قصة لقاح الحمض النووي الريبوزي المرسال

يتم تنفيذ كل وظيفة تقريباً في جسم الإنسان بواسطة البروتينات التي تقوم الخلايا بتصنيعها باستمرار باستخدام الحمض النووي الريبوزي المرسال. يحمل كل شريط في الحمض النووي الريبوزي المرسال المعلومات حول كيفية صنع نوع واحد من البروتين. وتقوم الخلية بقراءة الحمض النووي الريبوزي المرسال واتباع التعليمات وتصنيع البروتين.

ويعتبر الحمض النووي الريبوزي (آر إن إيه) المرسال وصفة تعليمات لخلايا الجسم. ما هي الفكرة؟ قم بإجراء تعديلات دقيقة على تلك التعليمات واحقن الأشخاص بها، واجلس وشاهد الجسم يصنع جميع البروتينات التي تحتاجها.

 IMAGE: أنس البنّي 

تأتي الفيروسات بأشكال وأحجام مختلفة، بعضها عبارة عن فيروسات الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين (دي إن إيه) التي تحتوي على حمض نووي يندمج مع حمض نووي مضيف في خلايا معينة باستخدام آلية النسخ المتماثل لتلك الخلية من أجل التكاثر. ويمكن لهذه الفيروسات تنشيط جينات السرطان في المضيف، فعلى سبيل المثال، يؤدي فيروس الورم الحليمي البشري إلى تشكل السرطان في عنق الرحم.

تحمل فيروسات (آر إن إيه) الحمض النووي الريبوزي ولا تدمج هذا الحمض في الحمض (دي إن إيه) في المضيف، حيث يتم بدلًا من ذلك توجيه الحمض النووي الريبوزي إلى الريبوسومات المضيفة في الخلايا لتساهم هذه الريبوسومات في تكاثر الفيروس، ولا تتفاعل هذه الفيروسات مع الحمض النووي للمضيف.

عندما يدخل لقاح (آر إن إيه) المرسال إلى الجسم، تقوم الخلية بقراءته وتبدأ في صنع بروتينات شوكية غير ضارة من تلقاء نفسها، ثم يتعرف الجسم عليها كجسم غريب يشكل خطرًا ويطلق استجابة مناعية ويعلم نفسه الاستجابة للبروتينات الشوكية. ففي حال الإصابة بفيروس كورونا، فإن خلايا تعرف الآن ما يجب القيام به.

ما هو الخلل الرئيس في لقاح (آر إن إيه) المرسال ؟ يتفكك لقاح (آر إن إيه) المرسال بسهولة بالغة، ولهذا يجب وضعه في وسط دهني وقائي مع الحفاظ عليه في درجات حرارة منخفضة..

تعتبر لقاحات (آر إن إيه) المرسال طريقة فعالة لتحقيق الاستجابة المناعية، ويمكن الاستفادة من هذه اللقاحات في مجالات أخرى عديدة ولا يتوقف استخدامها عند فيروس كورونا؛ فقد نجد من خلاله لقاحات لعلاج مرض السرطان أو لقاح مضاد لفيروس الإيدز.

تاريخ لقاح (آر إن إيه)

1961 – تم اكتشاف (آر إن إيه) المرسال

1963 -تم اكتشاف محفزات المضادات المناعية عبر (آر إن إيه) المرسال. (الإنترفيرونات هي بروتينات تلعب أدوارًا رئيسة في المناعة الطبيعية، ويمكن تنشيطها بواسطة البروتينات التي ينتجها(آر إن إيه)المرسال.

1965 – إنتاج الليبوزومات لأول مرة.

1969 -إنتاج أول بروتينات من (آر إن إيه) المرسال المعزول في المختبر.

1971 -استخدمت الليبوزومات لأول مرة لإيصال الدواء.

1974 -استخدمت الليبوزومات لأول مرة في إيصال اللقاح.

1978 -توصيل (آر إن إيه) المرسال المغلف بالليبوزومات إلى الخلايا لأول مرة.

1984 -تصنيع (آر إن إيه) المرسال في المختبر.

1989 -توصيل (آر إن إيه) المرسال الاصطناعي في الليبوزومات إلى الخلايا البشرية لأول مرة.

1992 -تم اختبار (آر إن إيه) المرسال كعلاج للفئران.

1993 -تم اختبار لقاحات (آر إن إيه) المرسال للكشف عن الانفلونزا في الفئران للمرة الأولى.

1995 -تم اختبار (آر إن إيه) المرسال كلقاح للسرطان في الفئران.

2005 -اكتشاف أن الحمض النووي الريبوزي المعدل يتجنب الجهاز المناعي.

2013 -إجراء أول تجربة سريرية للقاح (آر إن إيه) المرسال على الأمراض المعدية (داء الكلب).

2020 -تم اعتماده كأول لقاح لفيروس كوفيد-19 قائم على الحمض النووي الريبوزي المرسال للاستخدام في حالات الطوارئ.

الآلية التي اتبعتها دولة الإمارات لإدارة جائحة كوفيد‑19

سارعت دولة الإمارات في التوجه إلى رصد مياه الصرف الصحي عندما ضربت جائحة كوفيد-19 جميع أنحاء العالم.

وفي هذا الصدد، قالت حبيبة الصفار، مديرة مركز التكنولوجيا الحيوية في جامعة خليفة، ومدير مركز الإمارات للأبحاث الحيوية في وزارة الداخلية في حديثها مع مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا: “كانت دولة الإمارات الأولى على مستوى المنطقة  والخامسة عالميًا في هذا المجال”.

وضعت حبيبة وزملاؤها في الفريق البحثي وهم، شادي حسن وأحمد يوسف والفارو لوبز، بالتعاون مع وزارة الداخلية ودائرة الطاقة في أبوظبي، خطة استراتيجية لمراقبة شبكات الصرف الصحي بهدف التصدي للجائحة في وقت مبكر.

عمل الفريق على مدار الساعة لتحضير المواد الكاشفة داخل الدولة وحصلنا على الدعم الكامل من الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث في دولة الإمارات.

حبيبة الصفار

وتقول حبيبة بأنها لم تكن مهمة سهلة.

“قمنا بتأسيس لجنة علمية لمناقشة أفضل الطرق لإيجاد حلول للجائحة من خلال إنشاء برنامج الترصد البيئي لمدى انتشار الفيروس في دولة الإمارات من خلال عينات الصرف الصحي. وفي ضوء الإغلاقات ونقص سلسلة التوريد من المواد الكيميائية والمعدات والمواد الكاشفة، أوجدنا خطة تتمثل بالاستفادة من المعدات والمرافق المختبرية المتاحة في الدولة، كما أسسنا مختبرًا متخصصًا لهذا البرنامج وحققنا نجاحًا في أقل من أربعة أشهر.”

أدت مشكلات سلسلة التوريد إلى تصعيب عمليات استيراد المواد الكيميائية وغيرها من المواد الاستهلاكية من الخارج.

وفي هذا السياق، علقت حبيبة: “عمل الفريق على مدار الساعة لتحضير المواد الكاشفة داخل الدولة وحصلنا على الدعم الكامل من الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث في دولة الإمارات والذي عزز دور البرنامج في مواصلة مسيره”.

ساهمت جامعة خليفة بالتعاون مع باقي أعضاء الفريق في أبوظبي في تشكيل سياسة استجابة دولة الإمارات وعقد الاجتماعات الأسبوعية مع ممثلين رسميين من القطاع الحكومي وتقديم إشعارات بظهور موجات ومتحورات جديدة.

ووفقًا حبيبة، فقد ساهم المشروع أيضًا في انتشار العديد من برامج المراقبة التي تم تأسيسها في مختلف أنحاء العالم بالاعتماد على برتوكولات المشروع.

إضافة لذلك، تمكنت بيانات رصد مياه الصرف الصحي، والتي تم تسليمها إلى الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث، من تزويد حكومة الدولة من المعلومات اللازمة للكشف المبكر عن الموجات القادمة، الأمر الذي سهل تشكيل الإجراءات الاحترازية وإدارة الإغلاقات.

وقالت حبيبة: “تمكنت دولة الإمارات من إدارة الجائحة بشكل فعال، حيث كانت جميع الإجراءات والتدابير التي اتخذها صناع القرار بالإضافة إلى توفير مراكز فحص (بي سي آر) المنتشرة في مختلف أنحاء الدولة تصب في مصلحة مجتمعنا وصحة أفراده العزيزين علينا.

ومن أشكال الاستجابة الأخرى التي اتبعتها جامعة خليفة في مواجهة الجائحة إطلاق برنامج بحث وتطوير في العام 2020 يهدف إلى التسريع في تطوير المعرفة والحلول في مجالات الأوبئة والأدوات الرقمية الرامية إلى الحد من انتشار الفيروس وأجهزة التشخيص الطبية.

وقد تم تمويل 16 مشروعًا بقيمة كلية تجاوزت 10 ملايين درهم إماراتي، حيث شملت المشاريع تطوير الأغشية لإنتاج الكمامات المضادة للفيروسات والحصول على المعرفة الدقيقة والمعلومات المفصلة فيما يخص آلية انتقال فيروس كوفيد-19 بين الحيوانات والإنسان، إضافة لتطوير تطبيق يساهم في التقاط البيانات الصحية والكشف عن أعراض الإصابة بالفيروس بشكل مبكر.

راقب الحيوانات

إذا كان هناك دروس نتعلمها من جائحة فيروس كوفيد-19، فهي الحاجة إلى مراقبة الأمراض الناشئة.

طرحت الدكتورة مارغريت تشان، المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية في عام 2009 السؤال التالي: “تساهم مراقبة الأمراض الناشئة في تحقيق الأمن العالمي، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، ماذا لو تعرضت مراقبة الأمراض الناشئة والقدرات المختبرية للخطر، هل كان بإمكان الجهات الصحية التعامل مع”سارس” أو اكتشاف ظهور فيروس جائح في الوقت المناسب لتحذير العالم والحد من انتشاره؟”.

الإجابة باتت واضحة الآن.

يعد تتبع الأمراض ذات المصدر الحيواني ومسببات الأمراض التي تنتقل من الحيوانات إلى البشر أمراً بالغ الأهمية في مجال الكشف عن ظهور المرض في أقرب وقت ممكن. وستواصل الأمراض ذات المصدر الحيواني ظهورها وسيكون من المستحيل تتبع كل شيء ومنع تفشي الأمراض، لكن يمكن لوجود نظام عالمي لمراقبة الأمراض حيوانية المنشأ أن يقلل من فرص ظهورها وانتشارها عالميًا.

السؤال الذي يطرح نفسه، ماذا لو تعرضت مراقبة الأمراض الناشئة والقدرات المختبرية للخطر، هل كان بإمكان الجهات الصحية التعامل مع”سارس” أو اكتشاف ظهور فيروس جائح في الوقت المناسب لتحذير العالم والحد من انتشاره؟

مارغريت تشان

نجد أن معظم مسببات الأمراض الجديدة هي حيوانية المنشأ ويعتبر ظهورها المتزايد نتاجًا لممارسات استخدام الأراضي وإنتاج الغذاء والضغط السكاني. ويعتبر سارس كوف-2 مثالًا على فيروس حيواني المنشأ كان ظهوره مرجحاً، وفقاً لما قالته اللجنة المستقلة للتأهب للجوائح، حيث يقول الخبراء أيضًا أنه أصبح تفشي الأمراض حيوانية المنشأ يتكرر بشكل كبير، مما يزيد من الحاجة إلى اكتشاف تلك الأمراض بشكل أفضل وإلى التأهب بشكل أكثر فعالية.

ويعتبر من الأفضل الكشف عن المرض حيواني المصدر في أسرع وقت ممكن، حيث تتطلب مصادر البيانات إلى التمييز بين نمط المرض الطبيعي والنمط غير الطبيعي، علماً بأنه يمكن الحصول على البيانات من ملاك الحيوانات والأطباء البيطريين وأفراد المجتمع ومقدمي الرعاية الصحية وغيرهم، ويمكن أن تتراوح البيانات ما بين الملاحظات العشوائية إلى العينات البيولوجية.

وعندما يتم جمع البيانات، يجب تحليلها وتقديمها لصانعي القرار لتفسير المعلومات وتحقيق الاستفادة الصحيحة منها.

وعلى صعيد آخر، ساهم تطور تكنولوجيا المعلومات في إحراز التقدم والحصول على طرق جديدة لجمع ونقل المعلومات الوبائية والسريرية والديموغرافية، الأمر الذي أدى إلى تحسن كبير في إدارة البيانات وبرمجيات القرارات وأنظمة تحليل المعلومات وعرضها وتفسيرها والاستفادة من المعلومات.

إضافة لذلك،أتاح الوصول الواسع إلى الإنترنت أيضاً عملية نشر المعلومات في الوقت المناسب. وهذا ما حدث بالفعل حين تمت مشاركة المعلومات حول تفشي المرض بشكل مباشر في المواقع الإلكترونية المتخصصة وشبكات التواصل الاجتماعي والقنوات غير الرسمية الأخرى خلال الأيام الأولى من الجائحة. الجدير بالذكر أن الشبكة العالمية للإنذار بالأمراض المتفشية والاستجابة لها التابعة لمنظمة الصحة العالمية تعتمد على بيانات المواقع الإلكترونية للمراقبة اليومية.

ويتم الحكم على أنظمة مراقبة الأمراض وفقًا للعديد من العوامل التي تشمل توقيتها وبساطتها ومرونتها وموثوقيتها وحساسيتها. وفي تقرير صدر عام 2009، لم تتمكن لجنة المجلس القومي للبحوث في الولايات المتحدة، والمعنية بتحقيق قدرة عالمية مستدامة لمراقبة الأمراض الناشئة من الحيوان والاستجابة لها، من تحديد “مثال واحد لنظام فعال ومتكامل لمراقبة الأمراض حيوانية المنشأ في مجال الصحة البشرية وصحة الحيوان”.

لم يكن هناك نظام عالمي فعال ومتكامل لمراقبة الأمراض الحيوانية المنشأ والاستجابة لها في عام 2009، لكن بعد جائحة كورونا، يجب أن يكون بناء هذا النظام على رأس أولوياتنا.

يذكر أن مراقبة الحيوانات قد تساهم في الوقاية من المخاطر.

تعد مراقبة الخفافيش، التي يتوقع أنها المصدر الأساسي لفيروس كوفيد-19 وصولًا إلى الإنسان عبر كلاب الراكون، العامل الأهم لتجنب الكوارث المقبلة. وصرحت إيمّا تيلينغ من جامعة كوليدج دبلن لصحيفة ذي غارديان: “تتمتع الخفافيش بقدرة على تعليمنا الكثير من الدروس حول طريقة مواجهة الأمراض”.