يلجأ الباحثون إلى الطبيعة لاستخراج الماء من الهواء›››
قبل أن يكتشف العلماء ملايين من الكنوز الكامنة في الجينوم الإماراتي وقبل أن يصبح الطب الشخصي في طليعة منظومة الرعاية الصحية، كانت هناك رؤية واضحة تتمثل بمشروع الجينوم الإماراتي.
ظل الجينوم العربي لعقود طويلة غائبًا عن قواعد البيانات الدولية، الأمر الذي أعاق وصول الباحثين إلى فهم أشمل وأدق.
الصورة: عام المجتمع في الإماراتكان سد هذه الفجوة هو الهدف الرئيس لدائرة الصحة في أبوظبي، والتي أسست مجلس الإمارات للجينوم في يونيو 2021، برئاسة سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي. يهدف مشروع الجينوم إلى بناء خارطة جينية كاملة وشاملة لسكان دولة الإمارات وتعزيز مكانة الدولة في مجال الطب الدقيق.
سجّل المشروع أول ظهور له على الساحة العالمية عندما تمكّن الباحثون من تحديد أكثر من مليار متغيّر جيني من خلال تحليل ما يقارب 40 ألف جينوم إماراتي، حيث تبيّن أن 38% من هذه المتغيرات خاصة بالسكان الإماراتيين.
CAPTION: حليمة رؤوفوالـيـوم، ومع جمـع أكـثـر مـن 800.000 عـيـنـة عـلـى مسـتـوى الـدولـة وإقـامـة العـديـد مـن الشـراكـات الـدولـيــة، مـنـهـا التـعـاون مـع كـلـيـة الـطـب فـي جـامـعـة هـارفــارد لـتـدريـب 500 طـبـيـب إمـاراتـي فـي مـجــال طـب الـجـيـنـوم.
وقـال عـلـي رضـا حـقـيـقـي، الـمـديـر الـمـؤسِّــس لمـركـز هـارفــارد الـدوَلـي للأمـراض الـوراثـيـة: “لا تـقـتـصِــر أهـمـيـة هـذه الـمـبـادرة عـلـى تـعـزيـز الـقـدرات الـمـحـلـيـة فـي أبـو ظبـي فحـسـب، بـل تـشـمــل أيـضًـا تـرسـيـخ مـرجـعـيـة لمـعـايـيـر الـرعـايـة الصـحـيـة الـعـالـمـيـة”.
وفـجـأةً، انـفـتـح أفـقٌ جـديــد لـمُسـتـقـبَـل الـطـب، وكـلُّ ذلـك عـلـى أرض الـوطـن.
الرواد خلف هذا الإنجاز
ولفهم هذا الإنجاز جيدًا، يتعين علينا الرجوع إلى جذور هذا الجهد، خارج نطاق المختبرات.
لنعد بالزمن إلى حقبة التسعينيات من القرن الماضي عندما أدت فكرة رسم خرائط الحمض النووي إلى فكرة إنشاء مشروع الجينوم البشري، والذي يُعَد إنجازًا عالميًا بارزًا. وأظهر “الائتلاف المرجعي للجينوم البشري” إلى أي مدى كان تأثير وأهمية خرائط الجينوم، كما سلط الضوء أيضًا على ضعف تمثيل السكان غير الأوروبيين في قواعد البيانات الجينومية العالمية.
وبالانتقال إلى العقد 2010، عندما واجه الباحثون في منطقة الشرق الأوسط حقيقة عدم وجود بيانات جينومية عربية بشكل مباشر، ما جعلهم بلا رؤية كافية لأنماط الأمراض وعوامل الخطورة اللازمة لعلاج السكان في المنطقة.
شهد عام 2015 تحولًا مفاجئًا تمثل في إطلاق “مشروع جينوم قطر“. وبالتزامن مع هذه المبادرة، بدأت المنطقة برامج لفحص المقبلين على الزواج والأطفال حديثي الولادة. وأبرزت هذه الجهود الجماعية أهمية الكشف الجيني المبكر والفجوات التي لم يَعُد يمكن تجاهلها أكثر من ذلك في علم الجينوم السريري.
لا تقتصر أهمية هذه المبادرة على تعزيز القدرات المحلية في أبو ظبي فحسب، بل تشمل أيضاً ترسيخ مرجعية لمعايير الرعاية الصحية العالمية
– علي رضا حقيقي، المدير المؤسس لمركز هارفارد الدولي للأمراض الوراثية
وبدا أن قيادات الرعاية الصحية في دولة الإمارات أدركت نفس الاحتياج، مع ارتفاع عدد الحالات الوراثية المتنحية بسبب زواج الأقارب. وبالنظر إلى مكانة دولة الإمارات كمركز عالمي للابتكار، لم يكن إطلاق “برنامج الجينوم الإماراتي” مجرد خطوة علمية إلى الأمام، بل وإنما رسخ البرنامج أيضًا مكانته كأحد أضخم مشروعات الجينوم السكانية، إذ يهدف إلى تتبع المعلومات الجينية لعدد 1 مليون إماراتي. وتمثل هذه المبادرة علامة فارقة في مسيرة دولة الإمارات في مجال الرعاية الصحية الدقيقة.
العصر الجديد: الحمض النووي الإماراتي في طليعة التقدم
يُعَد “برنامج الجينوم الإماراتي” حاليًا من أكثر المبادرات العالمية نشاطًا في مجال الجينوم السكاني.
تمتلك دولة الإمارات الآن أول جينوم مرجعي كامل من تلومير إلى تلومير (نسخة مكتملة من الخارطة الجينية الإماراتية). وأصبح بالإمكان اليوم الكشف عن خطر السرطان الوراثي في وقتٍ مبكر أكثر من أي وقت مضى من خلال برامج الأورام الدقيقة. وعلاوة على ذلك، يتيح فحص حديثي الولادة اليوم الكشف عن أكثر من 815 حالة جينية قابلة للعلاج.
يستطيع الأطباء اليوم اختيار الأدوية الأكثر أمانًا وفعالية لمرضاهم. وقد أحدث ذلك ثورة في مجال البحث العلمي.
التحديات التي تم تخطيها
لم يتحقق هذا النجاح دون مشقة، وقد يبدو الأمر كعملية سلسة، لكنه تحقق بعد سنوات من حل المشكلات ووضع السياسات بعناية.
كان أكبر تحدٍ واجهه المشروع هو كسب ثقة الجمهور وضمان أمان بياناتهم. وأظهرت نتائج دراسة أجريت في عام 2022 أن 73% من السكان دعموا البرنامج، بينما أبدى الباقون رغبتهم بالمشاركة فيه، لكنهم ترددوا بسبب مخاوف تتعلق بالخصوصية. ويعني ذلك الاحتياج إلى إطار قانوني وتكنولوجي لحماية المعلومات شديدة الحساسية.

سَنَّت دولة الإمارات واحدًا من أقوى قوانين حماية البيانات الجينومية على مستوى العالم، والذي ضمن حفظ كافة هذه البيانات داخل نطاق البنية التحتية الوطنية وتمتعها بحماية مكثفة.
يـقـودنـا ذلــك إلـى العـقـبــة التـالـيــة: مـن أيــن تـتـوافــر البـنـيــة التـحـتـيــة اللـازمــة لمُعـالـجــة القـدر الهـائــل مـن البـيـانــات الجـيـنـيــة؟ وهــذا تحـديــدًا هـو سـبــب إنـشـاءِ “مـركـز إم42 للتـمـيُّــز”، والـذي يُعَــدُّ اليـوم أكـبــر مـرفـقٍ لرصــد التسـلـســل الجـيـنـي خـارج الولايــات المـتـحـدة الأمـيـركـيــة، ويـوفِّــر المـعـالـجــة المـدعـومــة بالروبـوتــات عـلـى مسـتـوى القطـاع الصنـاعــي.
وبفضل المزيد من علاقات الشراكة مع مؤسسات كجامعة خليفة ومركز هارفارد الدولي للأمراض الوراثية التابع لكلية هارفارد للطب و”صحة” و” مستشفى كليفلاند كلينك أبوظبي”، بات من الممكن تدريب وتعليم المتخصصين وتطوير مختبرات ضخمة لإجراء بحوث رائدة.
وقد وضع هذا دولة الإمارات في مصافّ الدول الرائدة عالميًا في مجال الطب الدقيق والبحث العلمي. ويُعدّ مشروع الجينوم الإماراتي شهادة على إمكانيات الطموح العلمي، حيث بدأت الاكتشافات التي حققها بالفعل في إعادة تشكيل مستقبل الرعاية الصحية على مستوى العالم.
حليمة رؤوف طالبة في جامعة خليفة..
مواضيع ذات صلة: عن المومياوات والفئران وطلبة الطب

