ساهم عمال حقول النفط في سبعينيات القرن الماضي بتمهيد الطريق للاستدامة›››
قبل أن يتنفس الفجر أنفاسه الأولى، تُضيء دولة الإمارات العربية المتحدة بالكامل، لتتحول إلى خريطة متلألئة يراها المسافر من نافذة الطائرة وهو يحلّق فوقها. وبعيدًا في أقصى غرب الدولة، تقف محطات براكة للطاقة النووية شاهدةً على جزء من هذا الإنجاز المضيء.
هذا الإنجاز ليس مجرد رقم في ملف الطاقة، بل هو مرآة تعكس مدى التقدم الذي حققته دولة الإمارات في العلوم والتكنولوجيا والهندسة على مدى خمسة عقود مزدهرة.
تقع محطات براكة في منطقة الظفرة، وتضم أربعة مفاعلات من طراز APR1400 توفر ما يقارب ربع احتياجات الدولة من الطاقة، بينما تسهم في الوقت ذاته بخفض الانبعاثات الكربونية بمعدل 22.4 مليون طن سنويًا.
لكن محطات براكة أكبر من مجرد محطة لإنتاج الكهرباء النظيفة؛ إنها نقطة تحول في تاريخ الطاقة بدولة الإمارات، وشاهد حي على قوة الدولة المتنامية في الابتكار والتخطيط طويل الأمد والهندسة المتقدمة.
فصل جديد في مسيرة الطاقة في دولة الإمارات
بوصفها دولة عالمية منفتحة، تتزايد احتياجات الإمارات من الطاقة باستمرار، ويرافق هذا النمو السكاني الكبير ارتفاع ملحوظ في الانبعاثات الكربونية. من هنا، وجدت الدولة نفسها أمام ضرورة الابتكار والخروج من دائرة الاعتماد التقليدي على أنظمة توليد الطاقة القديمة.
بدأت القصة بحاجة واضحة لتنويع مصادر الطاقة بعيدًا عن النفط والغاز، فأطلقت حكومة الإمارات عام 2006 دراسة جدوى شاملة حول الطاقة النووية. وتماشيًا مع هذا التوجه، تأسست شركة الإمارات للطاقة النووية عام 2009، وأُبرمت شراكة دولية مع شركة الكهرباء الكورية (كيبكو) لبناء المحطات.
اختارت دولة الإمارات الطاقة النووية كجزء من استراتيجيتها طويلة الأمد للطاقة، لما تجمعه من موثوقية وقدرة إنتاجية كبيرة واستدامة. فالطاقة النووية توفر كهرباء نظيفة بشكل مستمر، وتقلل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتدعم طموح الدولة في التقدم التقني والمسؤولية المناخية.
بناء محطات براكة في قلب الصحراء
لم يكن اختيار موقع محطات براكة أمرًا عشوائيًا، بل جاء نتيجة تقييم دقيق أجراه خبراء متخصصون وفق أعلى معايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبعده عن التجمعات السكانية الكبرى جعل منه موقعًا أكثر أمانًا بطبيعته.
يحتوي موقع براكة على المفاعلات الأربعة جميعها، حيث ترتبط كافة المحطات بـالشبكة الوطنية للكهرباء ذات الجهد 400 كيلوفولت.
تولت “كيبكو”، المقاول الرئيسي لشركة الإمارات للطاقة النووية، مسؤولية تصميم وبناء وتشغيل المفاعلات الأربعة، وانطلقت أعمال البناء فعليًا عام 2012.
لكن خلف الهياكل الخرسانية الضخمة لبراكة، كانت هناك قصة إنسانية لا تقل أهمية. فالمشروع اعتمد على جيش من المهندسين والفنيين ومشغلي المحطات ومتخصصي الصحة والسلامة والبيئة، ممن تطلبت أعمالهم دقة متناهية وتدريبًا مكثفًا وإحساسًا عاليًا بالمسؤولية. هذا ما جعل براكة أكثر من مجرد مصدر للكهرباء؛ فقد تحولت إلى محطة فارقة في بناء المعرفة والخبرة اللازمة لتمكين الإمارات من خوض غمار واحدة من أكثر صناعات الطاقة تقدمًا في العالم. واليوم، ساهمت المحطات في تخريج جيل جديد كامل من المهندسين والفنيين المهرة، إذ يشارك أكثر من 2000 إماراتي في تطويرها منذ البداية.
اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء
في ذروة أعمال الإنشاءات، كانت براكة أكبر موقع بناء نووي في العالم، حيث جرى تشييد المحطات الأربعة جميعها في آنٍ واحد.
وفي أغسطس 2020، بدأت المحطة الأولى تشغيلها التجاري، لتصبح الإمارات بذلك أول دولة عربية تُشغّل محطة للطاقة النووية.
ومن الأسباب الجوهرية لاختيار هذا الموقع قربه من البحر، إذ تعتمد محطات الطاقة النووية على المياه لأغراض التبريد لضمان كفاءة التشغيل.
ومنذ اللحظة التي بدأت فيها الوحدة الأولى عملها، حققت الإمارات رؤية وطنية طال انتظارها، ودخلت عصرًا جديدًا من التنوع في مزيج الطاقة، لتصبح براكة رمزًا للإنجاز الهندسي، ودليلًا ملموسًا على الدور الريادي الذي تؤديه دولة الإمارات في مشاريع الهندسة والطاقة المتقدمة على مستوى المنطقة.
أثر محطات براكة اليوم
عززت محطات براكة للطاقة النووية مكانة دولة الإمارات كدولة رائدة إقليميًا في مجال الطاقة المتقدمة، ودعمت مسيرة التنمية طويلة الأمد للدولة.
فبراكة ليست مجرد محطة لتوليد الكهرباء، بل هي تجسيد لتحوّل جذري في الطريقة التي تتخيل بها الإمارات مستقبلها من خلال العلم والتكنولوجيا والهندسة، في إطار سعيها الدائم للتطور والابتكار عبر مختلف القطاعات، من الطاقة إلى التكنولوجيا فالهندسة.
في قلب الصحراء، لا تقف براكة كمجرد هيكل من الفولاذ والخرسانة، بل تقف دليلًا حيًا على أن مستقبل الإمارات لا تصنعه الرؤية وحدها، بل يُغذّى ويُعاد تصوّره ويُبتكر يومًا بعد يوم.
وتستمد الإمارات هذه الرؤية من قيادة تؤمن بالابتكار والتقدم، وتمنح أبناء الوطن الدعم الذي يجعل أحلامهم قابلة للتحقق بالعزيمة والإصرار.
ما وراء الكهرباء
تقول شركة الإمارات للطاقة النووية أن برنامج الإمارات السلمي للطاقة النووية أسهم في تكوين قوى عاملة ماهرة؛ إذ يعمل في الشركة أكثر من 3000 موظف. يشكّل المواطنون الإماراتيون منهم أكثر من 60 بالمئة، بحسب نظرة عامة على برنامج الشركة.
الجدول الزمني لبراكة:
- 2009: شراكة بين شركة الإمارات للطاقة النووية و”كيبكو” لإنشاء محطات براكة
- 2011: الانطلاقة الرسمية للمشروع
- 2012: بدء أعمال بناء المحطة الأولى
- 2018: اكتمال بناء المحطة الأولى
- 2024: بدء التشغيل التجاري للمحطة الرابعة، لتكتمل بذلك منظومة براكة

