ناسا تعلن أسماء أفراد طاقم مهمة أرتميس 3 ›››
يعاني الطفل بيلي، والذي يبلغ عمره 3 سنوات، من عدم القدرة على الكلام بسبب إصابته باضطراب طيف التوحد. وعندما يحاول والداه تنظيف أسنانه، يقوم بعضهما، وعندما يحاولان مساعدته في ارتداء ملابسه، يركلهما ويلكمهما. من المؤكد أن بيلي غير مرتاح، ولكن ما الذي يحاول قوله؟
يعتبر هذا المشهد مألوفًا للغاية للعديد من الأسر التي تحاول تعلم طرق التواصل مع أفرادها غير القادرين على الكلام، ولكن يوجد هناك من يقدم المساعدة كالباحث رالف شلوسر.
أمضى رالف، العميد المساعد في البحوث في كلية العلوم الإكلينيكية وإعادة التأهيل بجامعة نورث إيسترن، حياته المهنية في بحث التواصل المعزز والبديل لأولئك الذين يعانون صعوبات شديدة في الحديث وتعلم اللغة والقراءة والكتابة. يتخصص رالف في مساعدة الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد.
ويعتقد رالف أن الأسر تلعب دورًا محوريًا في تطوير تكنولوجيا التواصل لدى أطفالها. وقال رالف: “قد تحظى الأسر أحيانًا بميزة على الأطباء والمعلمين، وهي أنهم على دراية تامة بسلوكيات التواصل الخاصة بأطفالهم كالإيماءات والتعبير الصوتي، ولديهم القدرة على قراءة هذه الإشارات والتجاوب معها بالشكل المناسب. ونتيجة لذلك، قد يبدو أحيانًا استخدام نظام التواصل المعزز والبديل غير ضروري”.
لكن قد لا تجتمع الأسر دائمًا وقد لا تنجح أساليبهم في التواصل خارج المنزل، بل قد تعيق قدرة الطفل على التواصل خارج نطاق الأسرة. وتظهر هنا تحديدًا قدرة التكنولوجيا على تقديم المساعدة.
IMAGE: Shutterstockيؤكد أوليفر ويندت من “جامعة بيردو” أن الأسرة وملاحظات المُستَخدِم تُعَد عوامل هامة في تطوير التواصل المعزز والبديل. وقال أوليفر في مقابلة مع مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا: “لم يَعُد بإمكانك تطوير تكنولوجيا للتواصل المعزز والبديل، من دون تلك العوامل”.
يشمل تطوير التواصل المعزز والبديل التصميم المشترك مع المدخلات المباشرة من جانب المُستَخدِمين والأطراف المعنية وقابلية المدخلات الواردة من الأسر والمعالجين للاستخدام وتقييمات التكنولوجيا المستخدَمة أثناء التدخلات. تُعد التعليقات حول سهولة استخدام التطبيق، مثل “يجب أن يكون التصميم أبسط” أو “كان من الصعب التنقل فيه”. وقال أوليفر: “نحتاج لهذا النمط من الملاحظات لضبط أداء التطبيق وضمان اعتماده في المجتمع”.
لا تُعَد التكنولوجيا حلًا موحدًا يناسب كافة الأشخاص الذين يواجهون تحديات في النطق، من وجهة النظر التصميمية، لأن هذه التحديات تختلف من شخص لآخر.
“لم يَعُد بإمكانك تطوير تكنولوجيا للتواصل المعزز والبديل، من دون تلك العوامل”.
– دراسة أجراها رالف شلوسر وفريقه، 2022″
وقال رالف: “تفتح التكنولوجيا الأبواب للتفاعل مع الأشخاص الآخرين، ويساهم استخدام نتاج الكلام مع تحسين كفاءة التفاعل يساهم بشكل كبير في مسيرة طويلة تهدف إلى جعل التواصل ممكنًا في المدارس وأماكن العمل والمجتمع”.
وقال رالف: “توجد أداة هامة أخرى، وهي الشرح المكتوب”. توجد رموز بيانية مثل صورة تمثل كلمة “مشروب” أو “جائع” بجوار الكلمة أو العبارة المماثلة في تطبيق أو جهاز التواصل المعزز والبديل المعتمِد على رموز، ما يساهم في توضيح معنى الرمز وفي تعلم اللغة، كما يعزز دور شركاء التواصل في فهم رسالة المُستَخدِم.
ويؤكد رالف أن الأجهزة والألواح المولدة للكلام والمزودة بتطبيقات خاصة للتواصل المعزز والبديل تتيح للأشخاص أن يتكلموا باستخدام الكلام، سواء كان مسجلًا رقميًا أو اصطناعيًا. وتوفر التكنولوجيا أيضًا الكفاءة في استعادة الكلمات، سواءً كانت مفردة أو مدمجة ضمن جملة.
ويمثل تطبيق “غو توك ناو” أحد تلك الأدوات.
يُعد “غو توك ناو” تطبيقًا شاملًا للتواصل المعزز والبديل ويتوافق مع أجهزة “آيباد” ويستند إلى بحث أُجرِيَ في وحدة “ذا بروجيكت كور” في “مركز دراسات التعليم والإعاقة” بجامعة “نورث كارولاينا” الأميركية. ويشمل التطبيق المفردات الأساسية، وهي تمثل مجموعة من أكثر الكلمات المُستَخدَمَة في التواصل اليومي المعتاد والتي يستطيع المُستَخدِم تعديلها باستحداث وإضافة صفحات. ويحتوي التطبيق أيضًا على رموز وإمكانية استخدام الصور من كاميرات المُستَخدِم وخاصية البحث الذاتي عن الصور في الإنترنت، وذلك لأولئك الذين يواجهون تحديات في تعلم القراءة والكتابة.
وجاء في إعلان عبر الموقع الإلكتروني عن التطبيق: “يمكنك تسجيل سلاسل نمذجة الفيديو للجمع بين التوجيه والتواصل. ويمكنك تشغيل الموسيقى لزيادة التنويع. اختر خاصية تحويل النص إلى كلام أو صوت مُسَجَّل لمحتوى الرسائل. ويمكنك الانتقال إلى أي صفحة تواصل، حتى من كتاب تواصل مختلف. أضِف الإشارات السمعية للسماح لكلٍ من المسح الصوتي والبصري. اختر المسح التلقائي أو التدريجي وعَدَّل سرعة المسح وجَمِّع المفاتيح معًا في صفوف أو أعمدة لمزيد من الكفاءة في المسح”.
يقول رالف أن العديد من أدوات التواصل المعزز والبديل تتطلب مجموعة مهارات إضافية.
يتعين على المستخدمين الاعتماد على الكتابة والإملاء التقليديتين أو فهم الرموز البيانية المُستَخدَمَة لتمثيل الكلمات، كما يحتاجون أيضًا إلى فهم وظائف الأدوات وتعلم استخدام البرنامج أثناء التفاعلات.
ويقول رالف أن المُستَخدِمين النهائيين يواجهون عقبات ومنها أن التطبيقات لا تفي دومًا بكافة احتياجات الشخص فيما يتعلق بالتواصل، كما يمكن لاختيار المفردات أن يُثقِل على متخصصي الدعم المشغولين أصلًا بالفعل. وقال: “يُعَد اختيار المفردات في التواصل المعزز والبديل لتطبيقاته ولأجهزة توليد الكلمات عملية مستهلكة للوقت بشكل عامة، كما أن أخصائيي علم الأمراض المتعلقة بلغات الكلام داخل المدارس لديهم وقت محدود بالنظر إلى عدد الحالات التي يعالجونها”.
ولكن يبدو أن الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة يمكنهما المساعدة في التخفيف من حدة بعض هذه المشاكل.
طور رالف مع موريسيو دي فونتانا وكريستينا يو تطبيق “كويكبيك” للتواصل المعزز والبديل والذي يستخدم تحليل الصور استنادًا إلى الذكاء الاصطناعي لتفسير المفردات، كما نشروا ورقة بحثية حديثة لبحث خوارزميتين (“تشات جي بي تي-3.5″ و”إن بي إل- إي إي سي”) وتوضح أن خوارزمية “تشات جي بي تي-3.5” وفرت المزيد من المفردات الدقيقة ذات الصلة. يحلل التطبيق صور الأنشطة ويُنتِج الكلمات ذات الصلة المُمَثَّلَة بالصور ورموز التواصل وينظمها في فئات من اليسار إلى اليمين وفقًا لهذا الترتيب: فاعل وفعل وصفة ومفعول به.
وقال رالف: “يتيح ذلك إنشاء الشاشات بوقت فوري أو في الوقت المناسب، وهو أمر كان مستحيلًا في السابق. يوفر الدعم في الوقت المناسب مزايا إدراكية للمتعلمين ويتيح للمدربين الاستفادة من اللحظات القابلة للتعليم. ويستطيع الطبيب السريري في غضون دقائق تعديل العرض بحسب الحاجة”.
ويتيح توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، مثل تطبيق (كويك بك للتواصل المعزز والبديل)، لأخصائيي النطق واللغة الاستفادة من إمكاناتها للحد من الوقت اللازم لإعداد مواد مخصصة لتلبية احتياجات كل حالة.
–دراسة أجراها رالف شلوسر وفريقه، ونُشرت في مجلة “إنترناشونال جيرنال أوف إنفايرومنتال ريسيرتش آند بابلك هيلث
تجاوزت بحوث رالف مؤخرًا 10,000 اقتباس (وهو رقم غير شائع في مجاله)، ما يعكس تأثيره طويل الأمد على البحث العلمي، كما يشعر رالف بالحماس حيال ما سيقدمه الذكاء الاصطناعي في المستقبل، حيث لم تُظهِر البحوث الحالية سوى البداية فقط من تأثيره على التواصل المعزز والبديل.
ويرى رالف فرصًا عديدة لتكنولوجيا الأجهزة القابلة للارتداء وأجرى بعض الدراسات البسيطة في هذا المجال، بما في ذلك أدوات كالساعات الذكية.

ويقول أن الباحثين شعروا بالقلق حيال صغر حجم الساعات الذي ربما يسبب مشكلة، إلا أن المشاركين في الدراسة استجابوا بشكل جيد.
شملت دراسة أخرى التدخلات البصرية عن بُعد كالصور والفيديوهات أو الرسائل النصية في الزمن الفعلي لمساعدة المتعلم.
ويقول رالف أيضًا أن قياس الاستجابات الفسيولوجية كمعدلات نبضات القلب يمكنه أيضًا أن يساعد في التعامل مع القلق وأن يدعم التواصل.
ويُحَذِّر أوليفر ويندت موضحًا أن الساعات الذكية لا تزال باهظة الثمن وتفوق قدرة العديد من المُستَخدِمين على اقتنائها، ولكنه متفائل بشأن الأجهزة الأخرى القابلة للارتداء. ويقول: “يعاني الأشخاص المصابون باضطراب طيف التوحد بشكلٍ متكرر أيضًا من مشكلات حسية، بخلاف ما يواجهونه من تحديات في التواصل الشفهي. لذا، تُعَد الإمكانيات لا نهائية في ظل تقدم مجال الأجهزة القابلة للارتداء من الساعات إلى تكنولوجيا يمكن نسجها داخل الملابس مباشرةً”.
ستساهم تقنيات الذكاء الاصطناعي، كما هو الحال في معظم الصناعات حول العالم، في تعزيز تصميم التكنولوجيا الموجّهة بشكل فردي لغرض التواصل المعزز والبديل.
وقال أوليفر: “سيصبح التشخيص والتنبؤ أكثر فعالية من خلال الذكاء الاصطناعي. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقارن بين بيانات الاتصال الخاصة بمُستَخدِم مع بيانات مجموعة من المُستَخدِمين الآخرين لديهم نفس الظروف. وسيساعد هذا في تحديد مدى شدة الحالة وما هو المتوقع من تطور أو نتائج مستقبلية”.
وأضاف: “قد تستطيع تطبيقات التواصل المعزز والبديل المستقبلية التنبؤ بالمفردات التي يحتاجها مُستَخدِم ثم إنشاء ذلك المحتوى مباشرةً على الفور”.
ستعمل الابتكارات في الواقع المُعزَّز والواقع الافتراضي التي تمضى جنبًا إلى جنب مع الذكاء الاصطناعي على تعزيز التطور التكنولوجي في هذا المجال، ذلك أن الأجهزة باتت أصغر وأكثر صداقة للبيئة، بينما صارت أكثر توفيرًا للكُلفة. واختتم أوليفر مقابلته مع المجلة قائلًا: “سيتيح ذلك للمُستَخدِمين أن يتعلموا ويتفاعلوا في بيئات جديدة تمامًا توفر لهم فرص للتعلم والتطور”.
تسود حالة من اليأس بشأن فهم أصول اضطراب طيف التوحد، في ظل تزايد تشخيص حالاته على مستوى العالم. وبينما يعتقد الخبراء أن السبب متعدد الأبعاد، يدرس باحثون من جامعة خليفة بإشراف حمدان حمدان وأطراف متعاونة تشمل “مركز فقيه للإخصاب” و”كلية بايلور للطب” المكونات الجينية لحالات التوحد.
حدد الفريق سبع طفرات جينية جديدة في الأطفال المصابين بالتوحد ضمن سكان دولة الإمارات، وذلك باستخدام التسلسل الجيني الخاص بالجيل التالي.
وقال حمدان حمدان: “يهدف البحث إلى كشف أدوار هذه الجينات الجديدة، إضافة إلى المسارات الآلية المعقدة المرتبطة باضطراب طيف التوحد، وذلك باستخدام تقنيات متطورة، كتقنية (كريسبر-كاس 9) لتعديل الجينات وتقنية (بيو آي دي) لرسم خرائط للبروتينات”.
تواجه كل تقنية من هاتين التقنيتين تحدياتها الخاصة عند استخدامها بمفردها، ولكن يمكنهما عند الجمع بينهما أن يساعدا في تحديد كيفية إسهام الطفرات الجينية في داء التوحد وفي تطور الدماغ.
يأمل الفريق أن يسهم التعرف إلى الطفرات الجينية الخاصة بسكان دولة الإمارات في تطوير علاجات مصممة حسب الاحتياجات الشخصية وتستهدف مرضى محددين وأن يقدم نتائج هامة للبحوث العالمية حول اضطراب طيف التوحد وأن يسلط الضوء على أهمية الدراسات الخاصة بسكان محددين في فهم مجموعة التغيرات الجينية الكاملة المرتبطة بالتوحد.
اقرأ أيضًا: فحوصات التوحد

