوسية.

تأتي تكنولوجيات الطاقة المتجددة، وبالتحديد طاقة الرياح والطاقة الشمسية، في مقدمة مصادر الطاقة النظيفة. وقد تكون الطاقة النووية وطاقة الوقود الأحفوري النظيف محايد الكربون أيضًا جزءًا من مجموعة مصادر الطاقة النظيفة، إلا أن أدوارها غير مضمونة نتيجة مجموعة من الأسباب التي تشمل الطريقة المثالية للتحول وتكنولوجياتها المكونة لها والتكاليف الاستثمارية التي تُقدر بـ 5 تريليون دولار سنويًا بحلول العام 2030 وفقًا لسيناريو وكالة الطاقة الدولية للعام 2050.

ولا تزال هناك بعض الفروقات الملحوظة في الدول الصناعية والتي تتمحور حول آلية متابعة إجراءات الحد من الانبعاثات، حيث تعارض بعض الدول وبشدة التوسع في مجال الطاقة النووية وتكنولوجيات الوقود الأحفوري النظيف وتعارض بعض الدول الأوروبية إدراج هذه التكنولوجيات في قائمة مصادر الطاقة النظيفة وفي المنتجات الخاصة بالتجارة العالمية، الأمر الذي يشكل عائقًا أمام التخطيط لتصدير واستيراد الهيدروجين الأحفوري النظيف (الهيدروجين الأزرق) والأمونيا

عدنان شهاب الدين

الدكتور عدنان شهاب الدين باحث أول زائر في معهد أكسفورد لدراسات الطاقة وعضو مجلس في معهد كيرني للتحول في الطاقة في أمستردام وعضو مجلس بنك الخليج في الكويت

وتراهن هذه الدول ونشطاء البيئة على إمكانية الطاقة المتجددة في توفير جميع إمدادات الطاقة النظيفة اللازمة بالرغم من العراقيل التقنية والاقتصادية التي تحول دون زيادة مساهمتها في شبكات الكهرباء عن معدل 30%. ويتنبأ عدد من سيناريوهات تحول الطاقة بحدوث انخفاض حاد بمساهمة الطاقة الأحفورية في مجموع الطلب من 80% إلى 20% بحلول العام 2050 وفقًا لتقرير وكالة الطاقة الدولية للعام 2050، وتعتبر هذه السيناريوهات غير واقعية ومكلفة اقتصاديًا ومن الصعب تحققها

ومن مجموعة السيناريوهات الأخرى واسعة النطاق، سيناريو منظمة الدول المصدرة للنفط في تقريرها السنوي الأخير لتوقعات النفط العالمية الذي يتوقع زيادة الطلب على النفط والغاز حتى العام 2045 حتى وإن كانت الزيادة بطيئة نظرًا لانخفاض حصة المصادر الأحفورية إلى نسبة 70%

وبغض النظر عن درجة التشاؤم أو التفاؤل في هذه السيناريوهات، يعتبر الهدف والمسار في هذا الصدد واضحًا وقطعيًا وهو التحول السريع لمصادر الطاقة النظيفة وما تشمله من تكنولوجيات متنوعة. ومن ناحية أخرى، يُحاط الاهتمام المتزايد بحماية البيئة بنظرة سلبية تجاه مصادرة الطاقة الأحفورية

وهو ما يساهم في تسريع التغيير في السياسات في حال لم تقم الدول التي تحظى بمخزون ضخم من مصادر الطاقة الأحفورية، كدول الخليج، بتشكيل استثمارات استراتيجية لتطوير تكنولوجيات التقاط ثاني أكسيد الكربون والاستفادة منه وحفظه، والتي تشمل الالتقاط المباشر لثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي.

تعتبر هذه الاستثمارات كبيرة جدًا إلا أن نتيجتها مجدية جدًا، خاصة وأنها تحافظ على الدور الفعال لمصادر الطاقة الأحفورية. ويتم في الوقت الحالي تنفيذ العديد من المشاريع التي تعتمد على تكنولوجيات التقاط الكربون وحفظه من قبل الدول المنتجة للنفط والغاز، لكن لا تزال قدرات معظم تلك الدول صغيرة الحجم وعددها يرتفع ببطء نتيجة التكاليف المرتفعة

وانسجامًا مع دعوة وكالة الخليج التجارية للدول الأعضاء لوضع أهداف الحد من انبعاثات الكربون، يتعين على دول الخليج الإعلان عن مبادرة طموحة وهادفة يتعهدون من خلالها بتزويد جميع محطات الطاقة الأحفورية بمعدات أنظمة التقاط الكربون وحفظه بحلول العام 2035، حيث تمثل هذه المبادرة موضع ترحيب بالنسبة للعالم، كما أنها ستساهم في الحد من انبعاث ثاني أكسيد الكربون في دول الخليج بنسبة تقريبية تصل إلى 25% أي نسبة 1% من مجموع انبعاثات الغاز عالميًا، وهو انخفاض ملحوظ مقارنة بحجم اقتصادات تلك الدول الذي تبلغ نسبتها 1.8 من الاقتصاد العالمي.

تحظى بعض الدول بوجهات نظر خاصة فيما يتعلق بآلية التحول إلى الطاقة النظيفة في مستقبل ما بعد الكربون. الصورة: Shutterstock

إضافة لذلك، سيساهم تنفيذ هذه المبادرة بشكل ملحوظ في خفض كلفة تكنولوجيات التقاط الكربون وحفظه وزيادة قبولها واعتمادها عالميًا وضمان استمرارية الدور الفعال للنفط والغاز للنصف الثاني من هذا القرن، إلى جانب توفير مصادر الطاقة النظيفة (الكهرباء والوقود) للدول الفقيرة في العالم.

ومؤخرًا، قامت دول الخليج باتخاذ خطوات مشجعة في هذا الاتجاه، حيث اعتمدت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات استراتيجيات واضحة ودقيقة في مجال تحول الطاقة.

وكجزء من رؤيتها للعام 2030، نفذت السعودية مبادرات بيئية رئيسة وبرامج للحد من الانبعاث اشتملت على مبادرة “السسعودية الخضراء” التي أعلنت السعودية من خلالها عن التزامها بتحقيق الحياد الكربوني بحلول العام 2060 وإنتاج 50% من الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بحلول العام 2030

وعلى نهج مشابه، أطلقت دولة الإمارات منذ 15 عامًا مبادرات رائدة وأنشأت مدينة مصدر للطاقة النظيفة وأربع محطات للطاقة النووية والعديد من محطات الطاقة الشمسية الكبيرة بقدرة تفوق 2 غيغا واط. ولنتمكن من جعل تكنولوجيات التقاط الكربون وحفظه والوقود الأحفوري النظيف جزءًا مهمًا من مستقبل مصادر الطاقة النظيفة عالميًا، نحتاج المزيد من الاستثمارات والابتكارات في هذا الإطار

وتعد دول الخليج والدول النفطية الأخرى المستفيد الأكبر في حال تنفيذ المزيد من الابتكارات والاستثمارات، وهم الخاسر الأكبر في حال عدم تنفيذ أية حلول.

أنهار الغلاف الجوي

هل تعتقد أن نهر الأمازون هو أكبر نهر في العالم؟ نظريًا، يعتبر نهر الأمازون النهر الأكبر على سطح الأرض، لكن هناك أنهار يشكل حجمها ضعف حجم نهر الأمازون وتوجد في الغلاف الجوي.

تتميز أنهار الغلاف الجوي بطولها ونطاقاتها الضيقة المكونة من بخار المياه المركَّز الذي ينتج عنه كميات كبيرة من الأمطار. وتتوفر أنهار الغلاف الجوي على نطاق عالمي، حيث تقوم بنقل الرطوبة من المناطق المدارية إلى خطوط العرض العليا ويمكن أن تؤثر بشكل كبير على طريقة عيش الأفراد.

قالت كايلي ماتنغلي، من جامعة ويسكونسن:”تعتبر أنهار الغلاف الجوي مسؤولة عن مجموعة من الآثار الهامة التي تحدث في خطوط العرض الوسطى والقطبية والتي تشمل الفيضانات والتأثير على مصادر المياه وذوبان الصفائح الجليدية القطبية”.

الصورة: Unsplash
تشبه الإعصار لكنها تختلف

أنهار الغلاف الجوي ليس أعاصير كبيرة. Read more›››

على الرغم من أن أمهار الغلاف الجوي تشترك في بعض الخصائص التي تشمل (الرياح العالية وكميات كبيرة من الأمطار القادمة من المناطق المدارية). تعتبر أنهار الغلاف الجوي مستدامة وتتضمن مجموعات متحركة من الرطوبة ذات الأثر واسع النطاق، وتشبه الطائرة النفاثة لكنها مليئة بالرطوبة وأقرب من سطح الأرض.

من جهة أخرى، تعتبر الأعاصير أنظمة عواصف سريعة الحركة تركز محتواها المائي كأمطار في مناطق أصغر، وتستمد الأعاصير الحرارة من المناطق المدارية والقطبية، وهو ما يلعب دورًا هامًا في تنظيم المناخ العالمي. أما أنهار الغلاف الجوي، فتستمد الرطوبة من المناطق المدارية وتقوم بتوزيعها في جميع أنحاء العالم.‹‹‹ Read less

وذكر كل من يونغ زو وريجينالد نويل، الباحثان اللذان صاغا مصطلح “أنهار الغلاف الجوي”، في ورقتهما البحثية التي نُشرت عام 1998 أن أنهار الغلاف الجوي تشكل أكثر من 90% من كميات بخار المياه المنقولة ما بين الشمال والجنوب.

ويتراوح عدد الأنهار الموجودة في نصف الكرة الأرضية من ثلاثة إلى خمسة أنهار، وقد يتمتع النهر الواحد بتدفق مياه أكبر من نهر الأمازون يصل تقريبًا لـ 6,592 كيلو متر مكعب من المياه في كل عام، أي ما يعادل أكثر من مجموع أكبر سبعة أنهار في العالم.

وتساهم أنهار الغلاف الجوي في تجديد احتياطي مخزون المياه وإعادة توزيعها في النظام الأرضي، إلا أنها قد تلحق الضرر بالأماكن التي تترسب فيها مياهها.

لوحظ في الآونة الأخيرة وجود علاقة وثيقة تربط ما بين العديد من الظروف الجوية والمناخية الصعبة كالفيضانات القوية والرياح الشديدة من جهة وأنهار الغلاف الجوي من جهة أخرى، حيث تقوم هذه الأنهار المليئة بالرطوبة التي تمتد من المناطق المدارية نحو القطب كأحزمة ناقلة لكميات كبيرة من الرطوبة المدارية إلى الأنظمة الجوية لتعزز كثافة الأمطار هناك. لذلك، يرتبط هطول الأمطار القياسي بأنهار الغلاف الجوي التي تصل إلى اليابسة.

الجدير بالذكر أن الأمطار الناتجة عن أنهار الغلاف الجوي لا تتكون بشكل سريع ومفاجئ، بل تمر عبر مختلف الظروف الجوية خلال رحلتها. فعندما تكون الظروف الجوية مناسبة للهطول، يتم إنتاج المياه على شكل مطر أو ثلج كما هو الحال في المناطق الجبلية التي تستحوذ على الرطوبة في أنهار الغلاف الجوي حالما تتحرك الرياح نحو لأعلى باتجاهها.

ظاهرة قديمة جديدة

لوحظ وجود أنهار الغلاف الجوي في السماء منذ ملايين السنين على الرغم من اكتسابها الاسم في العام 1998. لذلك، فهي لا تعتبر ظاهرة جديدة. لكن لماذا برزت أنهار الغلاف الجوي بشكل ملحوظ في العصر الحالي؟

بسبب مشكلة تغير المناخ.

وإضافة إلى أن مصطلح “أنهار الغلاف الجوي” هو مصطلح هام ومتعدد الاستخدامات، قالت كايلي: “يساهم المصطلح المجازي (أنهار الغلاف الجوي) في تسهيل نقل الأفكار العلمية بشكل واضح بين سكان المنطقة. ففي كاليفورنيا مثلًا ، يحظى المصطلح بأثر بارز في مجال ربط الأفراد ما بين التجارب المناخية الشخصية والعمليات التي يتم توظيفها على نطاقات واسعة في المنظومة المناخية”.

ويعتبر الفهم الشامل لأنهار الغلاف الجوي أمرًا في غاية الأهمية في مجال تحسين عمليات التنبؤ المناخي الرامي إلى رفع مستوى إدارة مصادر المياه والتنبؤ بمخاطر الفيضانات، على الرغم من تأثر تلك الأنهار بمشكلة تغير المناخ.

ركزت البحوث السابقة على العلاقة ما بين الأنماط المناخية وتطور أنهار الغلاف الجوي، لكن بوجود تغير المناخ قد تصبح هذه الخصائص عرضة للتغيرات والتي يمكن بالتالي أن تزيد من صعوبة التنبؤ.

يعتبر سقوط الأمطار الناتجة عن أنهار الغلاف الجوي بكميات كبيرة في منطقة الشرق الأوسط أمرًا نادر جدًا، وإن حدث ذلك فإنه يُستفاد منها في سقي الواحات والمحاصيل وغسل الغبار والأتربة التي تتراكم في المدن. ولكن قد يكون حجم الضرر الناجم عن تلك الأمطار أكبر من حجم الفائدة المرجوة.

تتميز ظاهرة أنهار الغلاف الجوي العالمية بتأثيرات بعيدة المدى على الأنماط الجوية والكوارث الطبيعية.
الصور: Unsplash وPexels

ولا تزال المعلومات المتوفرة عن دور أنهار الغلاف الجوي في صناعة الكوارث الطبيعية المناخية والفيضانات قليلة في منطقة الشرق الأوسط، على الرغم من توفر عدد كبير من البحوث التي توضح تلك الآثار في أوروبا ومنطقة غرب الولايات المتحدة.

وفي سياق متصل، تمت ملاحظة أثر أنهار الغلاف الجوي في حدوث فيضانات كبيرة في مارس 2019 في إيران ساهمت في إلحاق الضرر بثلث البنية التحتية هناك، كما شوهدت العديد من حالات الوفيات التي بلغت 76 حالة. بدأ النهر رحلته التي امتدت لمسافة 9,000 كيلومتر في المحيط الأطلسي ووصلت إلى منطقة اليابسة فوق جبال زاغروس، كما امتدت لمسافات فوق شمال إفريقيا لوجود بعض الظروف المناخية الخاصة لذلك والتي تشمل ارتفاع درجات الحرارة غير الطبيعي فوق سطح البحر.

هل يمكن اعتبار ارتفاع درجات الحرارة فوق سطح البحر مؤشرًا لظاهرة الاحتباس الحراري؟ تتجاوز كمية الرطوبة التي تم نقلها عبر هذا النهر الجوي الـ 150 ضعف تدفق أربعة أنهار رئيسة مجتمعة مع بعضها في المنطقة كنهر دجلة ونهر الفرات ونهر كارون ونهر كرخة، ولا يزال سكان تلك المنطقة يعانون من تبعات ذلك.

شكل ذلك النهر الجوي في عام 2019 حالة فريدة من نوعها، وقد تمتد أنهار الغلاف الجوي لفترات أطول كما هو الحال في الأعاصير وعلى نطاقات أوسع وأكثر تدفقًا. وساهمت الدراسات الحديثة في نمذجة الطريقة التي ستتغير فيها أنهار الغلاف الجوي في العقود القادمة، حيث سيساهم ارتفاع درجات الحرارة في كوكب الأرض في زيادة نسبة تبخر المياه، وبالتالي تزداد نسبة الرطوبة في الغلاف الجوي وتزداد شدة العواصف.

الرياح الحارة والباردة

تتزايد عمليات البحث لفهم نشأة أنهار الغلاف الجوي في المناطق القطبية نظرًا لتكونها بالقرب من الأقطاب، وهو ما يتيح لها نقل كميات كبيرة من الرطوبة والحرارة. وتلعب أنهار الغلاف الجوي دورًا ملحوظًا خلال فترة زمنية قصيرة تشمل حدوث ذوبانات كبيرة للصخور الجليدية في منطقة القطب الشمالي والقطب الجنوبي في السنوات الأخيرة.

تعزي كايلي حدوث ذلك لعدة من الأسباب، حيث قالت: “أثبتت البحوث حتى الآن قدرة أنهار الغلاف الجوي على زيادة الذوبان الجليدي نتيجة الاحتباس الحراري الذي يعزز عمليات التبخر وبالتالي تتشكل السحب التي تعكس الحرارة مرة أخرى على السطح. إضافة لذلك، ترتبط أنهار الغلاف الجوي بشكل وثيق بالجبهات الجوية التي تعلو المحيط الجنوبي، الأمر الذي يعزز بالمقابل ديناميكيات الأعاصير في المناطق القريب من منطقة القطب الجنوبي”.

وقد شهدت العقود القليلة الماضية زيادة من عدد الأعاصير وكثافتها حول منطقة القطب الجنوبي نتيجة للاحتباس الحراري.

ونتج عن حدوث جرف (آمري) الجليدي في العام 1963 نشوء جبل جليدي كبير جدًا في سبتمبر 2019 يبلغ ارتفاعه 1,636 كيلومتر مربع ويصل وزنه لـ 315 مليار طن.

لذلك، يعتبر ذوبان الجليد في الأقطاب أمرًا في غاية الأهمية إلا أن الاحتباس الحراري والتغيرات الناجمة عنه التي تؤثر في الظروف الجوية والمناخية قد يساهم في تشكل المزيد من الأحداث الجليدية كالجبال والكتل الجليدية.

أثبتت البحوث حتى الآن قدرة أنهار الغلاف الجوي على زيادة الذوبان الجليدي نتيجة الاحتباس الحراري الذي يعزز عمليات التبخر

كايلي ماتنغلي، من جامعة ويسكونسن

يعتبر تكون الأعاصير عاملًا رئيسًا في هذا المجال، وتساهم زيادة تكرار أنهار الغلاف الجوي وارتفاع كثافتها في تفاقم المشكلة، وبدورنا لن نركز على تكوّن الجرَف الجليدية فقط.

على الرغم من بعد المسافات، ترتبط كل من الكثبان الرملية القادمة من الصحراء الكبرى والأغطية الجليدية للقارة القطبية الجنوبية بالظواهر العالمية المتعلقة بالغلاف الجوي.التصميم: أنس البني، مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا

قال كايلي: “يؤكد تحليلنا للحدث الجليدي (بولينيا) في سبتمبر 2017، وهي كتلة محيطية غير متجمدة ظهرت في كتلة جليدية خلال فصل الشتاء في المنطقة القطبية الجنوبية، على أن أنهار الغلاف الجوي التي سببت ذلك كانت ذات كثافة قياسية عالية. ونتج عن هذه الأنهار أيضًا تساقط أعلى كميات من الثلوج فوق المنطقة المعنية بالدراسة، ولكن ساهمت درجات الحرارة المرتفعة في ارتفاع درجة حرارة الثلج الذي عزز ذوبان الجليد وحال دون إعادة عملية التجمد”.

ويتوقع أن يزيد نشاط أنهار الغلاف الجوي في ظل ارتفاع درجات حرارة المناخ، وهو أمر يثير العديد من المخاوف على صعيد ذوبان الجليد في البحار خلال فصل الشتاء في القارة القطبية الجنوبية.

ومن جهة أخرى، يعمل الجرف الجليدي (بولينيا) ضمن مناطق الجليد البحري في نصفي الكرة الأرضية كواحات تساهم في تهيئة الحياة البحرية للثدييات كالحوت البحري (بيلوغا) ووحيد القرن وغيرها من الحيوانات البحرية.

تحدث جُرَف البولينيا الجليدي، كالجرف الجليدي في المياه الشمالية بين كندا وغرينلاند، في نفس المكان والزمان في كل عام، حيث يمكن للحيوانات في تلك المناطق التكيف مع هذا النظام، كما هو الحال أيضًا في الجرف الجليدية في منطقة مكموردو ساوند في المنطقة القطبية الجنوبية التي تساهم في توفير مكان هام في فصل الشتاء مزود بالغذاء لمستعمرات طيور البطريق في كيب رويدس.

الصورة: Unsplash
سنة غير مبشرة للمحار

قد تسبب أنهار الغلاف الجوي آثارًا ثانوية غير متوقعة، إضافة للحالة الجوية الصعبة. Read more›››

في العام 2011، ماتت كمية كبيرة من محار أولمبيا في شمال كاليفورنيا بسبب عدم تكيفها مع انخفاض مستويات ملوحة مياه المحيطات نتيجة الزيادة المفرطة لمياه الشرب التي تصلها من 20 نهرًا في الغلاف الجوي والتي عبرت المنطقة في الفترة ما بين 2010 أكتوبر وسبتمبر 2011.

ولا تزال هناك إمكانية أن تتأثر المزيد من الحياة المائية بزيادة تكرار أنهار الغلاف الجوي.‹‹‹ Read less

وتتمثل المشكلة في هذا السياق في كثافة أنهار الغلاف الجوي التي تؤثر على مساحات واسعة بشكل أكبر من تأثير الجرَف الجليدية الطبيعية (بولينيا)، الأمر الذي قد يعيق توسع الجليد البحري حول الجرف الجليدي، مما يؤدي إلى بقائه كمنطقة مفتوحة.

وبحث جوناثون ويل، باحث الدكتوراه في جامعة غرونوبل ألب، آثار أنهار الغلاف الجوي في القطب الجنوبي.

وقال جوناثون: “تشهد القارة القطبية الجنوبية، كغيرها من الصحاري الأخرى في العالم، هطول أمطار بنسب كبيرة في كل عام. وقد يكون تكرار الأمطار قليلًا نوعًا ما، إلا أنه يحظى بأثر ملحوظ فوق الصفائح الجليدية مسؤول عن سقوط الثلوج بنسب تتراوح ما بين 10% إلى 20% من مجموعة كميات الثلوج المتساقطة في منطقة شرق القطب الجنوبي”.

وأضاف: “تبدو تلك النسبة المئوية متواضعة إلى حد ما، إلا أنها تساهم في تعزيز اتجاهات تساقط الثلوج السنوي الإيجابي في بعض المناطق واتجاهات التساقط السلبي في مناطق أخرى. ويمكن لأنهار الغلاف الجوي كذلك التحكم بمتغيرات هطول الأمطار من عام لآخر فوق الصفائح الجليدية”.

وفي ضوء ذلك، يؤدي النشاط المتزايد لأنهار الغلاف الجوي مستقبلًا إلى تزايد تساقط الثلوج في القارة القطبية الجنوبية. وإذا قمنا بدمج تلك النتيجة مع نتائج كايلي سيتضح لنا أن الثلج هو السبب في ذوبان الجليد البحري.

بالقرب من سطح الأرض

إذا اعتبرنا أن القارة القطبية الجنوبية بعيدة جدًا لنتأثر بها، فلتتجه أنظارنا نحو جبال الألب الأوروبية الأقرب.

شهدت العقود الأربعة الماضية انخفاضًا واضحًا في عمق الثلوج في جبال الألب، وفقًا لما قالته الدكتورة ديانا فرنسيس، الأستاذة في جامعة خليفة، حيث لا يمكن إلقاء اللوم المباشر على ارتفاع درجات الحرارة في الكوكب بسبب ظهور نهر جوي جديد كان قد نشأ في البداية من منطقة شرق المحيط الأطلسي متجهًا نحو الصحراء الكبرى ومنها إلى أوروبا حاملًا معه بعض الأتربة والغبار.

قالت الدكتورة ديانا: “تلعب الغبار الدور الأكبر في ذوبان الثلوج مقارنة بدرجة حرارة الهواء المحيطة. ويتوقع أن الحدث الناجم عن الغبار في مارس 2018 نتيجة الرياح الرملية القادمة من الصحراء الكبرى إلى جبال القوقاز ، ساهم في تقليل مدة تغطية الثلوج بنسبة وصلت إلى 30 يومًا لا سيما في المرتفعات”.

الكرايوكونايت: هو غبار يتكون من مواد معدنية دقيقة وجسيمات عضوية يتم حملها مع الرياح لتتساقط بعد ذلك على الجليد.IMAGE: Shutterstock

تساهم الغبار الرملية في تعزيز عملية ذوبان الثلوج بعدد من الطرق.

تلعب الغبار الدور الأكبر في ذوبان الثلوج مقارنة بدرجة حرارة الهواء المحيطة.

ديانا فرنسيس, الأستاذة في جامعة خليفة

تساهم ذرات الغبار العالقة في الهواء في تعزيز الأثر الإشعاعي لتبخر المياه في أنهار الغلاف الجوي، الأمر الذي يعني قيام جزيئات الهواء بالتقاط أكبر كمية ممكنة من الرطوبة، حيث تشكل جسيمات الغبار أنوية لتكاثف السحب، وبالتالي تعزيز تطوير السحب التي تمطر على الجبال الثلجية فيما بعد.

تعمل ذرات الغبار الموجودة في الثلج على إعاقة أثر ظاهرة الألبيدو (مدى قدرة الأسطح على عكس الطاقة الشمسية)، حيث تعكس ذرات الثلج الأشعة فوق البنفسجية بشكل عكسي، مما يقلل من درجة الحرارة ويحافظ على البرودة.

تؤكد الدكتورة ديانا على أن الثلوج المغطاة بالغبار لا تقوم بذلك، وإنما تساهم ظاهرة الألبيدو في الثلج الناتجة عن الغبار القادمة من الصحراء الكبرى في تسريع ذوبان الثلوج بمدة تسبق المدة الزمنية المعتادة بـ 38 يومًا.

وهذا ليس كل شيء.

تقوم ذرات الغبار المعدنية في الثلج والجليد بتغذية الطحالب الدقيقة التي تنمو هناك، وذلك لا يبدو بالأمر السيء لكن عندما تنمو الطحالب والميكروبات بكميات كبيرة فإنها تتسبب بحدوث نتوءات على أسطح الجليد والثلج تسمى بفتحات الكريوكونايت.

استفادت كل من إيران ومصر والسعودية من بين ما مجموعه 21 دولة من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من هذه الظاهرة الهامة.

مهري أكباري، الأستاذة المساعدة في جامعة طهران

تميل الطحالب الدقيقة إلى التمركز في قاع هذه الفتحات مشكّلة كتلة سوداء، مما يساهم في زيادة الحد من أثر ظاهرة الألبيدو ومع ذوبان الثلوج يظهر المزيد من كتل المادة السوداء على السطح لتتشكل لدينا حلقة مفرغة.

وتساهم كذلك أنهار الغلاف الجوي القريبة من سطح الأرض في نشر الغبار في منطقة خطوط العرض الشمالية، ولكن بوجود أنهار الغلاف الجوي، لن يتمكن متزلجو جبال الألب من نيل فرصة التزلج والاستمتاع بالمنحدرات.

على الرغم من ذلك، سيسود الجفاف في كل مكان إذا خلا العالم من أنهار الغلاف الجوي، فهي هامة جدًا في مجال إعادة توازن توزيع المياه في جميع أنحاء الكوكب.

فإذا كانت زيادة الأمطار تسبب الأضرار في مع معظم الأحيان، فإن انحباس الأمطار أيضًا تسبب العديد من الأضرار. ومن ناحية ثانية، يساهم الفهم الشامل لمستقبل أنهار الغلاف الجوي في تعزيز دور مديري مصادر المياه على سطح الأرض.

أخبار جيدة!

ترى مهري أكباري، الأستاذة المساعدة في جامعة طهران، أنه يمكن الاستفادة من نتائجها في تطوير أنهار الغلاف الجوي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من خلال تعويض النقص الحاصل في مصادر المياه في هذه المنطقة الصحراوية.

تقع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في واجهة المناطق شبه المدارية وخطوط العرض الوسطى، ويعني هذا الموقع الجغرافي وجود حالة من عدم اليقين حول حجم التغيرات المتعلقة بهطول الأمطار في المنطقة مستقبلًا.

ولأن بخار مياه الغلاف الجوي يزداد بارتفاع درجات الحرارة، أكد باحثون من مختبر الدفع النفاث من جامعة بلمند دبي وجامعة كاليفورنيا وجامعة ولاية كاليفورنيا، في ورقتهم البحثية التي نُشرت في العام 2020 على أن زيادة هطول الأمطار سترتفع من ناحية الكثافة والتكرار في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وترى مهري أن ذلك سيكون أكثر فائدة من كونه يسبب ضررًا. وقالت: “تقع معظم المناطق القاحلة في العالم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. لذلك، يمكن اعتبار أنهار الغلاف الجوي مصدرًا ملائمًا للأمطار، حيث استفادت كل من إيران ومصر والسعودية من بين ما مجموعه 21 دولة من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من هذه الظاهرة الهامة”.

تشكل أنهار الغلاف الجوي نسبة أكثر من 30% من مجموع كميات الأمطار في منطقة في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كما يرجع هطول منتصف الأمطار في بعض المناطق إلى ظاهرة أنهار الغلاف الجوي.

يمكن الحد من ظاهرة التصحر من خلال الرطوبة التي تمنح الحياة للكائنات في أنهار الغلاف الجوي.التصميم: أنس البني، مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا

وقالت مهري: “يمكن الاستفادة من هذه الكميات من الأمطار وحفظها في أنظمة حفظ المياه المناسبة لمواجهة الجفاف مستقبلًا”.

في نماذج محاكاة العام 2100 التي تم تصميمها لاستعراض انبعاثات الغازات مستقبلًا، شاهدنا زيادة في تكرار أنهار الغلاف الجوي في منطقة الساحل الإفريقي الشمالي وتركيا وإيران، وهذا لا يعني وجود الجفاف في بقية أنحاء المنطقة بل على العكس هناك زيادة متوقعة في نسب الهطول في منطقة شبه الجزيرة العربية.

المزيد من الأمطار قادمة من القرن الإفريقي إلى دولة الإمارات العربية المتحدة. يسعى الجميع للحصول على كميات كبيرة من المياه لسقاية الأراضي القاحلة، لكن يحتاج السكان المحليون إلى أن يكونوا مستعدين للرياح القوية المرافقة وإمكانية حدوث الفيضانات.

ولاحظت كايلي أن الأثر الأكبر لتكرار حدوث أنهار الغلاف الجوي هو تأثيرها على الفيضانات ومصادر المياه، حيث قالت: “ستساهم أنهار الغلاف الجوي ذات الكثافة العالية في حدوث فيضانات قوية مستقبلًا، ونشهد في الوقت الحالي أمثلة على فيضانات شديدة في السنوات الأخيرة فاقم من حجمها ارتفاع درجات حرارة الغلاف الجوي التي زادت من كميات بخار المياه.

وعلى الرغم من أن هطول الأمطار يعزز تجديد مصادر المياه في بعض المناطق، إلا أن ارتفاع درجات الحرارة في أنهار الغلاف الجوي ونسب الرطوبة فيها يساهم في تشكيل مجموعة من التحديات أمام مدراء المياه في المستقبل. فعلى سبيل المثال، في مناطق كمنطقة غرب الولايات المتحدة التي تعتمد بشكل كبير على الحزم الثلجية كمصادر للمياه، من المتوقع أن تعود أنهار الغلاف الجوي هناك بكميات كبيرة من الأمطار في تلك المنطقة أكثر من الثلج، وهو ما سينتج عنه نضوب في الحزم الثلجية ومصادر مياه محدودة خلال أشهر الجفاف في فصل الصيف”.

يسعى مدراء المياه بشكل عام إلى أن يكونوا أكثر مرونة في منهجيتهم لإدارة موارد المياه في المستقبل.

كايلي ماتنغلي ، جامعة ويسكونسن

من جهة أخرى، تقول كايلي: “يسعى مدراء المياه بشكل عام إلى أن يكونوا أكثر مرونة في منهجيتهم لإدارة موارد المياه في المستقبل. وتعتبر كاليفورنيا مثالًا جيدًا في هذا السياق لأنها شهدت في السنوات القليلة الماضية عددًا من الفصول الرطبة على خلفية فترات الجفاف طويلة الأمد والاحتباس الحراري، والذي أدى إلى استنزاف خزانات المياه وحزم الثلج. ويكمن التحدي هنا في تطوير منهجيات تساهم في الاحتفاظ بالمياه التي نتلقاها جراء الهطول الكثيف للأمطار لتخطي سنوات الجفاف”.

تؤكد النماذج في مختلف أنحاء العالم أن أنهار الغلاف الجوي ستصبح أكثر كثافة وأكثر تكرارًا مع تزايد درجات الحرارة في الكوكب. ويؤكد الباحثون الذين توصلوا لهذه النماذج أيضًا على ضرورة معرفة آلية تطور أنهار الغلاف الجوي وطريقة تحركها وانتقالها وأهمية ذلك في التنبؤ بها وارتباطها بسقوط الأمطار.

تشكيل الأمطار

تعتمد ليندا زو، وهي باحثة من دولة الإمارات، على تكنولوجيا النانو لتطوير مواد جديدة واستخدامها في تلقيح السحب. وتُعرف عملية تلقيح السحب بأنها تكنولوجيا تغيير الطقس تساهم في تعزيز إنتاجية السحب للأمطار. وتحدثت الدكتور ليندا مؤخرًا إلى مجلة جامعة خليفة “ساينس آند تكنولوجي ريفيو” حول مشروعها البحثي ومستقبل تكنولوجيا تلقيح السحب.

المصدر: جامعة خليفة
ليندا زو

ليندا زو، أستاذة في قسم هندسة البنية التحتية المدنية والبيئية في جامعة خليفة ورئيسة مختبر النانو والمياه. تم تعديل هذه المقابلة للتوضيح.

س: هل لك أن تشرحي لنا أساسيات تكنولوجيا تلقيح السحب وما يجب أن يعرفه الأفراد في هذا المجال؟

ج: عندما تصدر الشمس أشعتها تتبخر المياه على سطح الأرض ويرتفع البخار إلى أعلى إلى أن يتكاثف ويتحول إلى مطر أو ثلج.

ويتكاثف بخار الماء بوجود جسيمات صغيرة كالأنوية مكونًا أجزاء صغيرة من الرذاذ الذي يلتصق برذاذ آخر مشكلًا رذاذًا أكبر، ويستمر حجم الرذاذ بالنمو، حيث يكون حجم قطرات الماء عند وصولها إلى الجزء السفلي من الغلاف الجوي كبيرًا وثقيلًا جدًا تتساقط على شكل أمطار. وللأسف، لا يمكن الحصول على هذا النوع من الأنوية بشكل مستمر في الغلاف الجوي لعدم توفرها بشكل كبير، حيث أنها جسيمات تتكون بشكل طبيعي نتيجة رماد البراكين وجسيمات الغبار ، لكن لا يضمن ذلك توفرها وقت الحاجة إليها.

تحدث عملية تلقيح السحب عند نشر مواد اصطناعية عبر طائرات تحلق عند قاعدة السحب ومن ثم إطلاق المواد لتقوم التيارات الهوائية العالية بحملها وإدخالها في السحابة لبدء عمليات التكاثف وتحويل بخار الماء إلى قطرات بشكل اصطناعي.

س: ما مدى أهمية هذه التكنولوجيا للعالم؟

ج: قامت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية بدراسة استقصائية خرجت من خلالها بتقرير يبين أن أكثر من 45 دولة تمارس نوعًا من أنواع تكنولوجيات تغيير الطقس، وتعتبر تكنولوجيا تلقيح السحب إحدى أهم تلك التكنولوجيات، بما في ذلك التقدم في المواد المستخدمة لتلقيح السحب والتي قد تساهم في مواجهة مشكلة نقص المياه عالميًا.

س: هل تسُتخدم تقنية تلقيح السحب بشكل أساسي في الدول الصحراوية فقط أم على نطاق واسع من الدول؟

ج: تعتمد تقنية تلقيح السحب بشكل كبير على التكنولوجيا، فهي تحتاج لسرب طائرات. وتعتبر دول كالولايات المتحدة وجنوب إفريقيا وبعض الدول الأوروبية من الدول التي تعتمد هذه التقنية بشكل ملحوظ في مجال حماية المزروعات من التلف، وتستخدم روسيا هذه التقنية في الحد من تساقط البرد، أما الصين فتعاني من وجود مناطق جافة وتلجأ لهذه التقنية لحل المشكلة. وبما أن هذه العملية العلمية لم تشهد أية ابتكار وتطوير منذ عشرات السنين، فإن دولة الإمارات تساهم في الوقت الحالي في دفع عجلة الابتكار في هذا المجال من خلال برنامجها (برنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار).

الرسومات: أنس البني، مجلة جامعة خليفة
الذكاء الاصطناعي في مجال التنبؤ الفوري بالمناخ

تساهم تقنية تلقيح السحب بزيادة معدلات الأمطار في منطقة ما، إلا أن معرفة الوقت المناسب والظروف الملائمة لتطبيق هذه التقنية تعد من الأمور الصعبة. Read more›››

ويرى الباحثون الذين حصلوا مؤخرًا على منحة مالية بقيمة 1.5 مليون دولار أمريكي من المركز الوطني للأرصاد في دولة الإمارات أنه يمكنهم التنبؤ بالظروف الملائمة لعملية تلقيح السحب باللجوء للذكاء الاصطناعي.

حصل لوكا ديللي موناشي، نائب مدير مركز الظروف الجوية الصعبة والمياه في المنطقة الغربية في معهد سكريبس لعلوم المحيطات التابع لجامعة كاليفورنيا في سان دييغو، في شهر مارس الماضي على منحة مالية لمدة ثلاث سنوات من برنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار لمشروعه الذي طوره بالاستعانة بنظام مختلط لتعلم الآلة يساهم في تعزيز عملية التنبؤ الفوري للقيام بعملية الاستمطار.

يتمحور دور عملية التنبؤ الفوري في علم الأرصاد الجوية حول التنبؤ بظروف الطقس والحالة الجوية في الوقت الحاضر أو في المستقبل القريب جدًا. وفي هذا الصدد، قام كل من الأستاذ إرنيستو دامياني والأستاذة الدكتورة ليندا زو والأستاذ حسام الحمادي، وجميعهم من جامعة خليفة، بجمع البيانات لتطوير نموذج أولي لنظام قائم على الذكاء الاصطناعي بهدف دمج البيانات والتنبؤ الفوري بالظروف الجوية.

وأكدت مديرة برنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار، علياء المزروعي، على أن هذا المشروع مكمل لدور المؤسسة المتمثل بتطوير تكنولوجيا الاستمطار وتعزيز مكانة دولة الإمارات كمركز رئيس وبارز في بحوث الاستمطار ودعم العالم في التصدي للتحديات التي يفرضها نقص المياه النظيفة. ‹‹‹ Read less

س: يقودنا ذلك إلى السؤال التالي، ما المشكلات والقيود التي يسعى مشروعك لحلها؟

ج: تعتمد تقنية تلقيح السحب بشكل كبير يعتمد نوع المواد المتبعة في جميع أنحاء العالم على نسبة الرطوبة النسبية في الغلاف الجوي، ما يعني أن تلك المواد تنشط في ظروف عالية الرطوبة ولا فائدة من تلك المواد إن لم تتوفر الرطوبة. ولأنني أبحث في علوم التفاعلات بين المواد ونسبة الرطوبة في الغلاف الجوي، أجد أن هناك مجال للتحسين.

س: وهل يرتكز مشروعك على تغيير المواد المستخدمة في عمليات تلقيح السحب؟

ج: نعم، يتضمن مشروعي البحثي ثلاث أفكار بحثت فيها بشكل متعمق وتحققت من صحتها. تكمن الفكرة الأولى في تغيير سطح المادة لتصبح أكثر تفاعلية لتتمكن من تأدية وظيفتها في نسب رطوبة منخفضة نسبيًا، فبدلًا من 75% أو أعلى يمكن أن نستخدمها اليوم في درجة رطوبة 65%.

ولتحقيق ذلك، استعنا بتكنولوجيا النانو لهندسة مادة تنشط في نسب رطوبة واسعة النطاق لأن طبيعة المادة المسامية تسهل سيلان الماء مشكلة بذلك قطرات أكبر حجمًا، الأمر الذي سيساهم في نجاح هذه العملية.

ثانيًا، تم ابتكار نمط حيوي مائي وغير مائي في المادة لتعزيز التفاعل مع بخار الماء. وثالثًا، تم تطوير مادة نانوية مسامية ثلاثية الأبعاد لتعزيز نمو الأنوية الجليدية وبالتالي تحسين عملية تلقيح السحب في السحب الباردة.

س: قد تكون مواد تلقيح السحب القائمة على التكنولوجيات القديمة ضارة بالبيئة، هل هذه مشكلة أخرى تسعين لحلها؟

ج: توجد أنواع مختلفة من مواد تلقيح السحب المستخدمة، حيث يتم استخدام العديد من أشكال الجسيمات الملحية للسحب الدافئة وآثارها البيئية لا تشكل ضررًا، لكن بالنسبة ليوديد الفضة الذي يُستخدم للسحب الباردة والجليد وصنع الثلج قد يساهم في ظهور بعض الآثار السامة. لذلك، لم أقم باستخدام يوديد الفضة في مشروعي البحثي لأني أسعى إلى تصميم مواد جديدة بعيدًة عن المواد التي يمكن أن تسبب أضرارًا.

ذات صلة: Climate change promises uncharted waters for scientists studying atmospheric rivers

س: استعنت بمواد تقوم على فكرة التكيف الطبيعي عند الكائنات الحيوية، ما أهمية الاستعانة بالطبيعة لحل المشكلات؟

ج: شهدت الطبيعة تطورًا خلال ملايين السنين وكل نظام حيوي متطور اليوم ما هو إلا نتيجة هذا التطور، حيث تساهم أدوات التحليل الحديثة في تمكين الباحثين من دراسة تفاصيل علم الأحياء على المستوى الكيميائي الحيوي وتعزيز فهمهم لآلية العمل، كما ساهمت المعرفة المكتسبة حديثًا في تعزيز قدرتنا على محاكاة الآلية الحيوية في مجال تصميم مواد نانوية. وبالرغم من عدم مقدرتنا على تكرار تلك الآليات بشكل تام، يمكننا في هذا الإطار أن نستمد الأفكار ونتعلم المبادئ.

يتم توزيع المواد من قبل طائرات، ويمكن أيضًا توزيعها من مناطيد وطائرات بدون طيار.  المصدر: برنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار
ما بعد عمليات الاستمطار

بدأت عمليات الاستمطار في دولة الإمارات في التسعينات، حيث تم تطويرها بالتعاون مع مؤسسات دولية كوكالة الفضاء الأمريكية ناسا والمركز الوطني للبحوث الجوية. Read more›››

ووفقًا لبرنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار، تحظى دولة الإمارات اليوم بأكثر من 60 محطة جوية وخمس طائرات متخصصة في مجال تلقيح السحب وشبكة رادارات متكاملة.
تشمل فوائد بحوث تلقيح السحب أيضًا زيادة مستوى فهم الفيزياء الدقيقة للسحب وديناميكياتها والديناميكيات الحرارية، وهي سلسلة فيزيائية من الأحداث التي تؤدي إلى تشكل السحب وهطول الأمطار، إضافة لفهم آلية تفاعل أنوية تكاثف السحب والأنوية الجليدية مع السحب.

ساهمت البحوث في الحصول على مواد تلقيح السحب المحسنة وأساليب مطورة، إضافة لتعزيز دور علماء الأرصاد في التنبؤ بالأحوال الجوية الراهنة والمستقبلية. ‹‹‹ Read less

س: ما هي أكبر التحديات في مجال تلقيح السحب؟

ج: تكمن إحدى المشكلات الرئيسة في مجال تلقيح السحب في العمليات التي تُنفذ جميعها في ظروف مناخية مفتوحة والتي لا يمكن التحكم التحكم فيها في إطار نظام مغلق.

ثانيًا، تختلف طبيعة السحب عن بعضها كما أنها جميعها متنوعة ولا يمكن التنبؤ بها، مما يصعّب تقييم الآثار الناجمة عن تلقيح السحب، لكن في حال تزايد فعالية المواد المستخدمة تكون احتمالية النجاح أكبر بغض النظر عن الظروف التي تشهدها السحب.

س: تركز بعض بحوثك على الجليد والثلج بدلًا من المطر، كيف تختلف هذه المنهجيات عن بعضها؟

ج: تختلف هذه المنهجيات في بعض المناطق وتتشابه في مناطق أخرى، حيث تصل درجة حرارة السحب التي تتشكل على بعد آلاف الأمتار عن سطح الأرض إلى ما دون الصفر ويكون الهطول في تلك الارتفاعات جليدًا، وعند سقوط الجليد في مناطق باردة فإنه يتحول إلى ثلج وإذا سقط في مناطق حارة كدولة الإمارات فإنه يذوب مشكلًا مطرًا.

وتتوفر العديد من التقنيات التي يمكن استخدامها في مجال السحب التي تصل درجة حرارتها إلى ما دون الصفر والتي لها ظروف مختلفة، فعندما تتبخر المياه تدخل إلى السحب الباردة وتملأها بمعدل رطوبة نسبي يزيد عن 100%، وفي نفس الوقت تحافظ على حالتها كبخار ماء شديد البرودة. وفي هذه المرحلة، إذا التقى البخار شديد البرودة بنواة جليدية مناسبة تتكون حينها بلورات الجليد وتنمو بشكل سريع لتكون كتلة جليدية كبيرة.

وبحثت أيضًا في مجال تطوير هذا النوع من الأنوية الجليدية التي غالبًا ما تتكون من يوديد الفضة، وقد يرجع ذلك إلى الفرضية التي تقر بوجود شبه بين طبيعة هيكل الأنوية الجليدية البلورية والجليد، حيث يصعد البلور الجليدي فوق بعضه البعض نظرًا لتطابق أطرها البلورية المتشابكة. وبذلك، تختلف آلياتها بشكل كبير عن الرذاذ.

تحدثنا سابقًا حول يوديد الفضة ومشكلاته وعدم توفر الكثير من البدائل، لكن قمت بتصميم مادة بديلة قادرة على تكوين ثلج اصطناعي في منتجعات التزلج ويمكن الاستفادة منها في التجارب المتعلقة بالغرف السحابية.

س: هل يمكن أن تصفي لنا المادة؟?

ج: تتميز مادة تلقيح السحب الجديدة بشكلها الصدفي وتتكون نواتها من كلوريد الصوديوم ومغطاة بجسيمات التيتانيا النانوية، حيث يساهم هذا التركيب في توفير الأثر التبادلي خلال التكاثف في مستويات رطوبة أقل نسبيًا وتشكيل رذاذ أكبر حجمًا، وهما فائدتان هامتان لزيادة احتمالية سقوط الأمطار.

يعتمد شكل الهطول، سواء على شكل أمطار أو ثلوج، على درجة حرارة الهواء. المصدر: Shutterstock

س: هل سيُستخدم هذا النوع من التكنولوجيا للتحكم في الأحوال الجوية غير المرغوب بها كالحد من البَرَد مثلًا؟

ج: نعم، ذلك هو الحال في بعض الدول الأوروبية لحماية القطاع الزراعي من الظروف الجوية السيئة كالبَرَد والصقيع.

س: في رأيك، ما هو الأثر الذي ستتركه تكنولوجيا تلقيح السحب على تغير المناخ؟

ج: هذا سؤال مهم جدًا، تقع عملية تلقيح السحب ضمن النطاق الأوسع لاستراتيجيات تغير المناخ، فإذا حصلنا على أمطار كثيرة من خلال تلقيح السحب، سيساهم ذلك في تبريد الجو وسد النقص في خزانات المياه الجوفية وسيقل الطلب على أجهزة تكييف الهواء وعلى عمليات التحلية، وهي آثار إيجابية وفعالة بشكل كبير.

س: ما هي المرحلة القادمة؟ ما هو التطوير المقبل؟

ج: تتمحور الخطوة التالية في تطوير الإنتاج الذي من شأنه توفير المزيد من مواد تلقيح السحب. وبعيدًا عن الطائرات، يمكن إطلاق المواد عبر وسائل عديدة تشمل البالونات والطائرات بدون طيار، كما يمكن الاستفادة منها في تطبيقات جمع المياه السطحية كشبكات جمع المياه.

س: هل هناك معلومات أخرى لم نغطيها وتودين ذكرها؟

ج: أثمن دور برنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار الذي وفر لنا الدعم المالي اللازم للمشروع البحثي الذي ستعم فائدته على الجميع. من ناحية أخرى، نسعى إلى تحويل المواد الجديدة إلى منتج على نطاق تجاري واسع ليشمل أكبر قدر ممكن من التطبيقات، وقد بدأنا العمل على ذلك ويحتاج لدعم القطاعين الحكومي والصناعي في هذا الجانب لأنه إذا نجحت هذه التكنولوجيا على المستوى التجاري ستستفيد منها العديد من الدول.