تُستخدم الصور الجوية، التي يتم التقاطها من كاميرات مرفقة بالطائرات والصواريخ والأقمار الصناعية، في إجراء عمليات المسح التصويري والتفسير والقياس التي تهدف إلى رسم الخرائط الطوبوغرافية وتحديد الأجسام والغاية منها. ولكن من خلال برنامج غوغل إيرث، قام فريق من علماء الآثار بالكشف عن بعض المعسكرات التاريخية الموجودة في الصحراء العربية والتي يعود تاريخها للعام 106 ميلادي.

ويتوقع الخبراء أن الصور ترجع لمعسكرات بناها الرومان لإيواء الجنود وتجهيزهم للاستيلاء على مملكة الأنباط، وهي المنطقة التي كانت تقطنها قبائل عربية بدوية أقاموا فيها إمبراطورية تجارية ثرية وتُعرف اليوم بالأردن.

وبعد آلاف السنين وتعرض تلك المعسكرات للكثبان الرملية الكثيفة، كيف يمكن التعرف إلى المعسكرات وكيف يمكن تحديد أنها تنتمي للرومان؟

تتميز المعسكرات الثلاثة، والتي تشبه في شكلها أوراق اللعب (الكوتشينة)، بالطريقة التي بنى فيها الرومان معسكراتهم المؤقتة قبل ألفي عام، حيث قاموا بحفر الخنادق حولها وهذا ما ساهم في العثور عليها.

ويمكن للصور الجوية أن تلتقط جميع الفروقات على الرغم من كثافة الرمال التي قامت بنحت المعسكرات وتحديد شكلها المستطيل. وقد تم التوصل إلى هذه النتائج وفقًا للموقع وسيطرة الرومان على الحضارة النبطية التي اشتهرت ببناء المنحدرات المنحوتة في البتراء التي تقع اليوم في الأردن. ومن جهة أخرى، قد تساهم هذه النتائج في تغيير بعض الأفكار حول طبيعة معركة الرومان ضد الأنباط.

الصورة: APAAME

وقال الباحث المشارك الدكتور مايكل فرادلي من جامعة أكسفورد والعضو في الفريق البحثي أنه تمكن من تحديد المعسكرات من خلال استعراض صور الأقمار الصناعية المأخوذة عن خرائط غوغل.
وأضاف قائلًا لمجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا: “لو أننا عثرنا على معسكر واحد سيكون لدينا تفسيرًا واحدًا محددًا للموقع، ولكن يساهم وجود ثلاثة معسكرات على التوالي في تعزيز قدرتنا على وضع استنتاجات أكثر فيما يخص المواقع والاتجاهات التي كانوا يتنقلون فيها وأهدافهم المحتملة”.

“يمكن أيضًا أن نتوقع دورهم في الانضمام إلى المملكة النبطية عن طريق الإمبراطور تراجان بعد العام 106 للميلاد”.

وقال الدكتور مايك بيشوب، أحد الباحثين والخبير في الجيوش الرومانية، في بيان له صادر عن جامعة أكسفورد: “توضح القلاع والحصون الرومانية طريقة الرومانيين في إقامة إقليم لهم، ولكن تكشف معسكراتهم المؤقتة عن الطريقة التي حصلوا من خلالها على ذلك الإقليم”

وتم الحصول على جميع تلك المعلومات من خلال الكاميرات.
بدأ استخدام التصوير الجوي منذ أكثر من قرن كأداة يستعين بها علماء الآثار للبحث عن الآثار القديمة، وأول تلك الآثار هو ستونهنج في المملكة المتحدة. وواصلت التكنولوجيا تطورها في هذا المجال وأصبح من الممكن إيجاد مواقع مدفونة منذ فترة طويلة.

ووفقًا للدكتور أثول ياتيس، أستاذ العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة خليفة، تعتبر تكنولوجيا الكشف الضوئي وتحديد المجال هي الأساس في هذا الصدد، لا سيما أنها تكنولوجيا تعتمد على الليزر القادر على كشف الأجسام وقياس المسافات على سطح الأرض، وبالتالي يمكن الحصول على خريطة للمسافات في المنطقة.

وقال الدكتور أثول في حديثه مع مجلة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا: “اعتاد الرومان على إقامة المستعمرات بطريقة الحفر، حيث حفروا الخنادق وبنوا الجدران.

ومع مرور الوقت، تمتلئ الخنادق بالرمال وهي أقل كثافة من التربة العادية ويصبح من السهل استخدام تقنية الكشف الضوئي وتحديد النطاق التي تسهل عملية البحث”.

تنبعث أشعة الليزر باتجاه الجسم ثم ترتد عن الهدف وتعود إلى مصدرها، حيث يمكن قياس المسافات من خلال حساب الوقت الذي تمضيه الأشعة في الرجوع إلى مصدرها.

قال الدكتور أثول: “تتيح لنا أشعة الليزر الكشف عن التدفقات الرملية، فهي ليست رادارًا يخترق الأرض وإنما تساهم في الكشف عن الأجسام الصلبة”.


CAPTION: XXXX IMAGE: XXXXX

تتميز أشعة الليزر بقدرتها على اجتياز أضخم التضاريس الطبيعية، نظرًا لإمكانية مرورها من خلال الأجسام كأوراق الشجر والعبور من خلال المسافات الدقيقة الفاصلة بين فروع الأشجار. إضافة لذلك، تستخدم تكنولوجيا الكشف الضوئي وتحديد النطاق في العديد من القطاعات الصناعية المختلفة نتيجة لتكلفتها الاقتصادية المنخفضة.

يذكر أيضًا أن هذه التكنولوجيا مستخدمة في عمليات التخطيط الحضري والمسح الجغرافي وألعاب الفيديو والأفلام والمركبات ذاتية التحكم، كما تُستخدم في من قبل أفراد الشرطة لرصد المركبات التي تسير في الطرق العامة، ما يعني أن الفضل يعود لها عند حصولك على مخالفات السرعة.

قال الدكتور مايكل فرادلي: “لا نعتمد على استخدام تقنية الكشف الضوئي وتحديد النطاق في عملنا، حيث قام زملاؤنا من أرشيف التصوير الفوتوغرافي الجوي لعلم الآثار في الشرق الأوسط بالسفر إلى الأردن بعد أن حددنا بعض المواقع، ثم تمكنا من التقاط مجموعة من الصور الفوتوغرافية الجوية للمعسكرات الغربية والمركزية”.

ونُشرت الورقة البحثية لاستكشاف المعسكرات الرومانية في العام 2023 في المجلة العلمية الدولية “آنتيكويتي“.

انضم لقائمتنا البريدية

احصل على آخر المقالات والأخبار والتحديثات الأخرى من مجلة
مراجعة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا