PHOTOS: Unsplash

“الحليب مفيد للجسم”، هو شعار إعلاني قديم يعود إلى الثمانينات، استُخدم للتأكيد على الفوائد الصحية لحليب البقر على جسم الإنسان، ولا يزال الحليب مليئًا بالكثير من القيم الغذائية المطلوبة للحصول على صحة جيدة، ولكن في المرة القادمة التي تشعر فيها بالرغبة في شرب كوب بارد من الحليب المنعش، ننصحك باستبدال مصدر حصولك على الحليب، القادم من المراعي الخضراء، بتلك التي تتجول بين الكثبان الرملية.

وفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، يقدم الحليب 48% من كمية البروتين و9% من كمية السعرات الحرارية التي يحتاجها الطفل البالغ من العمر من 5 إلى 6 سنوات يتمتع بنشاط بدني خفيف، كما يُعتبر حليب البقر مليئًا بـ13 نوعٍ من الفيتامينات والعناصر الغذائية الأساسية مثل الكالسيوم وفيتامينات أ و د والتي تساهم في توفير نظام غذائي صحي، ولكن تأثير صناعة الألبان على البيئة والتأثير اللاحق للبيئة على مزارع الألبان، جعل المزارعين يلجؤون إلى قطاع إنتاج حليب الإبل لتلبية الطلب والوفاء بالتزاماتهم البيئية.

يبدو أن حليب الإبل يحتوي على الفوائد الصحية لحليب البقر، إضافة لميزة أخرى تتمثل في بصمة كربونية حيوانية أقل بكثير.

البيئة هي الضحية

تنتج 270 مليون بقرة الحليب، الأمر الذي يتسبب في انبعاث 2.1 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، ما يجعل القطاع الصناعي للألبان مسؤولًا عن 30% من جميع الانبعاثات البشرية، ويُعتبر الأثر البيئي لهذه الأرقام كبيرًا، ومع توقع أن يتضاعف الطلب على منتجات الألبان ثلاث مرات بحلول عام 2050 بسبب النمو السكاني وزيادة الاستهلاك، يُتوقع أن يزداد الأمر سوءًا.

تُمثّل انبعاثات الميثان أسوأ خطر مرتبطٍ بالبقر وغيرها من الحيوانات المجترة، فهي تنتج الميثان في عملية الهضم وتطلقه إلى الغلاف الجوي من خلال عملية التجشؤ، وهو ما يمثل 20% من إجمالي الانبعاثات العالمية، والأسوأ من هذا هو أنه أقوى 20 مرة من ثاني أكسيد الكربون.

IMAGE: Unsplash

وفي الحقيقة، تساهم جميع المواشي بنصيبها الخاص من الميثان، ولكن الإبل هي الخيار الأكثر أمنًا على البيئة.

ومن الجدير بالذكر، أن الانبعاثات لا تُعتبر القضية البيئية الوحيدة المتعلقة بمزارع إنتاج الألبان، حيث يمثّل كلٌّ من استخدام الأراضي لزراعة الأعلاف والمبيدات الحشرية لتلك المحاصيل وكمية المياه اللازمة للحصول على الحليب من الأبقار إلى أرفف المحلات، تحدياتٍ أيضًا.

مياه

يبلغ متوسط كمية المياه المستخدمة لإنتاج لتر واحد من الحليب، والذي يشمل زراعة علف الماشية، 911 لترًا، ويختلف هذا من مزرعة لأخرى ولكنه يُعتبر نسبة كبيرة، وعندما تتعرض إمدادات المياه للتهديد أيضًا، يمكن أن تتزايد التكلفة بنسبة كبيرة.

يمكن أن يؤثر تلوث المياه الناتج عن سوء إدارة السماد أيضًا، على إمدادات المياه المحيطة، كما تتسبب أحواض السماد الفائضة والمتشققة أحيانًا في حدوث تسرب، وبالتالي تلوث المياه الجوفية، ويشق هذا بدوره طريقه بمرور الوقت إلى جميع أنواع المسطحات المائية التي تشمل الأنهار والمحيطات.

IMAGE: Unsplash

ومع ذلك، تتطلب الإبل كمية أقل من الماء ويمكنها أن تصمد لأسبوعين دون الحصول عليه، مقارنة بيومين فقط للبقرة، ما يثبت أن الإبل خيار أكثر مرونة بلا أدنى شك، بفضل قدرتها على تحمّل الظروف القاسية وفقدان 30% من وزن جسمها والبقاء رغم ذلك على قيد الحياة، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية وتحول الأمن الغذائي إلى مصدر قلق ملح.

يتأثر الأمن الغذائي أيضًا بمساحة الأراضي الخصبة اللازمة لتلبية الاحتياجات الغذائية للحيوانات آكلة العشب والمراعي المخصصة لرعي الماشية، وهذا لا يؤدي إلى إزالة الغابات على نطاق واسع فحسب، بل يؤدي أيضًا إلى آثار غير مباشرة لمزيد من الانبعاثات والتأثيرات على التنوع الحيوي والنظم البيئية، في حين يمكن أن تتناول الإبل أي نبات ينمو في المكان الذي تعيش فيه، كما تشير أعناقها الطويلة إلى قدرتها على الوصول إلى أعالي الأشجار وتناول وجبة خفيفة بسعادة سواءً كان مصدرها شجيرة أو عشبًا أو حتى نباتات شائكة.

يبدو أن حليب الإبل هو الفائز بجدارة، عندما يتعلق الأمر بالتغذية والاستدامة، ولكن ليس من السهل إحداث نقلة نوعية في قطاع صناعي ضخم، فقد وُجدت مزارع الألبان منذ عدة أجيال كما أنها لا تزال تتمثّل في شركات عائلية في كثير من الحالات، إضافة لذلك، لا يزال وجود مزارع الأبقار منطقيًا في الأماكن الغنية بالأراضي العشبية والطقس الأكثر اعتدالًا، ولكن عندما يصبح الأمر متعلقًا بالبقاء أكثر من كونه متعلقًا بالرأي العام، يجد الناس الحل المناسب.

الإبل تسافر إلى أمريكا

فقد كانت الأبقار جزءًا لا يتجزأ من العديد من الأنظمة الاقتصادية والغذائية والتقاليد الأفريقية على مدى التاريخ، ولكنّها تتجه الآن إلى ما يمكن أن يكون عامًا آخر من الجفاف، حيث تُعتبر منطقة القرن الأفريقي أو شبه الجزيرة الصومالية، والمناطق المحيطة بها في حالة طوارئ، فقد أدى الجفاف الذي استمر ثلاث سنوات والذي بدأ عام 2020، إلى تدمير المحاصيل وفقدان المراعي ونضوب كلٍّ من الثروة الحيوانية ومصادر المياه.

يقدم حليب الإبل الكثير من الفوائد، ولكن يكمن الحل في استقرار السوق

جيمس سالفر، أحد المعلمين المتخصصين في مجال الألبان في توسعة جامعة مينيسوتا

ففي سامبورو، المقاطعة كينية التي يبلغ عدد سكانها حوالي 310.000 نسمة، عانى الناس من سوء التغذية بعد أن نفقت معظم مواشيهم. ومن جهة أخرى، لاحظ مزارعو الماشية أن القرى المجاورة مع مزارع الإبل لم تعاني لهذه الدرجة.

وفي هذا الصدد، بدأت الحكومة قبل ثماني سنوات، برنامجًا للإبل، تُقدّم من خلاله رأسًا واحدًا من الإبل لكل شخص، وقد تم إهداء 4000 رأسًا حتى الآن، كما تشهد دول أفريقية أخرى نمو أعداد الإبل فيها.

الإبل تسافر إلى أمريكا

لا تقتصر مزارع الإبل على الدول الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، فهي تكتسب أيضًا شعبية في الولايات المتحدة.

تقدم مزرعة عائلية مساحتها 35 فدانًا في نبراسكا تسمى كاميلوت لألبان الإبل، حليب الإبل للمستهلكين الذين يعانون من حساسية الحليب أو الذين قد يُعتبرون فضوليين ومغامرين إلى حد ما، وهي واحدة من الجهتين المرخص لهما بالتزويد بحليب الإبل في البلاد، كما أنهم يأملون أن يصبح سعر لتر الحليب الذي يبلغ حاليًا 16 دولارًا أمريكيًا، في نهاية المطاف مع ازدياد الطلب، ميسور التكلفة ويسهل الوصول إليه.

وفي السياق، قال جيمس سالفر، أحد المعلمين المتخصصين في مجال الألبان في توسعة جامعة مينيسوتا: “يقدم حليب الإبل الكثير من الفوائد، ولكن يكمن الحل في استقرار السوق، حيث يحتاج المزارعون إلى ضمان الطلب، كما يجب أن يكون المستهلكون على استعداد لدفع ثمن تكلفة تربية الإبل وحليبها”.

وقد تتجاوز تجارة حليب الإبل العالمية 13 مليار دولار بحلول نهاية العقد، مقارنة بـ 1.3 مليار دولار في عام 2022.

انضم لقائمتنا البريدية

احصل على آخر المقالات والأخبار والتحديثات الأخرى من مجلة
مراجعة جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا