يلجأ الباحثون إلى الطبيعة لاستخراج الماء من الهواء›››
أيقظ ضوء الفجر الخافت “حقل حبشان” للنفط ولمع الأفق بحرارته حتى قبل أن تشرق الشمس. بدأ هدير المحركات، وتحرك الرجال بملابسهم ذات الألوان الباهتة بين الغبار بهدوء وثبات.

كان من بينهم ميكانيكي يبلغ من العمر 22 عامًا، والدي، فرج سالم المزروعي، الذي بدأ أول شهر له في العمل الميداني في “شركة الحفر الوطنية” عام 1977.
كان دور والدي هو الحفاظ على تشغيل الحفارة دون توقف، حيث كان لكل مسمار ولكل محرك دوره الهام في هذا العمل. كان والدي يرى الصحراء مكانًا للعمل وعالمًا في نفس الوقت، فقط كانت قاسية ولا نهائية، ولكنها أيضًا واعدة. كان يبدأ كل يوم ومفتاح الربط في يده، ويسدل ستار يومه تحت سماء مرصّعة بالنجوم.
اللحظة التي غيرت كل شيء

CAPTION: سلطان فرج المزروعي
قبل اكتشاف النفــط، كانت أرض دولــة الإمارات تتكون من مدن ساحليــة صغيــرة، وكانت الحيــاة تدور حول البحــر، فكانت وســائل الــرزق هي الصيــد واستخراج اللؤلــؤ والتجــارة.
ومثلت الصحــراء عقــبة أكثر منها فــرصة، ثم جاءت نهايــة عقــد الخمسينيــات من القــرن الماضي، عندما نزلت الحفــارات إلى الأعماق وخرج الذهــب الأســود إلى الســطح.
الحياة داخل مصفاة نفط
لم يكن العمل في مصفاة نفط مناسبًا للضعفاء، حيث كان جدول العمل قاسيًا بلا توقف، شهر من العمل يتبعه شهرُ من الراحة، وهذا هو الإيقاع الذي ساد حياة والدي لعقدين متواصلين. وعاش والدي خلال أشهُر العمل بين حقلي “حبشان” و”عصب”، أنشط حقلين للنفط في أبوظبي.

كانت أيام العمل تبدأ قبل شروق الشمس بوقت طويل. وقبل انتصاف الصباح، كانت درجة الحرارة تتجاوز 45 درجة مئوية، بينما تنبعث الحرارة من معدات الحفر المعدنية. ووقف الميكانيكيون والمهندسون وعمال الحفر جنبًا إلى جنب وكانت أصوات صياحهم أعلى من هدير الآلات. ظلت منصات الحفر تعمل ليلًا ونهارًا، حتى بعد أن علم العاملون أن مسمار واحد سائب قد يُوقِف الإنتاج.
ولكن برغم ذلك، كانت هذه المعاناة تبعث على الفخر، وصار طاقم العمل أسرة واحدة أفرادها إماراتيون وهنود وباكستانيون وفلبينيون يوحدهم جميعًا نفس الهدف، وكانوا يعملون ويأكلون وينامون تحت نفس النجوم. وقال والدي أن المحركات عندما هدأت أخيرًا، “كان بإمكانك أن تسمع الصحراء وهي تتنفس”.
تصميم المستقبل
يكمن عالم خفي تحت تلك الأبراج، إذ تمتد آبار النفط تحت الأرض بآلاف الأمتار، بل أن عُمق بعضها يتجاوز ارتفاع “جبل فوجي” في اليابان. وتغطي طبقات فولاذية الآبارَ للحيلولة دون انهيارها، وكل طبقة ملحومة ومغلقة بإحكام. وتولى فريق والدي صيانة المحركات التي تدير الحفار وضخ الطمي لتبريده والحفاظ على ثبات ضغطه. وقال والدي: “كانت منصة الحفر نابضة بالحيوية، وكان بإمكانك سمع نبضها في باطن الأرض”.
كان الجزء الأكبر من العمل يدويًا في سبعينيات القرن الماضي، فكانت القياسات تُجرَى باستخدام اليد، بينما كانت الإصلاحات تعني العمل الارتجالي باستخدام أدوات محدودة في حرٍ قائظ. وباتت تلك الأعمال اليوم مؤتمتة، إلا أن التقدم الذي حدث في الماضي كان مدعومًا بالجهود البشرية.
من الآبار الصحراوية إلى القوة العالمية
برزت دولة الإمارات خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي كلاعب عالمي في قطاع الطاقة. وأنتجت شركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك” التابعة للحكومة ومجموعة شركاتها، ومنها ” “شركة الحفر الوطنية/ (دنوك للحفر) الآن”، حوالي 3 ملايين برميل يوميًا، وتشمل أهم وجهات تصدير النفط الإماراتي اليابان والصين والهند.
أعادت الثروة النفطية صياغة شكل الحياة في الدولة، فشُيِّدَت الطرق السريعة والمطارات والمستشفيات والجامعات في كافة أرجائها. وعندما بدأ والدي العمل، كانت مخيمات الحفر بسيطة، بينما قبل تقاعده في عام 2000، انتشرت الطرق المُمَهَّدَة والكهرباء، إلى جانب هواتف القمر الصناعي، ووصلت أبعد منصات الحفر. وقال والدي فخورًا: “رأينا بأعيننا الدولة في مسيرة نموها”.
الجانب الإنساني من قصة وطنية
وبرغم ذلك، وحتى في وجود تلك الآلات، فإن البشر هم من أسسوا صناعة النفط. لم يكن والدي يتعامل مع زملائه في العمل كعمال، بل كأفراد من أسرته، فلقد احتفلوا جميعًا بأعياد الميلاد وتقاسموا الوجبات وساعدوا بعضهم بعضًا في الأيام الحارة الطويلة.
لكل رجل سبب ليكون هنا: فالفني يدخر المال من أجل بناته والمهندس بعيد عن وطنه. ومع ذلك، اشترك الجميع في الإيمان بحقيقة واحدة مؤكدة. قال والدي: “كل قطرة نستخرجها تعني أن شيئًا ما يُبنى في مكان ما: مستشفى، طريق، أو منزل”.
ما وراء النفط – إرث من التحول
تُعَد دولة الإمارات اليوم واحدة من أكثر اقتصادات العالم تطورًا، معروفة بما تضمه من ناطحات سحاب وإنجازات في الاستدامة والابتكار. وتكمن تحت هذه الأبراج حكاية رجال أمثال والدي، الذين وضع عملهم الأساس لكل هذا.

لم تؤسس ثروة النفط المدارس والمراكز البحثية فحسب، بل مهدت الطريق للطاقة المتجددة. وكان نفس الحافز الذي قاد أعمال الحفر هو الذي يقود مسعى دولة الإمارات إلى الطاقة الشمسية والهيدروجينية، فقد تعلمت الدولة ليس فقط كيف تستخدم الطاقة، بل كيف تحولها.
الآبار التي بنت أمة
لا تزال يد والدي تحمل آثار سنوات من العمل بين المحركات والنفط، رغم أنه متقاعد الآن. أحيانًا، عندما نتجاوز أفق أبوظبي بالسيارة، يقول: “عندما بدأت، لم يكن هنا شيء سوى الرمال”. قصته واحدة من آلاف القصص، لكنها تجسّد رحلة دولة الإمارات بأكملها.
لم يأتِ اكتشاف النفط بالثروة فقط، بل بنى الصمود والطموح أيضًا. لم يكن الرجال الذين اجتهدوا تحت شمس الصحراء الحارقة يدركون أن عملهم سيضيء يومًا ما مدن المستقبل. وما زال همس تلك الآلات القديمة يبدو وكأنه يتردد تحت الرمال حتى اليوم، إيقاع ثابت، قلب نابض لأمة نهضت من العزيمة والفولاذ.
سلطان فرج المزروعي، طالب في جامعة خليفة.
مواضيع ذات صلة: الطاقة القائمة على البيانات

