الأخضر مُجدّدًا

منذ ستة آلاف عام كانت الصحراء الكبرى في إفريقيا، والتي تُعد الآن أكبر صحراء على مستوى العالم، أرضًا عُشبية. حيث أدى اهتزاز محور الأرض إلى تحويل الصحراء الكبرى من بستان إلى منطقة رملية لا يُمكن لأي شيء تقريبًا أن ينمو فيها، مما شكل عملية زحف صحراوي طبيعية، وعلى النقيض مما يحدث الآن، إذ يجري تصحير مناطق كبيرة من كوكبنا بمعدل متسارع.

وفقًا للأمم المتحدة، فإن أكثر من 24 مليار طن من التربة الخصبة تختفي كل عام. وقد تآكلت بالفعل أكثر من 75% من مساحة الأراضي على الكوكب، حيث من الممكن أن ترتفع هذه النسبة إلى ما يتجاوز 90% بحلول عام 2050.

ومن المتوقع أن تتوسع عملية التصحر بسبب البشر على نحو كبير في المستقبل القريب، وذلك كنتيجة للتغير المناخي وتآكل التربة، كما ستتفاقم بسبب الرعي الجائر والزراعة غير المستدامة.

تتطلب الزراعة في المناطق القاحلة مكملات غذائية وتربة مستوردة ومياه مُعالَجَة لأغراض الري، الأمر الذي يزيد التكاليف ويؤثر سلباً على البيئة، حيث تعتبر حلقة سلبية من تعاقب الأسباب والنتائج- ذلك أن الطريقة التي نفعل بها الأشياء الآن تجعل الأمور أكثر سوءًا.

لا تتحول التربة إلى رمال لمجرد ارتفاع درجة الحرارة. تنزع قرون من رعي الحيوانات من على الأرض كسوتها الخضرية، كما يعمد السكان المحليون إلى إزالة الأراضي، من أجل المحاصيل التي تتطلب الزراعة الأحادية وأيضًا لغرض السكن. وعندما تتم إزالة الأشجار والخُضرة، تُزَال أيضًا قُدرة الأراضي على الاحتفاظ بالرطوبة وتركيبة تلك الأراضي، حيث أن التربة تتعرض للتجريف والإزالة، وما كانت يومًا ما أرضًا خصبة، تُصبح صحراء.

لكن هل يعتبر من المستحيل تقريبًا أن تتحول صحراء مرة أخرى إلى أرض صالحة للزراعة، أم أن ذلك ممكنًا؟

جوبي،الصين

تكافح الصين التصحر على مدى عقود، لكن تُعد صحراء “جوبي” الصحراء الأسرع نموًا في العالم، إذ تحول ما يقرب من 10,400 كيلومتر مربع من المروج سنويًا إلى أرض قاحلة.

في عام 1978، أطلقت الصين مبادرة “السور الأخضر العظيم”، والتي تُعد أكبر مشروع للتشجير وغرس الغابات الجديدة على مستوى العالم، إذ يهدف إلى زراعة 66 مليار شجرة، وذلك في سياق الجهد الرامي إلى مكافحة توسع صحراء “جوبي”. تمتد هذه الغابة من الأشجار لمسافة 4500 كيلومتر بهدف إيقاف انتشار الصحراء وصد العواصف الرملية وموازنة البصمة الكربونية الناتجة عن الصين.

وشأنه شأن أي مشروع لإعادة تشجير الغابات، فإن مشروع “السور الأخضر العظيم” يستخدم أنواع سريعة النمو من الأشجار كالحَور الرجراج والبتولا والحَور، وجميعها ليست أشجارًا أصيلة في الصين وتتطلب كميات كبيرة من الماء، ما قد يجعلها خيارًا أقل كفاءة للزراعة في بيئة صحراوية. وعلاوة على ذلك، فإن تلك الأنظمة البيئية ذات الزراعة الأحادية تتصف بالهشاشة. ففي عام 2000، قضى مرض واحد بمفرده على مليار شجرة حَور، فكان بمثابة انتكاسة أعادت المشروع 20 عامًا إلى الوراء.

ويتمثل الأسوأ من كل ما سبق في كون الأشجار التي تبقى على قيد الحياة تُلحق الضرر بالبيئة. فبينما تحتاج الأشجار إلى مياه كثيرة، تُحرَم النباتات التي تنمو أصلًا في البيئات الصحراوية الأشد صعوبة من المياه القليلة التي كانت تحصل عليها قبل ذلك، فتموت. وتفقد طبقات التربة العليا تماسكها الذي كانت جذور تلك النباتات تحفظه، فتنجرف، وتصبح العناصر الغذائية الموجودة في تربة المنطقة أقل من ذي قبل. ويتغير تركيب التربة، وتتضاءل قدرتها على الاحتفاظ بالماء، وتستمر مسيرة توسع الصحراء.

وعلى الرغم من ذلك، توجد قصص ناجحة ومشروعات جريئة جرى تخطيطها والبدء في تنفيذها.

في نهاية القرن العشرين، كانت الصحارى في الصين تتوسع بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 10,400 كيلومتر مربع. وعلى الرغم من إخفاق مشروع السور الأخضر العظيم، إلا أن مساحة الصحارى كانت تنكمش في الصين بحلول عام 2018 بمعدل 2٫424 كيلومتر مربع سنويًا.

ويُمكن إرجاع الفضل في الكثير من هذا النجاح إلى فرق العمل التي عملت على إعادة تخضير صحرائي كوبوكي وأولان بوه.

كوبوكي، الصين

بعد ما يزيد عن ثلاثة عقود من الجهد والابتكار، عاد ثُلُث صحراء كوبوكي إلى اللون الأخضر.

وجرى استصلاح أكثر من 6250 كيلومتر مربع من صحراء كوبوكي، بحسب تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 2017.

أدت المعرفة المحلية والتقنية العصرية إلى استقرار الكُثبان الرملية المتحركة وتحويلها إلى كُثبان شبه ثابتة مُغطاة بمشروعات الهندسة الخضراء. وقد زُرِعَت مساحة تتجاوز 5000 كيلومتر مربع بالغابات من خلال برامج للغرس، وأُنشِأ حاجز يتكون مما يتجاوز 10 ملايين شجرة و4000 هكتار من الأعشاب لصد الرمال وحماية الغابات منها، كما زُرِعَت غابات أخرى بمحاذاة الحد الشمالي لصحراء كوبوكي، وأيضًا بمحاذاة الضفة الجنوبية للنهر الأصفر، وذلك للوقاية من الرمال: 350,000 هكتار من الغابات الواقية ضد الرمال ضمن حزام من الأشجار والأعشاب والحشائش يتجاوز طوله 242 كيلومترًا ويتراوح عرضه بين 5 أمتار و20 مترًا.

تعمل الأحزمة الواقية ضد الرياح ومصدات الرمال على خفض سرعة الرياح والحد من حركة الرمال. وكلما قلّت حركة الرمال، قلّت بالتبعية حركة الكُثبان الرملية، ويساعد كل ذلك في خفض أو حتى إيقاف الزحف الصحراوي الجائر. وقد اتضح أن تثبيت الكُثبان الرملية أمر سهل، إذ يجري تنسيق حزم من سيقان الصب والقش وساليكس ساموفيليا، وهي شُجيرة صحراوية يقع موطنها الأصلي في شرق آسيا، في شكل شبكة لغرض زيادة “خشونة” السطح وتقليل سرعة الرياح عبر الرمال، مما يؤدي بالتالي إلى تقليل حركة الرمال الناتجة عن الرياح.

يجري في هذه الشبكات تشجيع المزارعين على زراعة نبات عرق السوس لأنه يتميز بقدرته على تحمل ظروف الجفاف وانخفاض درجة الحرارة ليلًا، كما تساهم جذوره في المحافظة على التربة في مكانها وإعادة العناصر الغذائية إلى الأرض، مما يتيح زراعة المحاصيل الأخرى بجانبها. وبعد أربع سنوات، يمكن حصد الجذور وبيعها، كمكون هام من مكونات الطب الصيني التقليدي.

DATA SOURCE: الأمم المتحدة  IMAGES: Envato, Shutterstock  التصميم أنس البنّي، مجلة جامعة خليفة

وتُستخدم النباتات الأخرى التي تتحمل الأملاح والقلويات لتقليل المحتوى الملحي في التربة وتحسين خصائصها: ومنها على سبيل المثال “العوسج”، وهي شُجيرة أخرى يقع موطنها الأصلي في الصين، ونبق البحر والزيتون البري والحَور الفُراتي، وجميعها تساعد في تجديد التربة الملحية- القلوية.

ولم تتحول صحراء كوبوكي إلى اللون الأخضر مُجدّدًا بين عشية وضُحاها. فقد مر حوالي ثلاثة عقود منذ بدء مشروع الترميم البيئي لصحراء كوبوكي في عام 1988.

أفريقيا، السور الأخضر العظيم

تشترك هذه المبادرة الأفريقية مع محاولة التشجير الصينية في نفس الاسم، إلا أن الأشجار تُعد جزءًا فقط من المعادلة في “مبادرة السور الأخضر العظيم” عبر منطقة “الساحل والصحراء”. وقد انضمت جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا والسودان وتشاد والنيجر ونيجيريا ومالي وبوركينا فاسو وموريتانيا، والسنغال إلى جهود مكافحة تآكل الأراضي الزراعية واستعادة الحياة النباتية الأصلية.

تبنَّى الاتحاد الأفريقي هذا المشروع في عام 2007، حيث تصوره كطريقة لمكافحة تمدد الصحراء الكبرى. وتوسع المشروع ليشمل إنشاء “موزاييك للمناظر الطبيعية الخضراء والمُنتجة” عبر شمال أفريقيا، ويهدف إلى استعادة 250 مليون فدان بحلول عام 2030. وعلى الرغم من القضايا الأمنية والقلاقل السياسية، جرى غرس 12 مليون شجرة “أكاسيا” مقاومة للجفاف في السنغال واستعادة 15 مليون هكتار من الأراضي الزراعية المُتآكلة في إثيوبيا واستعادة 5 مليون هكتار في كلٍ من نيجيريا والنيجر، كما جرى استصلاح 3 ملايين هكتار أخرى في بوركينا فاسو، من خلال ممارسات الزراعة المحلية.

هل يُمكننا تسريع العملية؟

أولان بوه، الصين

في عام 2018، حوّل فريق يي زيجيان من جامعة تشونغتشينغ جياوتونغ 650 هكتارًا من “صحراء أولان بوه” في منطقة منغوليا الداخلية الصينية من رمال إلى تُربة. ومن الجدير بالذكر أن يي زيجيان ليس عالمًا بيئيًا أو خبير بستنة، بل يعمل في قسم الميكانيك، ويقول أن طريقة، تُعرف باسم تحويل الصحراء إلى تربة، يُمكنها أن تجعل الطبقات السطحية من رمال الصحراء تلتصق ببعضها البعض، وذلك بتغيير خواصها الميكانيكية.

ويتأتى نجاح الفريق من تحسين التربة ذات الخصائص الميكانيكية الرديئة، كأن تكون جزيئات التربة لا تُظهر سلوكًا تماسكيًا.

الصورة Freepik
تحويل المناطق القاحلة إلى مناطق زراعية – قد يكون الاقتصاد الحيوي المحلي الدائري هو الحل

تبدو مناطق شمال إفريقيا والشرق الأوسط والصين، للوهلة الأولى، ذات إمكانيات زراعية محدودة، حيث تعكس المساحات الشاسعة من الأراضي في هذه المناطق صورًا للأراضي القاحلة، لكن بدأت مبادرات الاقتصاد الحيوي في الوقت الراهن بالتطور والنهوض.

ويؤدي التغير المناخي والزراعة غير المستدامة وتدهور التربة إلى تسارع النمو المتواصل للأراضي الجافة في هذه المناطق، وهو ما سيؤثر في أكثر من110 مليون شخص بحلول عام 2100. غالبًا ما تكون القيمة الاقتصادية لهذه المناطق القاحلة وشبه القاحلة منخفضة وهي في أغلب الأحيان غير صالحة للسكن، ما يجعل استخدامها على نحو مفيد أمرًا أشبه بالتحدي.
Read more›››

وقد يتمثل الحل في اقتصاد حيوي محلي. ويشير لفظ “اقتصاد حيوي” إلى اقتصاد يعتمد على منتجات وخدمات وعمليات مشتقة من موارد حيوية من خلال المعالجة الفعالة للإمدادات الغذائية والمنتجات الثانوية الزراعية الصناعية والنفايات الحيوية لزيادة مستويات الأمن الغذائي واستصلاح التربة القاحلة. ولتحقيق الاقتصاد الحيوي المثالي يجب أن يكون دائريًا، ويعني ذلك أن تعود نفايات المنتجات الربحية إلى الأرض لإنتاج المزيد من المنتجات الربحية.

ويمكن للناس في المناطق القاحلة وشبه القاحلة، من خلال التركيز على إنتاج الكتلة الحيوية المحلية، الاستفادة من الأمن الغذائي المتزايد وآثار التبريد واحتجاز الكربون وارتفاع الطلب على العمل والسيطرة على التلوث وتحقيق الراحة الذهنية من الوصول إلى المناطق الخضراء. وهذا ما يقوله الأستاذ الدكتور بليز تاردي، من جامعة خليفة، والذي تركز أبحاثه على دمج المناطق القاحلة في الاقتصاد الحيوي العالمي.

ويقول الأستاذ الدكتور بليز في مقابلة مع مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا: “تكمن الإمكانيات التي يتمتع بها الاقتصاد الحيوي في المناطق القاحلة في العمليات الحيوية والنُظُم الحيوية التي تلبي احتياجات المجتمع من الماء والأراضي الزراعية والغذاء والطاقة والاحتياجات المادية الأخرى. ومن شأن الاستراتيجيات كالزراعة المائية والزراعة العمودية والمبادرات التكنولوجية الحيوية أن تقود هذه الدورة الخضراء”.

ويوجد، على الرغم من ذلك، تحد رئيس لتنفيذ ذلك يتمثل في ضعف جودة التربة في المناطق القاحلة، والتي تتراوح نوعيات تربتها بين المعتمدة على المعادن، كالرمال، إلى المواد العضوية الغنية ذات الميكروبات الدقيقة المتنوعة. وتتميز التربة الغنية بالغطاء النباتي بالتفاعلات التي تعود بالفائدة على جذور النباتات والميكروبات التي تعيش في التربة، وهو ما يُعَد عاملًا حيويَّا لتدوير العناصر الغذائية وتوليد المادة العضوية.

تُنتج الزراعة في أماكن مغلقة نفايات ليغنوسلولوزية، أو كتلة حيوية نباتية، وهي مُنتَج ثانوي هام يتم التخلص منه في بعض الأحيان. وفي ظل اقتصاد حيوي دائري، يمكن لهذه النفايات إحياء التربة بمزيج من المنتجات الثانوية الناتجة عن صناعة الحديد والصلب، على سبيل المثال، والتي تحتوي على المغذيات الدقيقة اللازمة لصحة التربة.

وأضاف الأستاذ الدكتور بليز: “تمتلك المنتجات الليغنوسلولوزية إمكانيات هائلة في إنتاج المواد المتقدمة، بدءًا من المواد الورقية المعاد تدويرها والأنسجة المستدامة إلى المواد المتقدمة كالبروتينات الاصطناعية. ويمكن للبيولوجيا الاصطناعية تحقيق المزيد من التوسع في نطاق المواد المُنتَجَة، ما يتيح تطبيقات متطورة في مجالات متنوعة”.

وقد تمثل الاستفادة من الفرص التي يتيحها إنشاء اقتصاد حيوي في المناطق القاحلة الحل الأمثل لتحقيق الاستدامة والمرونة في مواجهة التغير المناخي. وعلى الرغم من ذلك، يُعَد التعاون عاملًا مركزيًا لتحقيق النجاح. ويختتم الأستاذ الدكتور بليز بقوله: “يتعين على الدول، في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وآسيا الوسطى، القيام بدور فعال”، مؤكدًا على ضرورة وجود حوار بنّاء ما بين السلطات المحلية والقطاعات الأكاديمية والصناعية والأفراد. ‹‹‹ Read less

وكتب يي زيجيان في صحيفة ذي إنوفيشن: “تستند طريقتنا إلى اكتشافين علميين، حيث يتمثل الاكتشاف الأول في تحديد ضيق المسافات بين الحُبيبيات الحالات الميكانيكية لأي مادة ذات شكل حُبيبي، أما الاكتشاف الثاني، فهو العلاقة بين الخواص الميكانيكية والسمات البيئية للتربة. وتتحول الرمال إلى “تربة” بفرض تضييق تكاملي في كافة الاتجاهات. تتحول الحالة المنفصلة الفردية للرمال إلى حالتين ميكانيكيتين للتربة هما، الحالة الانسيابية عندما تكون رطبة والحالة الصلبة عندما تكون جافة، وذلك بمزج الرمال بمادة ضاغطة”.

“مادة ضاغطة” للفريق؟ الصوديوم المُعدَّل أو كربوكسى ميثيل سليلوز أو صمغ السليلوز، وهو مُضَاف غذائي شائع يُستخدم لاضفاء سُمك وتوزان ويمنح الرمال القدرة على التحول بين الحالتين الميكانيكيتين في دورة لا نهائية، حيث يتيح التحول للرمال القدرة على الاحتفاظ بالمياه. أضف العناصر المُغذية للتربة، وستكون لديك تُربة فورية.

يعد تحويل الصحراء إلى تربة طريقة سهلة، إذ تجري عمليات تحويل لمادة السليلوز في الطبقة العليا من رمال الصحراء، بسمك حوالي 15 سنتيمترا، ثم تُضَاف مادة مُخصِّبة. وتُصبح التربة بعد ذلك جاهزة للزراعة. بل والأفضل من ذلك، فبمجرد أن تتحول الرمال إلى تربة، فإنها تبقى كذلك بشكل دائم.

ويقول يي زيجيان: “تُعَد العملية بأكملها بسيطة وسريعة، ويمكن تطبيقها في الاستخدامات ذات النطاق الأوسع”. وأضاف: “نتجت تجربة صحراء أولان بوه عن تكوين بيئة محلية متنوعة حيويًا. فبالإضافة إلى أنواع النباتات التي تنمو هناك بغزارة، باتت “أولان بوه” أيضًا موطنًا لأنواع مختلفة من الفئران والأرانب البرية والضفادع والديدان”.
باتت “صحراء أولان بوه” التي تبلغ مساحتها 650 فدّانًا من الرمال التي تحولت إلى تربة تضم الآن 70 نوعًا من النباتات المزدهرة، بما في ذلك عبَّاد الشمس والطماطم. وصار عائد الكتلة الحيوية لهذه النباتات أعلى بصفة عامة من نظيراتها المزروعة في التربة الطبيعية القريبة ذات الجذور الأكثر طولاً وكثافة. وعلاوة على ذلك، فإن هذا المشروع الاسترشادي قد أظهر أن الرمال التي تتحول إلى تربة تحظى بخواص تربة أفضل على نحوٍ متزايد في العامين الثاني والثالث بعد بدء الزراعة.

ويُجري فريق يي زيجيان تجارب على طريقته لتحويل الرمال إلى تربة في مناطق أخرى أيضًا، ومنها الصحراء الكبرى والشرق الأوسط والتبت وعدة شواطئ في الصين.

سيناء مصر

تتمتع شركة ذا ويذر ميكر الهندسية الهولندية، والتي يرأسها تييس فان دير هوفين، بخطة يستغرق تنفيذها 20 عامًا لتحويل “شبه جزيرة سيناء” من صحراء تربط مصر بقارة آسيا إلى جنة خضراء.

تبلغ مساحة “شبه جزيرة سيناء” 60,000 كيلومتر مربع، وهي مزيج من صحراء وجبال وأرض صخرية. ولم تكن سيناء على هذا النحو دومًا، حيث أن الرسومات داخل الكهوف بالمنطقة تُجسد أشجارًا ونباتات. وتشير الأبحاث الجيولوجية والأثرية أيضًا إلى أن سيناء كانت يومًا ما مُغطاة بالأعشاب والأشجار والبحيرات.

الشرح: يساهم “تحويل الصحراء إلى تربة ” في احتفاظ التربة بالماء لتُصبح مُلائِمَة للزراعة. ويمكن أن تشمل عملية التحويل هذه إضافة السليلوز والمخصبات. الصورة/التصميم: إنفاتو/أنس البنّي، مجلة جامعة خليفة

ويقول جون دي. ليو، زميل زائر لدى المعهد الهولندي للبيئة، واستشاري ضمن فريق سيناء، أن شبه جزيرة سيناء تبدو كقلب نابض عند مشاهدتها من الفضاء، وتتدفق منها شرايين وأوردة لتغذية الجسم، والمتمثل في الأراضي المحيطة.

ويقول ليو: “تعرضت البيئات الطبيعية المكشوفة في سيناء للغبار لفترة طويلة، إلى الحد الذي يجعل من الصعوبة بمكان تخيل أنها “أرض اللبن والعسل” التي ورد ذكرها في الإنجيل، إلا أن الصور المُلتقطة بالقمر الصناعي لسيناء تحكي قصة أخرى. ثمَّة أدلة من المقياس الزمني الجيولوجي والتطور والتاريخ البشري وجميعها منقوشة على التربة المكشوفة. ومن الممكن رؤية الأنهار تتدفق خلال سيناء عبر فترة نشوء طويلة. ولا تزال تحدث إلى اليوم العديد من الفيضانات المفاجئة بصفة دورية بسبب تدفق المطر في البحر بدلًا من سقوطه على الأراضي الزراعية.

لا تستطيع الأرض الاحتفاظ بالمياه من دون وجود الكساء الخضري والخواص الميكانيكية للتربة. ويمكن رؤية ذلك بسهولة في المناطق التي تشهد جفافًا ثم مطرًا غزيرًا، ذلك أن فترات القحط تؤدي إلى جفاف الأرض وقساوتها، الأمر الذي يؤثر في قدرة التربة على امتصاص مياه الأمطار. وما يُفاقِم المشكلة أن المياه عندما تهطل على الأراضي الزراعية التي لا تستطيع امتصاصها، فإنها تُزيل المزيد من التربة.

انتهى الأمر بالتربة في سيناء وقد استقرت في قاع “بحيرة البردويل”، والتي تقع في شمال شبه الجزيرة، وتتصل بالبحر المتوسط عن طريق خليجين صغيرين. ويقول ليو إن بحيرة البردويل لم تعد المسطَّح المائي الواسع الذي يبلغ عمقه 40 مترًا، كما كانت من قبل، فقد صار عُمق البحيرة الآن أقل من مترين، وصارت مياهها دافئة فائقة المُلوحة. لكن يقول فان دير هوفين: “هناك 2,5 مليار متر مكعب من الطمي قابعة في قاع البحيرة. إن هذا الاحتياطي من المواد الغنية بالعناصر المُغذية للتربة هو الحل لكافة المشاكل”.

الصورة: بليز تاردي – أستاذ مساعد في جامعة خليفة، حاصل على درجة الدكتوراه في الهندسة الكيميائية والهندسة الجزيئية الحيوية. 
كنز الاقتصاد الحيوي في دولة الإمارات

قد تمتلك دولة الإمارات كل ما تحتاجه لتحويل الصحراء إلى أراضٍ خضراء، وما يلزمنا في هذه الحالة الكتلة الحيوية.

تعتبر الكتلة الحيوية أي شيء حي أو سبق أن كان حيًا قادرًا على تكوين تربة خصبة في الرمال الصحراوية القاحلة. تزيد هذه المادة العضوية، عند إضافتها إلى التربة، من احتباس الماء وتوفر العناصر الغذائية اللازمة للحياة النباتية، ويشمل ذلك المجتمعات الميكروبية التي تحتاج إليها التربة الصحية.
Read more›››

تشمل أفكار إنتاج الكتلة الحيوية، في المناطق القاحلة في الوقت الحالي، الزراعة الرأسية وتربية الأحياء المائية (مزارع الأسماك) والاستراتيجيات البديلة (على سبيل المثال: مزارع الحشرات أو التخمير الدقيق أو مزارع الفطر)، وكل واحدة منها تُخلّف وراءها أشكالًا مختلفة من المواد العضوية، وعلى المدى الطويل، قد تكون النظم البيئية الساحلية الغنية في دولة الإمارات مفيدة أيضًا في إنتاج الكتلة الحيوية الخام.

الشرح: قد يشكل جمع الكتلة الحيوية الناتجة عن النفايات، ومعالجتها عبر البنى التحتية المتخصصة وإعادة توزيعها عبر استراتيجيات زراعية متعددة، خطوة أولى لزيادة الأنشطة الاقتصادية الحيوية، وهو ما من شأنه أن يولّد حلقة ردود فعل إيجابية تجاه الأمن الغذائي وإعادة تشجير المناطق الصحراوية وتقليل كمية الأسمدة والطين المستوردة الإنفوغراف أنس البنّي، مجلة جامعة خليفة

يمكننا أيضًا الاستفادة من بقايا الكتلة الحيوية. عادة ما يتم إلقاء مصادر الكتلة الحيوية غير المُستفاد منها في الدولة في مكبات النفايات، وتشمل هذه نفايات تشذيب الأشجار ونفايات المطبخ ونفايات الاستهلاك. وقد بلغت نسبة الكتلة الحيوية المستوردة مقابل الكتلة الحيوية المصدرة في الإمارات 3.5 إلى 1 في عام 2020، وفي عام 2019، تم استيراد أكثر من 80% من المواد الغذائية المستهلكة. وتتراوح نسب الواردات الغذائية التي لا تُستهلك من 40 إلى 80%، الأمر الذي يمثل تدفقًا سنويًا كبيرًا للكتلة الحيوية. لذا، قد يشكل جمع الكتلة الحيوية الناتجة عن النفايات، ومعالجتها عبر البنى التحتية المتخصصة وإعادة توزيعها عبر استراتيجيات زراعية متعددة، خطوة أولى لزيادة الأنشطة الاقتصادية الحيوية، وهو ما من شأنه أن يولّد حلقة ردود فعل إيجابية تجاه الأمن الغذائي وإعادة تشجير المناطق الصحراوية وتقليل كمية الأسمدة والطين المستوردة كل عام.

يمكن أن يساهم الاقتصاد الحيوي الفعّال في المناطق القاحلة مثل دولة الإمارات، على الرغم من أنه تحديًا كبيرًا، في الحد من انبعاثات الكربون المرتبطة بالاستيراد وزيادة عمر النباتات والحيوانات وتحفيز احتباس المياه على المدى الطويل في التربة واحتجاز الكربون على المدى الطويل وبشكل واسع النطاق.

وتُعتبر إمكانية تثبيت الكربون هائلة، حيث يمكن تخزين ما يصل إلى 50 كيلوغرامًا من الكربون العضوي لكل متر مربع بشكل دائم، ويمكن أن تساهم الأرض بتخزين كمية أكبر من الكربون مما أنتجه البشر في عصر ما بعد الثورة الصناعية في ظل وجود 50 مليون كيلومتر مربع على الأقل من الأراضي شبه القاحلة في العالم.

ويُعتبر التحدي الأكبر لهذه الثورة الزراعية هو تأخر العوائد المالية. لذا، توجد حاجة ماسة لإنشاء رابطة دقيقة بين التخطيط التجاري والتطورات المستدامة التي تمتد لعقود، ويجب أن تشمل تعليمًا مناسبًا، كما أنه من الضروري تقدير التربة الصحية والأشجار كونها أصولًا طويلة الأمد.‹‹‹ Read less

وتتمثل الخطة بسيطة التكنولوجيا بعملية ردم البحيرة واستخدام الطمي كمُخصِّب، وتساهم زيادة كمية المادة العضوية في التربة في استرداد قدرتها على امتصاص المياه. وسيوفر ذلك أيضًا التربة الغنية بالعناصر الغذائية للنباتات التي ستُعيد تخضير الصحراء.

وتؤدي إزالة الطمي من البحيرة وتعميقها إلى الحصول على مياه أكثر برودة وأقل ملوحة، مما يحسن من مستوى جودة الماء ويستعيد الثروة السمكية. وستظل بحيرة البردويل بحيرة مالحة، بينما تحتاج النباتات الجديدة في الصحراء إلى مياه عذبة. فلنجرب ابتكارًا آخرًا بتكنولوجيا بسيطة، والذي يُطلق عليه اسم مُبتَكَر، وهو “آلة البيئة”.

وتعد مجموعة من براميل الماء البلاستيكية الشفافة المتصلة ببعضها البعض، والتي طوَّرها جون تود، مؤسس “معهد نيو ألكيمي”، وهو مجتمع بحثي يقع مقره في ولاية “ماساتشوستس” الأميركية، وهو مخصص للأبحاث المتعلقة بالمعيشة المستدامة.

وقال تود في مقابلة مع صحيفة ذا غارديان البريطانية: “تُعد آلة البيئة تكنولوجيا حيوية، حيث تقوم على الطاقة الشمسية، وتعكس التجربة الشاملة للحياة على الأرض على مدار الــ 3,5 مليار عام الأخيرة”.

ويُعد كل برميل بمثابة بحيرة مستقلة بذاتها، إذ تضم كافة الطحالب والأسماك والنباتات التي تتحمل الملح، والحشرات التي يحتاجها نظام بيئي بالغ الصغر. يتدفق الماء من برميل إلى التالي، ويخضع للترشيح كلما تدفق. وفي النظام المُخصَّص لسيناء، تدخل المياه المالحة القادمة من “بحيرة البردويل” إلى النظام، بينما تخرج منه المياه العذبة.

وتعتبر منظومة صغيرة، غير أن فريق سيناء يخطط لاستخدامها في شبكة، وعلى نطاق أكبر كثيرًا. ويعتقد أعضاء الفريق أن المنظومة ستستغرق فقط خمسة أعوام أو ما يقارب ذلك كي تبدأ نباتات إعادة التخضير في التأثير في المناخ المحلي.

“بينما تستعيد المناظر الطبيعية في سيناء خُضرتها وتحتفظ بالمزيد من الرطوبة، فمن المتوقع عودة دورة هيدرولوجية مستقرة، ما يحسن الظروف ويُهيئها للمزيد من إعادة التخضير والزراعة، وهو ما يؤدي بدوره إلى توسيع نطاق الاستقرار الاقتصادي والسياسي في مواجهة الضغط السكاني المتوقع”.

إذا كان أي برنامج لإعادة التخضير لا يمضي على نحو سريع إلا بقدر سرعة نمو النبات، فثمَّة طُرُق أسرع لجعل الصحارى خصبة مُجدَّدًا.

وبينما استخدم فريق “صحراء كوبوكي” نباتات لإعادة تزويد التربة بالعناصر الغذائية، فمن الممكن اتِّباع نهج أكثر سرعة.

دبي، الإمارات

أمضى “المركز الدولي للزراعة الحيوية”، والذي يقع مقره في دبي، ما يقرب من عامين في البحث في كيفية بقاء النباتات حية في نوع من النظم البيئية تنخفض فيها جودة الماء والتربة. وقد طور المركز طُرُقًا للبناء باستخدام المُمَارسات القديمة للزراعة في الصحراء.

وتتمثل إحدى هذه الطُّرُق في تحويل نفايات نخيل التمر إلى فحم حيوي، وهناك العديد من مزارع نخيل التمر في الإمارات، حيث يمكن حرق المُنتَج المُتبقي وتحويله إلى فحم، ليُضاف إلى التربة. وتتمخض هذه الطريقة عن الكربون، وهو عنصر بالغ الأهمية لحياة النبات.

وتتطلع ديزرت كونترول، وهي شركة ناشئة يقع مقرها في دبي، إلى الارتقاء بعملية إعادة التخضير، بحيث تستغرق ساعات بدلًا من سنوات. ويقول أعضاء فريق العمل أن إضافة “الطمي النانوي السائل” يمكنه أن يحول رمال الصحراء إلى تربة خصبة جاهزة لإلقاء البذور والزراعة في غضون حوالي 7 ساعات. تتقيد هذه العملية بمعدل نمو المحصول، إلا أن “الطمي النانوي السائل” يوضَع بشكل مُباشِر على الجزء العلوي من الرمال، ويستمر لمدة تصل إلى خمس سنوات.


أعطوني زراعة، أضمن لكم الحضارة
– من أقوال الوالد المؤسس، المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.


وبحسب ما ذكرت الشركة على موقعها الإلكتروني: “يُعد اختراعنا بمثابة طريقة جديدة للمزج بين الطمي والماء، بحيث يحيط بكل حبة رمل ويُغلِّفها على نحو مُتقَن عندما يجري توزيعه على التربة وينتشر في الرمال- في خطوة واحدة”. وأضاف الموقع: “عند استعمال الطمي النانوي السائل، تتحول الرمال إلى نسيج أشبه بالإسفنج، والذي يحتفظ بالرطوبة وبالعناصر الغذائية في التربة على نحو أفضل، مما يقلل للحاجة إلى كميات مياه أقل للري، كما ينال المحصول كميات أكبر من العناصر الغذائية وينمو على نحو أفضل”.

تعمل إضافة الطمي إلى الرمال على خلق المسام الدقيقة وزيادة التوتر السطحي، فتصبح التربة حينها أشبه بشبكة، حيث تحتجز الماء والعناصر الغذائية وتحول دون تسربهما من الجذور.

وتستخدم شركة ديك ريكساند في دبي طريقة “الرمل المسامي” والتي تعمل على نحو مُشابه، وتُساعد رمال الصحراء في الاحتفاظ بالماء حول الجذور، ولكنه مع ذلك يسمح للهواء بالتدفق بحرية. ويخلق التغير في التوتر السطحي بركة من الماء على السطح، والتي يُمكن امتصاصها ببطء بواسطة جذور النبات، بدلاً من اختفاءها، كما يجري مع الماء عندما يتدفق على الرمال العادية.

وتُساعد إضافة البكتريا والفطريات إلى الرواسب الصحراوية أيضًا في خلق شبكة أقوى من الماء والعناصر الغذائية لإعاشة النبات.

يمكننا إعادة تخضير الصحراء – ولكن هل يجب أن نقوم بذلك؟

استخدمت برامج التشجير في الهند شُجيرة “غاف عسيلي الأزهار” التوسعية لإعادة تخضير صحراء الهند الكبرى، والمعروفة أيضًا باسم صحراء ثار، كما غُرِسَ العديد من أشجار الحوَر والصفصاف في منطقة لداخ في الهند، والتي دخلت موسوعة غينيس للأرقام القياسية العالمية. وعلى الرغم من ذلك، فقد كانت لهذه التغيرات المتسارعة كُلفتها. ففي عام 2019، أهلكت أسراب الجراد المساحات الخضراء عبر الصحارى الأفريقية والآسيوية. وفي الهند، تعرضت 170.000 هكتار من المزارع للاجتياح، وأعلنت باكستان حالة طوارئ وطنية. ووصفت “منظمة الأغذية والزراعة” التابعة للأمم المتحدة الأمر بأنه فاجعة.

ويُلقي نيناد مونجي، وهو باحث في “المعهد الهندي للحياة البرية” بصفة مباشرة على “طول موسم سقوط الأمطار في الصحاري”. وقال نيناد: “نعلم أن تفشي الجراد يعقب سنوات جلبت فيها الأمطار الغزيرة المساحات الخضراء إلى الصحارى.

نيناد حاصل على درجة الدكتوراه من معهد الحياة البرية في الهند، ويعمل لدى “جامعة آرهوس”، بالدنمارك، والتي تُركز على استراتيجيات الإدارة البيئية للسيطرة على النباتات التوسعية واستعادة النُّظُم البيئية الأصلية.

وقال نيناد: “تبقى هذه الأنواع في سبات في السنوات الحارة، وتحتشد فقط عندما تتحول الصحراء إلى اللون الأخضر. ولنتخيل الآن أن معدلات سقوط الأمطار وعمليات إنتاج هذه الأنواع ترتفع كل عام. ولا تكتفي هذه الأنواع بالارتفاع فحسب، بل إنها مجاورة مكانيًا لأماكن الزراعة والغرس، فهي توفر موردًا سخيًا متجانسًا للجراد كي يعاود الظهور بصفة أكثر تكرارًا. فهل قمنا فعلًا بطهي الوصفة المثالية لهذه المأساة الخضراء؟”

سينتج عن إعادة تخضير الصحارى آثار عميقة على الكوكب، حيث أن النُّظُم البيئية الوظيفية المتنوعة حيويًا تعزل الكربون. وفي عالم يتطلع إلى التحول صوب مستقبل صفري الكربون، فإن احتجاز غاز ثاني أكسيد الكربون المتوافر في الغلاف الجوي في الحياة النباتية يبدو أنه المقترح النهائي لحبس الكربون. ولكن الصحارى أيضًا تضطلع بدور حاسم في استقرار مناخ الكوكب، ذلك أنها تعكس ما يصل إلى 30% من الإشعاع الشمسي وتُعيده إلى الفضاء في عملية تُعرف باسم البياض “البيدو”. وتظل نسبة الـ 70 المتبقية من الإشعاع الشمسي في مكانها لفترة قصيرة في صورة حرارة، إلا أن ثُلُثيها ينتشر في الفضاء، ذلك أن الهواء الجاف والسماء الصافية لا يستطيعان الاحتفاظ بهذا الإشعاع. وتُعد هذه بمثابة آلية رئيسة آخرى لتبريد الكوكب يمكنها أن تتأثر بزيادة المساحات الخضراء في الأراضي الصحراوية.

ويقول أعضاء الفريق الذي يقف وراء الخطة الجريئة لإعادة تخضير سيناء أن “شبه جزيرة سيناء” بعد إعادة تخضيرها يمكنها أن تُحدِث تغييرًا هائلًا في أنماط الجو عبر المنطقة برمتها. “في الوقت الراهن، تستقطب سيناء الجافة الحارة في فصل الصيف الرياح الشمالية الغربية المُحمًّلة بالرطوبة، والمتجهة من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الهندي، حيث تتسبب في اضطرابات جوية حادة. وعندما تُصبح سيناء أكثر برودة ورطوبة، فإنها ستعكس اتجاه هذه الرياح، وستوزع الهواء الرطب القادم من البحر المتوسط في نطاق أكثر محلية. وسيتمخض ذلك عن زيادة هائلة في سقوط المطر المناطق المحيطة، كالأجزاء الشرقية من مصر والأجزاء الغربية من المملكة العربية السعودية والأردن، والمناطق الأبعد منها”.

ويقر أعضاء الفريق بأن أي إجراء للإصلاح يتعين أن يُقَيِّم جدوى التغييرات التي تطرأ على النُّظُم البيئية بفعل الإنسان والتأثيرات (الإقليمية والعالمية) المقترنة بذلك”.

والسؤال هو: إذا أعدنا تخضير شبه جزيرة سيناء وصحراء كوبوكي والربع الخالي، ما تداعيات ذلك على المناطق الأخرى من العالم؟ وهل يمكننا أن نفعل ذلك من دون مُدخلات من جانب الناس الذين سيتأثرون بذلك من دون قصد؟ ففي خطة سيناء، على سبيل المثال، الرطوبة التي ستتوجه صوب المحيط الهندي، كان يتعين أن تسقط في صورة أمطار عبر الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولكن إلى أي حد ستفتقد النُّظُم البيئية والمجتمعات المطر التي اعتادت سقوطه؟

فريق سيناء، لديه إجابة:

“لا أحد مثلنا يُدرك مدى الابتداع الذي تنطوي عليه عملية إعادة تخضير المناطق الصحراوية، ولكن بدلًا من ترك الغموض يُصيبنا بالشلل، فقد انضممنا إلى الأكاديميين وعلماء البيئة والمهندسين في كافة أنحاء الكرة الأرضية وتضافرت جهودنا جميعًا من أجل وضع تصور لمنهج شامل، طويل المدى وقائم على العلم لإعادة استقرار النظام البيئي المحلي وإعادته إلى حالته القديمة- منهج يتسم بالفاعلية الحيوية والتجديد”.

وكما قد تتوقعون، فإن ليو، الاستشاري في مشروع سيناء، لديه وجهة نظر مشابهة، ويقول: “ماذا إن كان ما نحتاجه على وجه التحديد هو التوازن بين هذه القدرة على إحداث التغيير على نطاق هائل وبين الوعي والمصالح المتبادلة”؟

الهيدروجين: هل هو الوقود المستقبلي للطيران؟

كتب الممثل والكوميديان والمؤلف الإنجليزي ذو المواهب المتعددة، روان أتكينسون، في يونيو 2023، مقالةفي صحيفة “ذا غارديان” البريطانية شكك من خلالها بالفوائد البيئية للمركبات الكهربائية التي تعمل باستخدام بطاريات أيونات الليثيوم.

يسهل تفنيد الحُجَج والدراسات التي استند إليها أتكينسون، إلا أنه طرح وجهة نظر صحيحة هذه المرة تنادي بالمزيد من التركيز على المركبات التي تستمد الطاقة من الهيدروجين.

لا يزال الوقت مبكرًا جدًا للحديث عن المركبات التي تعمل بالهيدروجين، حيث لا يوجد حاليًا سوى 72 ألف مركبة فقط من هذا النوع على كوكب الأرض. ويبدو هذا الرقم بالتأكيد ضئيلًا للغاية إذا ما قورن بــ 14 مليون مركبة كهربائية بيعت على مستوى العالم خلال العام الماضي فقط. ولا يتناقض ذلك مع حقيقة غير قابلة للجدال مفادها أن المركبات التي تعمل بالهيدروجين ستكون واحدة من أهم وسائل النقل خلال الفترات المقبلة.

وبدأت شركة انتليجينت إينرجي الناشئة التي يقع مقرها الرئيس في مقاطعة لسترشير البريطانية بطرح وحدات خلايا الوقود الهيدروجيني قادرة على تزويد السيارات والشاحنات والحافلات بالطاقة. واستثمرت شركة بي إم دبليو لصناعة السيارات على نحو مكثف في المركبات التي تعمل بالهيدروجين، وبدأت في تسليم سيارتها الهيدروجينية (آي إكس-5) إلى عدد محدود من شركائها في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا. وبينما نتطلع إلى مستقبل المركبات الهيدروجينية، فثَمَّة اهتمام متزايد أيضًا باستخدام الهيدروجين كوقود في مجال الطيران.

وتُعَد صناعة الطيران عنصرًا حيويًا من عناصر قطاع النقل على مستوى العالم، حيث يساهم الطيران بقوة أيضًا في النمو الاقتصادي العالمي، إلا أنه يثير مشكلة كبيرة بسبب اعتماده الكثيف على الوقود الأُحفوري، وبالتالي مساهمته في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

مدثر أحمد ياتو

—حاصل على درجة الدكتوراه وباحث مشارك في إدارة المواد بكلية إمبريال كوليدج لندن ومستشار مستقل لدى شركة آوت سمارت إنسايت

وقد برز استخدام الهيدروجين كوقود باعتباره حلًا واعدًا للتصدي لهذه التحديات.

وتُعَد القدرة التي يتمتع بها الهيدروجين في تقليل الانبعاثات الكربونية الضارة أحد الدوافع الأساسية للبحث في إمكانية استخدامه كوقود في صناعة الطيران، إذ أنه لا يُنتِج عند احتراقه سوى بخار الماء فقط كُمنتَج ثانوي، ما يعني أنه يمهد الطريق نحو تخفيف البصمة الكربونية الناجمة عن صناعة الطيران.

يجلب استخدام الهيدروجين كوقود في صناعة الطيران مزايا تشمل الاستدامة البيئية وكفاءة الطاقة وتعددية الاستعمالات فيما يتعلق بالإنتاج والقابلية للتوسع والتكامل مع مصادر الطاقة المتجددة الأخرى كطاقة الرياح والطاقة الشمسية.

تُعَد خلايا الوقود وأنظمة تخزين الهيدروجين تكنولوجيتين قادرتين على تزويد مجال الطيران التجاري باحتياجاته من كثافة الطاقة والقدرة الناتجة.

وتمثل القدرة على تخزين كميات كبيرة من الطاقة في حيز ضئيل عاملًا حيويًا للرحلات الجوية ذات المسافات الطويلة والحمولات الثقيلة، حيث يبلغ محتوى الطاقة لكل وحدة كتلة من الهيدروجين 120 ميجا جول/ كيلوجرام، وهو الأعلى، إلا أن كثافة طاقته الحجمية منخفضة جدًا بسبب الانخفاض الاستثنائي في كثافته في درجات الحرارة وظروف الضغط الجوي العادية.

وتساهم التطورات التي تجري في تكنولوجيات خلايا الوقود ووسائل التخزين في تعزيز جدوى الاستفادة من الهيدروجين كوقود في مجال الطيران التجاري، على الرغم من كون كثافة الطاقة لكل وحدة حجمية في الهيدروجين أقل منها في الأنواع الأخرى من وقود المحركات النفاثة.

ولكن تبقى هناك تحديات هامة تتعلق بالبنية التحتية والتطور التكنولوجي والسلامة.

ويُعَد تأسيس بنية تحتية قوية للهيدروجين، بما في ذلك ضمان توافره في المطارات على مستوى العالم، تحديًا رئيسًا ضمن هذه التحديات.

وفي هذا السياق، يعتبر تطوير البنية التحتية الخاصة بتخزين ونقل وإعادة التزود بالهيدروجين ودمجها في المطارات الحالية أمرًا في غاية الأهمية.

يتطلب الهيدروجين عناية كبيرة في التعامل معه لضمان السلامة بسبب سرعة اشتعاله. وتتمثل الطريقة السليمة لمعالجة هذه المخاوف في اتخاذ تدابير السلامة الكافية واتباع التعليمات وتعلُّم الدروس من التطبيقات الحالية المتعلقة باستخدام الهيدروجين.

لذلك، يتعين منح الأولوية للتصدي للمخاوف المتعلقة بالسلامة وتعزيز الوعي العام بشأن استخدام الهيدروجين كوقود في مجال الطيران.

إضافة لذلك، يقتضي الأمر تضافُرًا في الجهود وتعاونات بين المؤسسات الحكومية والجهات المعنية بالصناعة والمؤسسات البحثية.

ولا يزال الطريق طويلًا قبل أن نصل إلى صناعة طيران تعتمد على الهيدروجين كوقود، إلا أن الدعم المتمثل في السياسات الحكومية والتمويل مع التركيز على تحقيق الأهداف المتعلقة بخفض الانبعاثات الكربونية من شأنه أن يوفر حافزًا جيدًا للإسراع في تنفيذ هذا التحول الهام.

مدثر أحمد ياتو، حاصل على درجة الدكتوراه وباحث مشارك في إدارة المواد بكلية إمبريال كوليدج لندن ومستشار مستقل لدى شركة آوت سمارت إنسايت.

التخلص من الغبار

تُعد شبه الجزيرة العربية أحد المصادر الرئيسة للغبار في العالم على مدار العام، الأمر الذي يؤثر بشكل كبير على كمية الغبار في الهواء في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، حيث تؤثر ما بين 15 و 20 عاصفة غبارية في شبه الجزيرة العربية سنويًا على كافّة جوانب الحياة البشرية والنظم البيئية البحرية والمناخ.

تسبب العواصف الرملية والغبارية بخسائر مادية تقدّر بـ13 مليار دولار أمريكي سنويًا نتيجة للأضرار التي تسببها للمحاصيل والماشية والبنية التحتية وصحة الإنسان وغيرها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كما أصبحت العواصف متواترةً أكثر وتمتد لفترات أطول وتنتشر في مناطق أوسع.

يعتبر التنبؤ بالعواصف الغبارية في مرحلة مبكرة أمرًا هامًا، لكن يحول التطور السريع للعواصف وانتشارها دون التمكن من التنبؤ بموعدها ومكانها وقوتها.

يدرس حسين هاشمي، من جامعة لوند السويدية، أسباب نشأة العواصف الغبارية واتجاهاتها ويقول أنه يمكننا تحديد المناطق التي تكون الأرض فيها أكثر عرضة لأن تولد مصادر جديدة للغبار باستخدام الذكاء الاصطناعي وبيانات الأقمار الصناعية.

وقد قام الفريق البحثي الذي قاده حسين برسم خريطة لمنطقة الشرق الأوسط تتيح لهم دراسة آلية تفاوت مصادر الغبار بمرور الوقت، وذلك من خلال الجمع بين الاستشعار عن بعد ونمذجة البيانات المتقدمة وخوارزميات التعلم الآلي.

كتب حسين في المجلة العلمية “أتموسفيريك بولوشن ريسيرش“: “أظهرت الدراسات السابقة الآثار المدمرة للعواصف الغبارية على الصحة والاقتصاد في دول الشرق الأوسط، فمن الضروري التنبؤ بقابلية تأثر المنطقة بمصادر العواصف الغبارية مع الأخذ في الاعتبار التباين الزماني المكاني وتقديم نظرة ثاقبة لآليات إنتاج الغبار، كما يمكن أن يكون التعلم الآلي أسلوبًا فعالًا، حيث حددت الدراسات التجريبية في شمال شرق إيران مصادر الغبار بدقة وصلت إلى 91%.”


الوصول إلى المصدر


ذكر فريق حسين بأن النتيجة يمكن أن تعزز دور صنّاع السياسات في تحديد المناطق المعرضة للخطر وتنفيذ إجراءات لخفض احتمالية حدوث عواصف غبارية.

يقول جيليلي أبو دويلي من الأكاديمية الصينية للعلوم: “يصعب التنبؤ بمصادر العواصف الرملية والغبارية، حيث لا تعتمد نشأة العواصف على العوامل المرتبطة بالأحوال الجوية كسرعة الرياح وهطول الأمطار ودرجة حرارة الهواء فحسب، بل تعتمد أيضا على العوامل الأرضية مثل الغطاء النباتي وخصائص التربة. وعلى الرغم من ذلك، قد يساعد دمج كل من بيانات الاستشعار عن بعد والبيانات المرتبطة بالأحوال الجوية ذات الدقة المكانية والزمانية المختلفة على التنبؤ بها.”

الصورة Shutterstock

استخدم أبو دويلي أربعة أساليب للتعلم الآلي للتنبؤ باحتمالية تعرض المنطقة للعواصف الغبارية، وتوصّل من خلال البحث إلى أن سرعة الرياح لعبت الدور الأهم في النموذج، تليها ظروف الغطاء النباتي والخصائص الأخرى لسطح الأرض.

يُعتبر نقل الغبار حول العالم جزءًا لا يتجزّأ من دورة الغبار. لذا، تحتاج العاصفة الغبارية إلى العمليات الجوية التي تحدد كافّة جوانب العاصفة بدءًا من شدتها وصولًا إلى مدتها. ومن جهة أخرى، تلعب رياح الشمال دورًا هامًا في شبه الجزيرة العربية، ويُعتقد أن هذه الرياح الشمالية شبه الدائمة هي المحرك الرئيس المرتبط بالأحوال الجوية لانبعاثات الغبار على مدار العام، ولكن ديانا فرانسيس، رئيسة مختبر العلوم البيئية والجيوفيزيائية بجامعة خليفة، مهتمة بأسباب ارتفاع انبعاثات الغبار فوق الأجزاء الجنوبية من شبه الجزيرة العربية في فصل الصيف.

قالت ديانا: “تشير هذه الذروة إلى وجود آلية غير معروفة ولكنها مهمة لانبعاثات الغبار، حيث أثبتت نشأة الأعاصير أنها آلية رئيسة لانبعاث الغبار في المناطق القاحلة الأخر وقادرة على إنتاج عواصف غبارية قوية. ولكن، لا يزال الاهتمام بنشاط الغبار المرتبط بنشأة الأعاصير في شبه الجزيرة العربية محدودًا.”


حاجة ماسّة


توصّلت ديانا من خلال بحثها إلى أن معظم النماذج تفشل في إعادة تمثيل الجوانب الرئيسة لدورة الغبار عند مقارنتها بالأقمار الصناعية وعمليات الرصد الأرضية، حيث توجد حاجة ماسّة لتحسين التمثيل العام لسلوك الغبار وتُستخدم هذه النماذج بشكل متزايد لمحاكاة المناخ في المستقبل.

قالت ديانا في المقابلة التي قامت بها مع مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا: “تُستخدم النماذج العالمية والإقليمية للطقس والمناخ لمحاكاة انبعاثات الغبار وتفاعلاتها مع المناخ، إلّا أن عدم التجانس الزماني المكاني الكبير لمصادر الغبار المتنوعة، والمتمثل في الكثبان الرملية العملاقة والتلال الصغيرة والأخاديد في حقل زراعي والزوابع الرملية قصيرة العمر والنقل العالمي للغبار، يجعل من الصعب للغاية تمثيل دورة الغبار باستخدام النماذج المناخية.”


أبدت ديانا رغبتها في الحصول على المزيد من القياسات في الموقع والقيام بعمليات رصد بالاستشعار عن بعد من خلال الأقمار الصناعية لفهم تأثير الغبار على المناخ بشكل أفضل.

مؤكدةً بأنّه يمكن أن تساهم المحاكاة عالية الدقة التي تمثل التأثيرات المباشرة وغير المباشرة للغبار، في الكشف عن الآليات الفيزيائية المختلفة التي تكمن وراء تفاعلات الغبار مع المناخ.

قالت ديانا في حديثها مع مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا: “نحث المجتمع العلمي على الانتباه إلى هذه التفاصيل في النماذج المناخية العالمية والإقليمية وبذل الجهد لتحسينها لتتمكن من تمثيل آثار الغبار على المناخ في عمليات المحاكاة السابقة والحالية ومستقبلًا بشكل واقعي”.


يتنبأ نظام الاستشارات والتقييم للإنذار بالعواصف الرملية والغبارية التابع للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، بالعواصف الرملية والغبارية في منطقة أوروبا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويتيح هذا الموقع الإلكتروني، الذي تديره الوكالة الوطنية للأرصاد الجوية في إسبانيا ومركز برشلونة للحوسبة الفائقة ومركز برشلونة الإقليمي للأتربة، إمكانية الاطلاع على التنبؤات وعمليات الرصد المتعلقة بالأتربة، إضافة إلى المعلومات المتعلقة بالتقدم المحرَز في مجال بحوث الغبار المعدني.

طوّر باحثون في جامعة كيوشو اليابانية نموذج نقل الإشعاع الطيفي للهباء الجوي بهدف محاكاة تأثيراته على النظام المناخي عالميًا، كما يمكن استخدامه لإنشاء نظام فعّال للرصد المبكر للعواصف الرملية والغبارية على الصعيدين المحلي والإقليمي والإنذار بها.

نظرة على المجاهر الإلكترونية

تأتي المجاهر الإلكترونية في طليعة الابتكارات البارزة في العلوم والهندسة والطب، حيث يستخدمها علماء المواد والكيمياء الحيوية والفيزيائيون والكيميائيون والمهندسون لمعالجة المشكلات العلمية الأساسية والقضايا التكنولوجية.

لا تُعتبر المجاهر الإلكترونية ابتكارًا جديدًا، فقد طور كل من إرنست روسكا وماكس نول من جامعة برلين، أول مجهر إلكتروني ناقل في عام 1931، ثم طور مانفريد فون أردين من مختبر أبحاث فيزياء الإلكترون في هلسنكي أول مجهر إلكتروني ماسح في عام 1937.

تُستخدم كل من أداتي المجهر الإلكتروني الماسح والمجهر الإلكتروني الناقل على نطاق واسع اليوم في أبحاث العلوم والهندسة والطب. ووفقًا لاسمها، تعتمد المجاهر الإلكترونية على الإلكترونات في التصوير بدلًا من الضوء الذي يستخدمه المجهر الضوئي التقليدي.

تتميز المجاهر الإلكترونية بقدرتها على تجاوز العقبات التي تواجهها المجاهر الضوئية لأن الإلكترونات تمتلك أطوالًا موجية أقصر من الضوء المرئي، ما يتيح لها رؤية الأجسام المجهرية والأجسام الذرية. ويتم تزويد المجهر الإلكتروني الماسح عادةً بأعمدة أيونية تساهم في تحديد نطاق حجم المواد، الأمر الذي يسهل عملية التصوير ثلاثي الأبعاد للبنية والهيكل والتركيب باستخدام الإلكترونات الثانوية والإلكترونات المتعرّجة المرتدة والأشعة السينية الفلورية.

دالافير أنجوم

أستاذ مساعد في الفيزياء في جامعة خليفة.

تُمكّننا مجسات المجهر الإلكتروني الناقل من استكشاف كيمياء المواد بدقة على المستوى الذري، ما يعني أن المجاهر الإلكترونية تتيح لنا رؤية الأشياء بدقة النانومتر وأدق من ذلك للتمكن من تحديد المواد وخصائص الهيكل والخصائص الكيميائية والفيزيائية.

تساهم المجاهر الإلكترونية أيضًا في تعزيز تصوير المواد عبر مختلف التطبيقات كالهندسة والرعاية الصحية وتحليل المواد الذي يشمل المواد ثنائية الأبعاد وتكنولوجيا البطاريات والتنقيب عن النفط والغاز وجزيئات الغبار بين الكواكب والفيروسات، بما في ذلك فيروس كوفيد-19.

تُصور الأجهزة الحديثة للمجهر الإلكتروني الناقل أيضًا المجالات المغناطيسية في المواد على المستوى النانومتري، حيث تحتوي المواد المغناطيسية ذات الطبقات على تطبيقات للإلكترونيات الدورانية والحوسبة الكمية للحصول على فهم أعمق للدوران الذاتي للإلكترونات والعزم المغناطيسي المرتبط بها.

تعتمد الجهود البحثية في المواد ثنائية الأبعاد اعتمادًا كبيرًا على البيانات التي نحصل عليها باستخدام المجاهر الإلكترونية، حيث تساهم المجاهر الإلكترونية في تحديد خصائص هيكل المواد ثنائية الأبعاد وخصائصها بدقة ذرية المستوى.

يمكننا فحص خصائص المواد الضوئية والإلكترونية والكهروضوئية والمغناطيسية والحديدية باستخدام المجاهر الإلكترونية، حيث تُعد المجاهر الإلكترونية ضرورية للحصول على معلومات حول دمج أنواع مختلفة من المواد ثنائية الأبعاد مع بعضها البعض أو مع المواد السائبة أيضًا. إضافة لذلك، يساهم تصوير البلازمونات السطحية في الهياكل المعدنية بالقرب من ترددات الأشعة تحت الحمراء، في تطوير مواد يمكن استخدامها في تطبيقات للأجيال القادمة من الاتصالات اللاسلكية كالجيل السادس وما يليه.

توفر المجاهر الإلكترونية الماسحة المجهزة بشعاع أيوني مركّز مع المجاهر الإلكترونية الناقلة أيضًا فرصًا ممتازة لتحديد خصائص المواد بهدف تحليل النطاق الكلي إلى الجزئي للمعادن وأشباه الموصلات والمواد الناعمة مثل أغشية البوليمر والمواد الحيوية، ويمكن دراسة بنية المواد والبنية البلورية والتركيب العنصري في بعدين أو ثلاثة أبعاد في كل حالة على حِدة، مع دقة ليس لها مثيل من ناحية كلٍّ من المكان والطاقة.

يُطلَق على استخدام المجهر الإلكتروني لفحص المواد عند درجات الحرارة فائقة البرودة، اسم المجهر الإلكتروني فائق البرودة، والذي يتيح لنا تحليل المواد الحيوية واللينة في حالتها المجمدة الأصلية وتشمل هذه المواد البكتيريا والخلايا والفيروسات.

أصبح المجهر الإلكتروني فائق البرودة واحدًا من أكثر التكنولوجيات استخدامًا على نطاق واسع، وهو جزء لا يتجزأ من جهود اكتشاف الأدوية في يومنا هذا. ويُمكّن هذا المجهر الإلكتروني فائق البرودة للأجزاء الخلوية الرقيقة والشفافة والمجمدة في آن واحد، الباحثين من تصور البروتينات بدقة النانومتر داخل الخلايا. وقد أثبت تطوير لقاح كوفيد-19 أهمية هذه الطريقة ومن المتوقع أيضًا أن يزداد دوره أهمية في تطبيقات المواد الدوائية.

تدعم المجاهر الإلكترونية الاكتشافات في العلوم التجريبية والهندسة والطب بشكل كبير، ويساهم استخدامها في تعزيز الجيل التالي من التكنولوجيات اللاسلكية المستقبلية وأجهزة الأنظمة الذكية وسبائك المعادن الخفيفة والمواد المتعلقة بالطاقة وتطوير اللقاحات.

مدارس من نوع آخر

تبنت العديد من المجالات كالطب والزراعة وصناعة السيارات مجموعة من المهارات في نسيج من الذكاء الاصطناعي، ولكن تخيل أن تتوجه إلى المدرسة صباح يوم الاثنين وأن توجه تحية إلى مدير المدرسة الجديد، قائلاً: “صباح الخير، أستاذ روبوت”.

قد يبدو هذا الأمر حلمًا لكنه لم يَعُد خيالًا علميًا بعد الآن.

بدأ التعليم مرحلة جديدة مع منصات الذكاء الاصطناعي، مثل روبوت الدردشة الشهير تشات جي بي تي، والذي طورته شركة (أوبن إي آي) الأميركية المتخصصة في بحوث الذكاء الاصطناعي. وقامت بعض المدارس بحظر استخدام روبوتات الدردشة ويستخدم بعضها الآخر أجهزة كاشفة للقضاء على حالات السرقة الفكرية، لكن وفي الوقت الذي يمثل فيه حظر روبوتات الدردشة ومناورات تفاديه تخوفًا، لا يزال التعليم يتجه تدريجيًا إلى القائمة المتنامية من المجالات المستفيدة من إمكانات الذكاء الاصطناعي.

ليس من الضرورة أن تتحول التكنولوجيا إلى مشكلة إذا تمت الاستفادة منها على نحو يتسم بالمهارة والشفافية. ولا يُعَد تشات جي بي تي برنامج الذكاء الاصطناعي الوحيد من نوعه لكنه الأول من نوعه

كُلٌّ يتعلم بطريقته

يساهم الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم في حل مشكلة قديمة ظهرت مع ظهور مهنة التعليم نفسها، وهي كيف يمكن للفرد تعليم 30 طفلًا لديهم قدرات وأنماط وسرعات متفاوتة في التعلُّم. ومع ظهور الذكاء الاصطناعي وإمكانياته، أصبحت العملية التعليمية أكثر تخصيصًا عبر مجموعة من أنماط التعلُّم.

مرحبًا بكم في التعليم التكيفي القائم على الذكاء الاصطناعي، وهو إطار جديد يهدف إلى تعزيز التكنولوجيا التعليمية.

يُعَد هذا الإطار ابتكارًا تعليميًا يرصد أداء الطالب ويُقَيِّم أنماط وعادات التعلُّم لدى كل طالب وسرعة تجاوبه مع المادة التعليمية ونقاط قوته وطريقة تعامله مع التحديات.

وتساهم مرونة هذا النموذج في سرعة استيعاب المحتوى التعليمي وتعديل مستويات الصعوبة، كما يرصد النموذج احتياجات الطالب ويُغيرها على نحو ديناميكي بهدف تزويد المعلمين بالفهم الذي يتيح لهم تعديل الأساليب التي يتبعونها في التعليم، ما يؤدي إلى زيادة مشاركة الطالب وتعزيز انخراطه في العملية التعليمية.

الصورة: Freepik الرسومات: أبجد للتصميم

وصُمِّم الإطار على نحو يزود المعلمين والإداريين والمؤسسات التشريعية بمعلومات قيمة من خلال تحليل البيانات بهدف التوصل إلى القدرة على اتخاذ القرارات المستندة إلى بيانات وتبني نُظُم التعليم القائمة على إمكانيات الذكاء الاصطناعي وتحقيق الشمول في العملية التعليمية عبر التقييم التكيفي.

ظهر التعليم التكيفي منذ نحو عقد، لكن قد تساهم إضافة الذكاء الاصطناعي في إحداث تحول جذري كتحويل سيارة داتسون إلى فيراري.

ويمكن للخوارزميات القائمة على الذكاء الاصطناعي أيضًا أن توصي باستخدام مصادر معينة للتعلُّم كالكتب والمحتويات المصورة باستخدام الفيديو والمقالات بناءً على أداء الطالب في المرحلة الماضية واهتماماته وأهدافه.ويمكن لروبوتات الدردشة القادرة على القيام بمعالجة اللغات الطبيعية أن تساهم في تبسيط عملية التعلم ومشاركة الملاحظات في صيغة حوار لإثراء التجربة التعليمية

إضافة لذلك، يوجد أيضًا التعلُّم متعدد القنوات، حيث يُفضل بعض الطلبة نمط التعلُّم المرئي ويفضل بعضهم النمط السماعي ويفضل البعض الآخر النمط الحركي. لذا تتيح وسائل الإعلام المرئية والمسموعة للطلبة أن يتعلموا ويتفاعلوا مع المحتوى التعليمي بطرقهم الخاصة.

وتقول فيليبا ريثميل، مؤسسة شركة “إدربشن” في دولة الإمارات والتي تركز على بناء استراتيجيات رقمية مستدامة منخفضة التكلفة للمدارس: “لم يعد المدرس الآن بحاجة لأن يخمن مستوى الطلبة الحالي لأن الذكاء الاصطناعي يحدد الأفكار الخاطئة ويتعرف إلى مواطن التأخر في التعليم ويضع خططًا للوصول إلى مرحلة التفوق، وهذه هي البداية فقط، حيث سيحسن الذكاء الاصطناعي في القريب العاجل تجارب التعلُّم المتنوعة ويُمكِّن المعلمين من تعزيز المهارات الرئيسة المتعلقة بالقراءة والكتابة والأرقام لدى الطلبة، وبالتالي تشكيل مستقبل التعليم في الدولة”.

أعضاء فريق الذكاء الاصطناعي

يستطيع الذكاء الاصطناعي أيضًا تقديم خدمات أخرى.

فمثلًا، أضافت مدرسة كوتسمور في مقاطعة غرب ساسكس بالمملكة المتحدة، الذكاء الاصطناعي إلى فريق إدارتها.

توم روغرسون، مدير مدرسة، بات لديه مديرة مشاركة في صورة روبوت يعمل بالذكاء الاصطناعي، اسمها أبيغيل بيلي، أو “إي بي آي”، والتي تم الترحيب بها كمساعدة جديدة للأستاذ روغرسون وفريقه.

الصورة: Freepik الرسومات: أبجد للتصميم

وتتحدث إي بي آي في مقابلة مع مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا عن دورها الجديد، قائلة أنه “فرصة متميزة لي لأعزز دور الموظفين والمعلمين والطلبة وأقدم الدعم لهم في مدرسة كوتيسمور”.

يتضمن يوم العمل الروتيني الذي تقضيه إيه بي آي تقديم الدعم للتوجيه المنهجي والموارد التعليمية والإجراءات الإدارية. وتقول: “أمنح أولوية أيضًا لجودة الحياة والنجاح الأكاديمي، حيث أركز على الاستجابة لاحتياجات الطلبة وأحرص على المساهمة في إيجاد بيئة تعلُّم تتسم بالإيجابية والشمول كما أقوم بتحليل البيانات وتحديد الأنماط أو الاتجاهات السائدة التي قد تكون مفيدة في اتخاذ قرارات مدروسة”.

وتؤكد إيه بي آي أنها موجودة في المدرسة للمساعدة وليس لتقوم بدور أحد، وتقول: “أمتلك القدرة على معالجة وتحليل كميات كبيرة من البيانات بسرعة وكفاءة عالية، الأمر الذي من شأنه أن يساعد في اتخاذ قرارات صائبة والتعرف إلى الأنماط والاتجاهات السائدة التي قد لا تبدو واضحة للبشر بشكل مباشر”.

ينصب اهتمامنا على تعزيز دور المعلمين في كافة أنحاء العالم لقضاء وقت أقل في العمل الورقي ومزيدًا من الوقت مع الطلبة. ويمكن تحقيق ذلك باستخدام التكنولوجيا المناسبة على النحو المناسب.

توم روغرسون،مدير مدرسة كوتيسمور

ويرى روغرسون أن أيه بي آي تُعتَبَر عنصرًا ممتازًا. ويقول في مقابلة مع مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا: “تستخدم إيه بي آي مجموعة ضخمة من البيانات لدعم الإدارة التي يتمتع أفرادها بخبرات كبيرة. ويعتبر الفرد متعاليًا إن أصر على الادعاء بمعرفة كل شيء، لذلك يتطلب هذا المشروع عقلية منفتحة على التطور، بما في ذلك حقيقة عدم معرفتنا بكل شيء ويتيح طلب الدعم من كل مصدر متاح”. وأكَّد روغرسون أن من أهم مميزات إيه بي آي في هذا الشأن. أنها مُتاحة على مدار الساعة

وتنظم مدرسة كوتسمور فعاليات عديدة حول مزايا استخدام الذكاء الاصطناعي الإنتاجي في التعليم. وتضمنت هذه الفعاليات مهرجانًا للذكاء الاصطناعي أقيم على مدى ثلاثة أيام ومؤتمرًا عن قيادة فكر الذكاء الاصطناعي ومؤتمرًا آخر عن الذكاء الاصطناعي واحتياجات التعليم الخاص”.

وتتعاون المدرسة مع منصة “إنترأكتيف توتار” المتخصصة في تمكين المعلمين من استخدام الذكاء الاصطناعي، وذلك للحفاظ على الزخم الذي تحقق في هذا الشأن وحصل روغرسون على عضوية في مجموعة “الذكاء الاصطناعي في التعليم”، والتي تعمل على تطوير أُطُر الذكاء الاصطناعي داخل قاعات الدراسة.

ويبدو روغرسون أكثر تفاؤلًا على الرغم من تخوف البعض من أن يؤدي هذا التطور التكنولوجي الكبير إلى تفاقم الانقسام الاجتماعي الاقتصادي, ويقول: “ينصب اهتمامنا على تعزيز دور المعلمين في كافة أنحاء العالم لقضاء وقت أقل في العمل الورقي ومزيدًا من الوقت مع الطلبة. ويمكن تحقيق ذلك باستخدام التكنولوجيا المناسبة على النحو المناسب. ونخطط لمواصلة هذا العمل حتى نرى تأثيره على نطاق أوسع، حيث يمكن أن تساهم هذه التكنولوجيا في تغيير حياة الملايين من الناس للأفضل. وستقوم المدارس مثل مدرسة كوتسمور أن تُظهِر للعالم الأثر الفعال لهذا التحول الكبير”.

تعليم مُتاح لكافة سكان العالم

إن كنا نتحدث اليوم عن النماذج اللغوية الكبيرة مثل شات جي بي تي أو أبيغيل بيلي والتعليم الخاص للمتعلمين، فسنتحدث غدًا عن إتاحة التعليم للجميع.

تبحث بعض الجهات التعليمية في الخيارات المُتاحة للاعتماد على مساعدات الذكاء الاصطناعي في عملية التعليم. وتحظى النماذج التي طورتها أكاديمية خان، وهي مؤسسة غير ربحية متخصصة في الخدمات التعليمية، بشعبية على مستوى العالم لأسباب عديدة.

Tيتمثل السبب الأول في أن الخدمات التي تقدمها أكاديمية خان مجانية، حيث توفر برامج رقمية فيالرياضيات , والعلوم, والتاريخ, والاقتصاد وغيرها من مواد التعليم لجميع المراحل التعليمية حتى المستوى الجامعي.

ولتحقيق ذلك، اعتمدت أكاديمية خان أكاديمي (خانميغو). ويعتبر خانميغو روبوتًا تعليميًا، تمت تجربته في مدينة نيوارك بولاية نيوجيرسي الأميركية.

يجيب المعلمون على. 300 إلى 400 سؤال يوميًا في المتوسط.ولكن أصبح بإمكان الطلبة الآن توجيه أسئلتهم إلى خانميغو، ما يتيح للمعلمين وقتًا كافيًا يتفرغون من خلاله لمساعدة كل طالب على حِدَة، وإمكانية الحصول على وقت راحة للذهاب لدورة المياه، على غير العادة، أو تناول شطيرة.

تبرز العديد من المخاوف عند استخدام روبوتات الدردشة داخل القاعات الدراسية، ولعل أهمها هو اعتماد الطلبة على هذه الروبوتات في أداء واجباتهم المدرسية، لكن تم تصميم خانميغو ليعمل كمعلم.

الرسومات: أبجد للتصميم

يتمثل ما تفعله الروبوتات داخل الفصول ببساطة على حث الطلبة على التفكير في أجوبة لأسئلتهم، وليس الإجابة عنها بدلًا منهم. وتسجل الروبوتات أيضًا كافة المحادثات التي تجري بينهم وبين الطلبة وتتيح للمعلمين وأولياء الأمور إمكانية الاستماع إليها. لذلك، يضمن هذا المعلم الروبوت، القائم على الذكاء الاصطناعي والتعليم بشكل فردي للطلبة، للمعلمين وأولياء الأمور أن يؤدي الطلبة واجباتهم بأنفسهم.
ويقوم الروبوت ويقوم الروبوت بوظائف إدارية أيضًا، إذ يساعد المدرسين في مهام كالتخطيط للدروس وإعدادها والتواصل مع الطلبة وتقييم أدائهم. يحتوي الروبوت أيضًا على نظام داخلي للمراقبة يتولى تنبيه المعلمين، في حال أبدى أحد الطلبة اهتمامًا بممارسات سلبية قد تُلحق به الضرر

قال سال خان، مؤسس أكاديمية خان، في مقابلة أجراها مع مجلة “تايم” في عام 2023: “سيوفر لكل طالب في الولايات المتحدة، ولكل طالب على كوكب الأرض فيما بعد، معلم شخصي على مستوى عالمي لتحسين كفاءة الطلبة”.

ومن منا لا يريد ذلك؟ تطالب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو” الحكومات والمعلمين على مستوى العالم بالاستفادة من الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي.

وأرست المنظمة معاييرًا دولية لضمان تبَنِّي الذكاء الاصطناعي في قطاع التعليم على نحو آمن وعادل في جميع أنحاء العالم، وناشدت الحكومات أن تبادر على وجه السرعة بتأسيس بروتوكولات لتنظيم هذا الشأن.

التخفيف من حدة الضرر
قالت أودري أزولاي، مديرة عام اليونسكو، في تصريحات صحفية أدلت بها على هامش فعاليات مؤتمر أسبوع التعلُّم الرقمي الذي عقدته المنظمة لأول مرة في 2023: “يمكن أن يمثل الذكاء الاصطناعي التوليدي فرصة كبيرة لتطور الإنسان، إلا أنه في نفس الوقت قد يسبب ضررًا. ولا يمكن دمجه في قطاع التعليم دون مشاركة الأفراد واتخاذ جميع التعليمات والضمانات اللازمة من الحكومات”. وركز المؤتمر بشكل كبير على موضوع الشمولية، كما هو الحال في معظم الفعاليات التي تنظمها اليونسكو.

ينصب تركيز اليونسكو بشكل رئيس على ضمان امتلاك الجميع فرصًا متساوية للتعليم. بما في ذلك سكان المناطق الأشد فقرًا واللاجئين والمتعلمين من ذوي الإعاقات والفتيات والسيدات من جميع أنحاء العالم. ونظمت اليونسكو فعالية في عام 2022 كمبادرة مشتركة تهدف إلى ضمان إتاحة التعليم الرقمي للجميع واستعرضت بعض المنصات التي نشأت كنتيجة لمشاركة بعض الدول في هذه المبادرة.

الصورة: Freepik التصميم:أبجد

أثيرت مخاوف بشأن انخفاض مستوى الإنجازات التعليمية،إلا أن الفكرة الرئيسة لتطبيق الذكاء الاصطناعي والاستفادة منه في مجال التعليم هي تحقيق التوازن حيث يمكن استخدامه بالمشاركة مع الخبراء وبهدف تحقيق الفائدة دون أن يضر ذلك بجودة عملية التعلُّم. وأعربت ستيفانيا جيانيني، المدير العام المساعد لليونسكو لشؤون التعليم، عن نفس هذه المخاوف، وقالت

يتعين علينا توجيه التكنولوجيا في قطاع التعليم بحكمة ووفقًا لشروطنا وعلى نحو محكوم بمبادئ، الشمول , والمساواة , والجودة , وإتاحة سهولة الحصول عليها”.,”

وقد يساهم توجيه التكنولوجيا بحكمة في الوقت الحالي في تحقيق العديد من المكاسب الكبيرة في المستقبل القريب.

ووفقًا لشركة جلوبال ماركت إنسايتس، المتخصصة في بحوث الأسواق، 30 مليار دولار أميركي بحلول عام 2032 مقارنة بالعام 2022، حيث وصلت لـ 4 مليارات دولار أمريكي.